مقاربة تعريفية ونقدية عربية-غربية
1. المشكلة كما صاغها النقد الغربي:
الإشكال النظري الأعمق حول علاقة السيرة الذاتية بالتخييل لم يُطرح بجدية إلا مع فيليب لوجون في كتابه "العقد السيرذاتي" (1975). عرّف لوجون السيرة الذاتية بأنها سرد نثري استعادي يكتبه شخص واقعي عن وجوده الخاص، بشرط تطابق الاسم بين المؤلف والراوي والشخصية. هذا التعريف الشكلي مهم لأنه ينقل معيار التمييز بين السيرة والرواية من مضمون النص إلى بنيته التعاقدية: النص لا يصبح سيرة ذاتية لأنه "صادق وقائعيًا"، بل لأن مؤلفه وقّع ضمنيًا على التزام بأن يكون كذلك. وهذا بحد ذاته يفتح الباب أمام إشكالية حادة: العقد يمكن أن يُخرَق من دون أن يتغير الشكل الخارجي للنص، وهو ما يجعل التخييل داخل السيرة مسألة أخلاقية-تعاقدية أكثر منها مسألة جمالية.
جورج ماي، في كتابه "السيرة الذاتية" (L'Autobiographie، 1979)، ذهب أبعد من لوجون حين اعتبر أن السيرة الذاتية تحمل في بنيتها تناقضًا لا يُحل: هي في آن واحد وثيقة تاريخية تُقاس بمعيار المطابقة، وعمل أدبي يُقاس بمعيار الانسجام والبناء. وبما أن معيار الانسجام يفرض حذفًا وترتيبًا وتكثيفًا، فإن كل سيرة ذاتية- من حيث كونها نصًا أدبيًا ناجحًا- ملزمة بخيانة جزئية لمعيار المطابقة التاريخية. هذه الفكرة تنسف الطرح الساذج القائل بإمكان "سيرة ذاتية نقية من التخييل"؛ فالنقاء هنا مستحيل بنيويًا لا أخلاقيًا فحسب.
أما جورج غوسدورف، في مقالته التأسيسية "شروط وحدود السيرة الذاتية" (1956)، فقد قدّم أطروحة مختلفة الاتجاه: اعتبر أن السيرة الذاتية ليست نوعًا أدبيًا عابرًا للثقافات، بل نتاج وعي غربي خاص بالفردانية نشأ تاريخيًا مع القديس أوغسطين ثم توسّع مع النهضة والحداثة. بحسب غوسدورف، تفترض السيرة الذاتية أن للفرد قيمة مستقلة عن الجماعة تستحق التأمل والتسجيل، وهذا شرط ثقافي لم يتوفر بالقدر نفسه في كل الحضارات. أهمية هذه الأطروحة هنا أنها تُدخل حدود التخييل في السيرة الذاتية ضمن سياق أوسع: الحدود ليست فقط بين الوقائع والمتخيَّل، بل بين ما تسمح ثقافة بعينها بقوله عن الذات وما لا تسمح به، وهو ما يقودنا لاحقًا إلى السؤال عن الحالة العربية.
بول دي مان ذهب إلى موقف أكثر راديكالية في مقالته "السيرة الذاتية بوصفها نزعًا للوجه" (Autobiography as De-facement، 1979). عنده، لا يمكن حسم الفرق بين السيرة الذاتية والتخييل على مستوى النص نفسه، لأن الفعل السيرذاتي هو أساسًا فعل بلاغي (prosopopoeia): الكاتب يمنح صوتًا ووجهًا لذات غائبة (النسخة الماضية منه، أو حتى النسخة الميتة المستقبلية التي ستُقرأ بعد رحيله)، وهذا المنح بحد ذاته عملية تخييلية لا تقل جذرية عن كتابة رواية. بهذا المعنى، السيرة الذاتية عند دي مان ليست نوعًا أدبيًا يمكن تعريفه بمعايير مضمونية، بل هي طريقة قراءة يمكن أن تُسقَط على أي نص يدّعي المرجعية الذاتية.
في المقابل، طرح سيرج دوبروفسكي حلًا عمليًا لهذا التوتر النظري حين صاغ مصطلح "الأوتوفيكشن" (Autofiction) سنة 1977، وعرّفه بأنه سرد لوقائع وأحداث حقيقية تمامًا، لكن بتقنيات الرواية، مع إعلان صريح من الكاتب بأن ما يكتبه "رواية" لا "سيرة". القيمة النظرية لهذا الحل أنه لا يلغي التخييل بل يُشرعنه عبر النقل الصريح للعقد من فئة "المطابقة" إلى فئة "الإشارة إلى إمكان عدم المطابقة"، فتنتقل المسؤولية الأخلاقية من الالتزام بالحقيقة إلى الالتزام بالإفصاح عن طبيعة الالتزام نفسه.
2. التقليد العربي - أنموذج مغاير لا فرع تابع:
من الأخطاء الشائعة في الكتابة العربية عن هذا الموضوع اختزال السيرة الذاتية العربية إلى استيراد متأخر للأنموذج الغربي. هذا غير دقيق تاريخيًا ونظريًا. يحيى إبراهيم عبد الدايم، في دراسته المبكرة والمؤسِّسة "السيرة الذاتية: دراسة تحليلية ونقدية" (1975)، تتبّع جذورًا عربية قديمة لكتابة الذات تعود إلى "التعريف" لابن خلدون ورحلته غربًا وشرقًا، وإلى كتابات صوفية كسيرة "لطائف المنن" لابن عطاء الله السكندري، وسير علمية كسيرة السيوطي الذاتية. وهذه النصوص، كما يلاحظ عبد الدايم، تختلف جوهريًا عن الأنموذج الأوغسطيني-الروسويّ الذي هيمن على النقد الغربي.
الفارق الجوهري هنا هو فارق في وظيفة النص لا في وجوده: السيرة الأوغسطينية والروسوية تنبني على وعد بكشف الباطن (الاعتراف)، ومن ثمة فإن حدود التخييل فيها تُقاس بمدى صدق الكاتب مع نفسه وجدانيًا وداخليًا. أما "التعريف" الخلدوني وما يشبهه من التراجم الذاتية العربية القديمة، فينتمي إلى جنس أقرب إلى التأريخ والتوثيق العلمي: يذكر ابن خلدون تنقلاته ومناصبه ومراسلاته بأسلوب قريب من كتابة المؤرخ لسيرة غيره، مع اعتماد شبه كامل على آليات الإسناد والتوثيق السائدة في علوم الحديث والتاريخ. هنا يكون هامش التخييل الداخلي (الانفعالي، النفسي) ضيقًا جدًا، بينما يتسع هامش تخييل آخر مختلف تمامًا: تخييل الصورة العامة، أي انتقاء الأحداث والمناصب والعلاقات بما يخدم بناء صورة "العالِم الجليل" أو "رجل الدولة"، دون أي التزام بالكشف عن التناقض الداخلي أو الضعف الإنساني.
بعبارة أخرى: التقليد الغربي يضع حدود التخييل عند خط الصدق الوجداني، بينما التقليد العربي الكلاسيكي يضعها عند خط التوثيق الوقائعي مع ترك مساحة واسعة لتخييل الصورة الاجتماعية والمكانة. هذا فارق تصنيفي مهمل في أغلب الدراسات المقارنة التي تسقط معيار "الاعتراف" الغربي على النصوص العربية القديمة فتصفها بالنقص أو "غياب العمق النفسي"، متجاهلة أن غياب هذا العمق ليس قصورًا فنيًا بل التزامًا بعقد نوعي مختلف تمامًا.
عبد الفتاح كيليطو، في كتاباته عن الأنا في التراث العربي (خصوصًا في "الأدب والغرابة")، يضيف بُعدًا آخر: الثقافة العربية الكلاسيكية كانت تنظر بحذر إلى الحديث المباشر عن الذات بصيغة "أنا"، إذ يحمل هذا الحديث دلالة تفاخر أو كشف عورة تتعارض مع قيم الحياء والتواضع السائدة. هذا التحفظ الثقافي أنتج، حسب قراءات عدة، آليات مراوغة للكتابة عن الذات من دون مواجهتها مباشرة، وأبرز مثال حديث عليها هو استخدام طه حسين ضمير الغائب "هو" في "الأيام" بدل ضمير المتكلم. هذا الاختيار الأسلوبي ليس زخرفًا بلاغيًا كما يُفهم أحيانًا، بل هو حد تخييلي وظيفي بامتياز: يمنح الكاتب مسافة نفسية تسمح له بالحديث عن ألمه وعماه وفقره من دون أن يبدو الأمر استجداء عاطفيًا مباشرًا أو خرقًا لحياء الأنا العربية التقليدية. التخييل هنا ليس تزييفًا للواقعة، بل تعديلًا في موقع الرؤية يتيح قول ما لا يمكن قوله بصيغة المتكلم.
3. حدود مسكوت عنها - الصمت بوصفه تخييلًا معكوسًا:
أغلب النقاش النظري، غربيًا وعربيًا، يقارب التخييل بوصفه إضافة: ماذا أضاف الكاتب على الوقائع؟ لكن ثمة صيغة أخرى للتخييل أقل درسًا وأشد خطورة معرفيًا: التخييل بالحذف، أو ما يمكن تسميته الصمت البنّاء. حين تحذف فدوى طوقان في "رحلة جبلية رحلة صعبة" تفاصيل معينة عن علاقتها العاطفية المبكرة، أو حين يتجنب كاتب عربي محافظ الخوض في تجربة شك ديني عاشها فعليًا، فإن النص لا "يكذب" بالمعنى التقني، لكنه يعيد بناء صورة عن الذات بواسطة الغياب لا الحضور. هذا النوع من التخييل أصعب رصدًا نقديًا لأنه لا يترك أثرًا نصيًا يمكن مقارنته بمصدر خارجي، وهو ما يجعله أخطر من التخييل بالإضافة: فالإضافة يمكن كشفها بالمقارنة مع وثائق أو شهادات أخرى، أما الحذف فلا يُكشف إلا حين تظهر مصادر مستقلة تكشف "الفجوة" لاحقًا -كما حدث فعليًا مع سير ذاتية عربية وغربية كثيرة اكتُشفت لاحقًا حذوفاتها بعد صدور رسائل أو شهادات أو وثائق أرشيفية بعد وفاة الكاتب.
هذا يقودنا إلى معيار نقدي مقترح لتصنيف حدود التخييل، غير مطروح بهذه الصيغة في المصادر السابقة: يمكن التمييز بين ثلاث مستويات للتخييل السيرذاتي وفق درجة قابليتها للتحقق الخارجي.
المستوى الأول هو التخييل غير القابل للتحقق أصلًا (إعادة بناء حوار داخلي، وصف شعور لحظي)، وهذا تخييل بنيوي لا مفر منه، مقبول عمومًا في كل التقاليد النقدية المذكورة أعلاه.
المستوى الثاني هو التخييل القابل للتحقق جزئيًا (ترتيب الأحداث، دمج شخصيات، تعديل تواريخ)، وهنا يصبح الحكم مرهونًا بحجم الانحراف وأثره على الصورة العامة للوقائع؛ وهذا هو الحقل الذي ينظّمه عمليًا مفهوم دوبروفسكي عن الأوتوفيكشن حين يُعلَن، أو يبقى مخالفة للعقد حين يُخفى.
المستوى الثالث هو التخييل القابل للتحقق الكامل، أي اختلاق وقائع لم تحدث أو نسبة أقوال وأفعال لأشخاص حقيقيين لم يقولوها أو يفعلوها. هذه الطبقة وحدها هي التي يمكن اعتبارها خرقًا فعليًا لعقد السيرة الذاتية بالمعنى الذي وضعه لوجون، بصرف النظر عن أي تبرير جمالي أو نفسي يقدَمه الكاتب لاحقًا.
خلاصة نقدية:
الفارق الحاسم بين المقاربتين الغربية والعربية ليس في الإقرار بوجود التخييل- فكلاهما يقر به بصيغ مختلفة- بل في موضع الحدود ومصدر شرعيتها. الغرب، من أوغسطين إلى دي مان، يبحث عن الحدود داخل علاقة الذات بنفسها: السؤال هو "هل يخون الكاتب وعيه الداخلي؟". أما التقليد العربي الكلاسيكي، كما تُظهره نصوص ابن خلدون والسيوطي، فيبحث عن الحدود في علاقة الذات بالجماعة ومعايير التوثيق العلمي والاجتماعي السائدة: السؤال هو "هل يخون الكاتب المعايير المشتركة للشهادة والمروءة؟". الأنموذج العربي الحديث، من طه حسين إلى فدوى طوقان، يقف في منطقة توتر بين هذين الأنموذجين: يستعير أدوات الكشف الداخلي الغربي بينما يظل مثقلًا بحساسية التقليد العربي تجاه فضح الذات، فينتج أشكالًا مركّبة من التخييل الوظيفي (كضمير الغائب) لا يمكن فهمها بمعزل عن هذا الصراع الثقافي المزدوج المصدر.
***
آمال بن الطاهر - باحثة من المغرب








