في الأدب العربي والغربي
في البداية علينا أن نقرأ المفاهيم والجذور النظرية والمناهج التطبيقية وأبرز النقاد والنماذج الأدبية، فحين تغادر الطبيعة هامش النص تصبح شريكاً في إنتاج المعنى.
لم تعد الطبيعة في الدراسات الأدبية المعاصرة مجرد خلفية تتعاقب فوقها الأحداث، أو فضاء تتزيّن به القصيدة، أو مرآة تستعير الذات الإنسانية من تضاريسها صور الحزن والفرح والحنين. لقد أضحى العالم الطبيعي، في ضوء التحولات التي شهدتها العلوم الإنسانية والنقد الأدبي، مجالًا لإعادة التفكير في علاقة الإنسان بالوجود، وفي الحدود الفاصلة بين الذات ومحيطها، وفي المسؤولية الأخلاقية التي تترتب على قدرة الإنسان على تغيير الأرض واستنزاف مواردها وتدمير توازناتها.
من هنا تبلور النقد الإيكولوجي، أو النقد البيئي، بوصفه اتجاهاً نقدياً يدرس العلاقات المتشابكة بين الأدب والبيئة، ويحلل طرائق تمثيل الطبيعة والكائنات غير البشرية في النصوص، ويستكشف ما تنطوي عليه تلك التمثيلات من تصورات فلسفية وثقافية واجتماعية وسياسية. وهو لا يكتفي بالسؤال عن كيفية وصف الغابة أو البحر أو النهر، بل يتجاوز الوصف إلى مساءلة الرؤية التي تنتظم هذا الحضور: هل تظهر الطبيعة كيانًا له قيمته وفاعليته، أم تتحول إلى مورد خاضع للمنفعة البشرية؟ وهل تتكلم الأرض في النص بصوتها الخاص، أم لا نسمع فيها إلا صدى رغبات الإنسان ومخاوفه ومشروعاته؟
إن التحول الجوهري الذي يقترحه هذا المنهج يتمثل في نقل الطبيعة من موقع الموضوع الصامت إلى موقع العنصر المشارك في تشكيل المعنى. فالشجرة ليست بالضرورة استعارة للحياة فحسب، والنهر ليس مجرد رمز للزمن، والحيوان ليس صورة مجازية للغريزة، والأرض ليست وعاءً للأحداث؛ إذ يمكن لكل منها أن يكشف عن نظام من العلاقات المتبادلة بين الإنسان ومحيطه، وعن أنماط السيطرة والاستغلال والتعايش والفقد والانتماء.
ومن هذا المنطلق، يغدو النقد الإيكولوجي مدخلًا لإعادة قراءة التراث الأدبي العربي، والشعر الحديث، والرواية المعاصرة، والأدب الفلسطيني خصوصاً؛ حيث تتداخل الأرض والذاكرة والاقتلاع والمنفى والموارد الطبيعية في تشكيل التجربة الإنسانية والجمالية. كما يتيح حواراً مثمراً مع النقد الغربي الذي راكم، منذ النصف الثاني من القرن العشرين، مفاهيم وأدوات تساعد على فهم الأزمة البيئية بوصفها أزمة ثقافية وحضارية، لا مجرد خلل في الطبيعة.
١- المفهوم الأولي والجذور النظرية للنقد الإيكولوجي
تعود كلمة «إيكولوجيا» إلى أصل يوناني يرتبط بالمسكن أو الموطن، وبالعلم أو الدراسة. وقد صاغ عالم الأحياء الألماني إرنست هيكل مصطلح أيكولوجي سنة ١٨٦٦ للدلالة على دراسة العلاقات بين الكائنات الحية وبيئتها. أما انتقال التفكير الإيكولوجي إلى الدراسات الأدبية فقد جاء نتيجة تفاعل طويل بين الفلسفة البيئية، وحركات حماية الطبيعة، والنقد الثقافي، والدراسات الاجتماعية، والوعي المتنامي بأخطار التصنيع والتلوث والاستنزاف البيئي.
ظهر مصطلح النقد الإيكولوجي بوضوح في أعمال الناقد الأمريكي ويليام روكرت، ولا سيما مقاله «الأدب والإيكولوجيا: تجربة في النقد الإيكولوجي» المنشور عام ١٩٧٨. غير أن ترسخ هذا الاتجاه داخل المؤسسات الأكاديمية ارتبط بصورة بارزة بكتاب قارئ النقد البيئي الذي حررته شيريل غلوتفلتي وهارولد فروم عام ١٩٩٦، وبأعمال الناقد لورنس بويل، ثم بكتاب غريغ غارارد النقد البيئي الصادر عام ٢٠٠٤.
وقد تطور النقد الإيكولوجي من الاهتمام بالطبيعة في الأدب، ولا سيما الأدب الرعوي وأدب البرية والمناظر الطبيعية، إلى دراسة أوسع تشمل المدن والتلوث والمناخ والحيوانات والأمراض البيئية والعدالة الاجتماعية والاقتصاد السياسي للاستغلال الطبيعي.
وبذلك لم يعد السؤال النقدي مقتصراً على: كيف يصوّر الكاتب الطبيعة؟ بل صار يتضمن أسئلة أعمق: ما التصور الذي يحكم علاقة الإنسان بالعالم غير البشري؟ كيف تتوزع المنافع والأضرار البيئية بين الطبقات والجماعات؟ كيف تتحول الأرض إلى سلعة أو وطن أو ذاكرة أو ضحية؟ وما الدور الذي تؤديه اللغة في تطبيع الهيمنة على الطبيعة أو مقاومة أشكالها؟
ومن الضروري هنا التمييز بين النقد الإيكولوجي بوصفه حقلاً نقدياً، والإيكولوجيا بوصفها علماً يدرس النظم البيئية، والكتابة البيئية بوصفها جنساً أو نمطاً أدبياً. فليس كل نص يصف الطبيعة نصاً بيئياً بالمعنى النقدي، وليس كل ناقد إيكولوجي عالماً في الأحياء؛ إذ تتحدد هوية المقاربة من خلال أسئلتها وأدواتها وطبيعة الأدلة التي تستند إليها.
٢- بين الوعي بالطبيعة وتأسيس المقاربة النقدية - النقد الإيكولوجي في الأدب العربي
إذا كان النقد الإيكولوجي قد تبلور في الجامعات الغربية بوصفه حقلاً نقدياً ذا مصطلحات ومؤسسات بحثية، فإن الأدب العربي يمتلك، في المقابل، مدونة واسعة من النصوص التي يمكن مقاربتها إيكولوجياً، من الشعر الجاهلي ووصف الصحراء والمطر والحيوان، إلى شعر الطبيعة في العصرين الأموي والعباسي، وصولًا إلى الشعر الحديث والرواية المعاصرة التي تناولت التصحر والتلوث والحرب والاقتلاع والتحولات التي تصيب المكان.
غير أن وجود الطبيعة في التراث الأدبي لا يعني أن النقد الإيكولوجي كان قد تبلور آنذاك بوصفه منهجاً مستقلًا. والأدق أن نقول إن النصوص القديمة تنطوي على تمثيلات وعلاقات بيئية قابلة لإعادة القراءة بأدوات معاصرة، مع مراعاة سياقاتها التاريخية وعدم إسقاط مفاهيم القرن الحادي والعشرين عليها بصورة آلية.
أما في الدراسات العربية الحديثة، فقد شهد النقد البيئي توسعاً تدريجياً، وظهرت بحوث تربط الأدب بالبيئة من خلال السيميائيات والأسلوبية والبنيوية والدراسات الثقافية وما بعد الاستعمار. وتشير دراسة منشورة سنة ٢٠٢٦ تتبعت الجهود النقدية العربية بين عامي ٢٠٠٤ و ٢٠٢٥ إلى انتقال هذا الاهتمام من مرحلة التشكّل إلى اتساع التطبيقات، مع استمرار التباين بين النقاد في المصطلحات والإجراءات، وعدم استقرار منهجية عربية موحدة تمامًا.
وهذا يعني أننا أمام حقل يتنامى، لا أمام مدرسة عربية مكتملة الحدود والمفاهيم.
١- الناقد اليمني عبد العزيز المقالح : صنعاء بوصفها وكاناً ووعياً وذاكرة بيئية.
يمثل الشاعر والناقد اليمني عبد العزيز المقالح نموذجاً مهماً لإمكانات القراءة الإيكولوجية في الشعر العربي الحديث.
ففي دراسة بعنوان صنعاء والمشهد اليمني: الشعرية البيئية لعبد العزيز المقالح، تناول باحثون شعر المقالح من منظور الشعرية البيئية، ودرسوا الصلة بين الجغرافيا اليمنية وتجربة الشاعر، وبين المكان والذاكرة والتحولات التي تطرأ على علاقة الإنسان بموطنه.
ومن الممكن توسيع هذه القراءة عبر تحليل صورة صنعاء في الشعر: كيف يتحول المكان إلى عنصر في بناء الهوية؟ وكيف تتداخل الجغرافيا المحسوسة مع المدينة المستعادة في الذاكرة؟ وما الذي يحدث حين يصبح المكان البعيد أكثر حضورًا في الوعي من المكان الذي يعيش فيه الإنسان فعليًا؟
هنا لا تكون البيئة مجرد منظر شعري، بل تصبح بنية من الانتماء والذاكرة والفقد. ومع ذلك، ينبغي التمييز بين شعرية المكان والنقد الإيكولوجي بالمعنى الدقيق؛ فلا تصبح القراءة إيكولوجية إلا حين تبحث أيضًا في علاقة الإنسان بالعالم الطبيعي، وفي أثر التحولات البيئية في بناء النص ودلالته.
الباحثة
٢- نادين عادل سينو باحثة في جامعة فرجينيا.
تعتبر الباحثة نادين عادل سينو المتخصصة في اللغة العربية والأدب العربي الحديث والدراسات الثقافية، من أهم الباحثات في مجال النقد الإيكولوجي ، فهي تعمل في جامعة فيرجينيا للتقنية في الولايات المتحدة الأمريكية، وتشغل منصب أستاذة للعربية ومديرة برنامج اللغة العربية.
تتركز اهتماماتها البحثية في الأدب العربي الحديث، والأدب العربي الأمريكي، والدراسات النسوية، والنقد الإيكولوجي، والثقافة البصرية، والترجمة الأدبية.
وتعدُّ من الباحثات اللواتي أسهمن في إدخال الأدب العربي الحديث إلى الحوار الأكاديمي العالمي حول النقد الإيكولوجي.
فقد كتبت دراسة بعنوان: " إضفاء الطابع الأخضر على الأدب العربي الحديث: تفسير بيئي لروايتين عربيتين معاصرتين"، بحثت في إمكان قراءة روايتين عربيتين معاصرتين من منظور إيكولوجي، ودعت إلى توسيع حضور الأصوات العربية والشرق أوسطية في هذا الحقل النقدي.
تكمن أهمية هذا المسار في أنه يرفض التعامل مع الأدب العربي بوصفه مادة هامشية في النظريات التي نشأت في الغرب، ويدعو إلى حوار نقدي متبادل: تستفيد الدراسات العربية من الأدوات النظرية العالمية، لكنها تقدم في المقابل تجارب تاريخية وثقافية وبيئية قد تدفع النظرية نفسها إلى التطور.
فالأدب العربي لا يتعامل مع الطبيعة في فراغ؛ إذ تتصل صور الأرض والماء والصحراء والمدينة بذاكرة المكان، والتحولات الاجتماعية، والهجرة، والحرب، والاستعمار، والاقتصاد، والتفاوت في الوصول إلى الموارد. ومن هنا تبرز ضرورة تطوير قراءة تستجيب لخصوصية النصوص العربية، بدل الاكتفاء بنقل المصطلحات الغربية دون اختبار قدرتها التفسيرية.
٣- الباحث جهاد محمود كتب عدة دراسات حول العنف الاجتماعي وعلاقته بالعنف البيئي
كما كتب دراسة يتساءل فيها كيف يمكن للتلوث وتدمير البيئة والتنافس على الموارد أن تتداخل مع الفقر والتهميش والنزاعات الاجتماعية،
كما لا يمكننا أن نغفلالعديد من الشخصيات الهامة . ومن الأسماء البحثية التي تستحق المتابعة جيهان محمد زكريا محمود التي ارتبط عملها البحثي بمشروع عن العنف الجندري والعنف البيئي في الأدب والثقافة العربية، ضمن دراسة روايات عربية حديثة ومعاصرة.
ينطلق هذا المسار من سؤال عن كيفية تداخل أشكال العنف الموجهة إلى النساء مع أشكال العنف الموجهة إلى البيئة، وعن الكيفية التي تتقاطع بها السيطرة على الأجساد مع السيطرة على الموارد والمكان.
ولا ينبغي فهم هذا التقاطع على أنه تطابق بين المرأة والطبيعة أو اختزال إحداهما في الأخرى، بل بوصفه سؤالًا عن أنظمة الهيمنة حين تتكرر منطقًا وممارسة في أكثر من مجال.
وتتيح هذه المقاربة قراءة الرواية العربية باعتبارها فضاءً تتفاعل فيه السلطة الاجتماعية والسياسية والدينية والاقتصادية مع المكان والكائنات والموارد، مع ضرورة إثبات هذه العلاقات من داخل النصوص نفسها، لا افتراضها قبل القراءة.
٤- هل يمكن قراءة الأدب العربي والشعر العربي الجاهلي إيكولوجيًا؟
نعم، يمكن ذلك، بشرط التمييز بين الوعي البيئي في النصوص القديمة وبين النقد الإيكولوجي بوصفه منهجًا حديثاً.
فالشعر الجاهلي يرتبط ارتباطاً وثيقاً ببيئة الصحراء: المطر والجدب والخصب والرحيل والنجوم والحيوان والآبار والنبات. وهذه العناصر ليست تفاصيل هامشية، بل تدخل في تشكيل المعجم الشعري، وبناء الصورة، وتحديد علاقة الإنسان بالمكان.
وقد تناولت دراسة مقارنة حديثة تمثيلات الوعي الإيكولوجي في الأدب العربي قبل الإسلام وفي بدايات العصر الإسلامي، مستندة إلى قراءة نصوص شعرية من المرحلتين.
ومن أمثلة الأسئلة التي يمكن طرحها:
كيف تصوغ المعلقات علاقة الإنسان بالمكان الذي يرحل عنه؟
- ما وظيفة المطر والكلأ والحيوان في تشكيل التجربة الشعرية؟
- كيف تتحول آثار الديار إلى علامات على تغير البيئة ومرور الزمن؟
- كيف يؤثر إيقاع الحياة الصحراوية في الصور الشعرية وبنية الوصف؟
- هل تظهر الطبيعة بوصفها قوة مستقلة، أم بوصفها مجالًا للصراع من أجل البقاء؟
إن مثل هذه الأسئلة لا تعني أن الشاعر الجاهلي كان يحمل مفهوم الإيكولوجيا الحديث، بل تعني أن نصه يتيح لنا فهم أنماط تاريخية من التفاعل بين الإنسان وبيئته
في المحصلة، يفتح النقد الإيكولوجي أفقًا جديدًا لقراءة الأدب، يصل الجماليات بالبيئة، واللغة بالذاكرة، والإنسان بالعالم الحي. وتكشف المدونة العربية، ولا سيما الأدب الفلسطيني، عن إمكانات ثرية لفهم الأرض بوصفها موطنًا وذاكرة ونظامًا بيئيًا يتأثر بالعنف والاقتلاع والاستنزاف. ولا تكمن غاية هذا المنهج في إسقاط مفاهيم جاهزة على النصوص، بل في تطوير أدوات نقدية تستجيب لخصوصيتها التاريخية والثقافية، وتكشف كيف يصبح الأدب مساءلةً لعلاقة الإنسان بالطبيعة، ولشروط الحياة والوجود المشترك على هذه الأرض.
***
بقلم: عماد خالد رحمة - برلين








