عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

غسان علي: بقشة أمونة لفاطمة المزروعي

من صرّة القماش إلى خزان الذاكرة

تأتي قصة «بقشة أمونة» للكاتبة الإماراتية فاطمة المزروعي، الصادرة عن معهد الشارقة للتراث في الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة، بوصفها نصًا سرديًا شديد الالتصاق بالحياة الشعبية، وقادرًا في الوقت نفسه على تجاوز المستوى الفلكلوري الظاهر إلى بناء نقدي أعمق، يجعل من الحارة القديمة مجالًا لاختبار الذاكرة، والسلطة، والعلاقات النسائية، وتداول الخبر، وصناعة السمعة. ومنذ عتبة العنوان، تضعنا القصة أمام شيء صغير في ظاهره، هو البقشة، غير أن هذا الشيء يتحول تدريجيًا إلى مركز دلالي تتحرك حوله الشخصيات والأسرار والبيوت والمجالس، حتى يغدو حاملًا مكثفًا لعالم اجتماعي كامل. فالبقشة هنا ليست مجرد صرة بضائع تحملها امرأة جوالة، وإنما هي خزان متنقل للحكايات، وأداة عبور بين البيوت، ووسيط اجتماعي يجمع بين التجارة والخبر، والفضيحة والحنين والخوف.

تنهض القصة على قدرة واضحة في تحويل الموروث اليومي إلى مادة حكائية حيّة. فاطمة المزروعي لا تستعيد الحارة بوصفها صورة قديمة تستدعي العاطفة والحنين، وإنما تجعلها بنية اجتماعية مكتملة، لها قوانينها الخفية، ومراكزها المؤثرة، ونظامها الخاص في المراقبة والتداول والحكم. الحارة في النص تتحرك كجسد جماعي، يسمع، ويرى، ويتذكر، ويصنف الناس، ويمنحهم مواقعهم داخل شبكة العلاقات. الأبواب، المجالس، الخادمات، القهوة، البخور، الأقمشة، كحل الإثمد، المندوس، واحتفالية حق الليلة، كلها تتحول إلى عناصر فاعلة داخل البناء السردي، حيث تؤدي الأشياء وظيفة اجتماعية تتجاوز حضورها المادي. فالقماش مثلًا ليس قطعة للبيع فقط، وإنما علامة على الذوق والمكانة والرغبة النسائية في الظهور، وكحل الإثمد يتصل بصورة الجسد المؤنث في المجال الشعبي، والمندوس يحتفظ بما تخفيه البيوت من ذاكرة، والبخور يفتح باب الحميمية والضيافة والسر، بينما الفريج يقدّم الإطار الأوسع الذي تتحرك داخله هذه العلامات جميعًا.

وتتجلى مهارة الكاتبة في رسم شخصية أمونة من خلال علاقتها بهذه الأشياء الصغيرة. فهي شخصية مصنوعة من الحركة والعبور والمعرفة. تدخل البيوت محمولة على شرعية البيع، غير أن دخولها لا يتوقف عند المبادلة التجارية؛ فهي تلتقط ما يقال وما لا يقال، وتقرأ الوجوه، وتنتبه إلى تبدل الروائح، وإلى نوع القهوة المقدمة، وإلى صمت امرأة، أو ارتباك خادمة، أو غياب فتاة عن المجلس. ومن هذا التراكم اليومي تصنع أمونة سلطتها. قوتها ليست في المال، ولا في النسب، ولا في المنصب، وإنما في امتلاكها لما يمكن تسميته بالمعرفة الاجتماعية الدقيقة؛ تلك المعرفة التي تتشكل من التفاصيل الصغيرة، وتتحول داخل المجتمعات المحدودة إلى نفوذ ناعم، قادر على التأثير في المصائر، والعلاقات والزواج والسمعة.

من هذه الزاوية، تبدو أمونة أكثر من بائعة جوالة. إنها وسيط اجتماعي، وناقلة أخبار، وخطّابة، ومصلحة بين البيوت، وحافظة أسرار، وصانعة توتر في الوقت نفسه. هذه التركيبة تمنح الشخصية طاقتها الدرامية. فهي تدخل البيوت بوجه مألوف، محبب، قريب من النساء، لكنها تحمل معها سلطة خفية، لأن كل بيت يعرف أنها قد تخرج منه بشيء أكثر من ثمن القماش. ولذلك تصبح البقشة جهازًا سرديًا شديد الذكاء؛ فهي تمنح أمونة حق الحركة، وتمنحها في الوقت نفسه القدرة على جمع الروايات. كل قطعة قماش داخلها تصلح لأن تكون مدخلًا إلى حكاية، وكل طلب شراء قد يفتح بابًا على زواج قادم، أو خصومة مكتومة، أو غيرة نسائية، أو خيبة داخل بيت مغلق.

وتبلغ القصة مستواها النقدي حين تكشف أن المعرفة اليومية يمكن أن تتحول إلى سلطة اجتماعية. الثرثرة في «بقشة أمونة» لا تظهر بوصفها كلامًا زائدًا، وإنما كبنية فاعلة في تنظيم الحارة. الخبر يرفع امرأة ويخفض أخرى، يفتح طريقًا لزواج أو يغلقه، يحمي سمعة بيت أو يعرّيه أمام الآخرين. هنا تقترب القصة من منطقة سوسيولوجية مهمة، حيث تتحول المجتمعات الصغيرة إلى شبكات رقابة متبادلة، ويصبح الكلام مؤسسة غير مكتوبة لإدارة السلوك. فالناس لا يحتاجون دائمًا إلى قانون ظاهر كي ينضبطوا؛ تكفيهم أحيانًا عين الحارة، ولسان الحارة، وذاكرة امرأة تعرف كيف تحفظ الخبر ومتى تطلقه.

وقد أحسنت المزروعي في جعل هذه السلطة ناعمة وغير مباشرة. أمونة لا تبدو شخصية قهرية أو متسلطة بالمعنى الواضح، وإنما تمارس أثرها من خلال القرب، والأنس، والمزاح، والخدمة، وتلبية الحاجات. هذه هي خطورة الشخصية وجمالها الفني في آن واحد. فهي لا تفرض نفسها على البيوت، وإنما تدخل إليها من منطقة الحاجة والرغبة. النساء يحتجن ما تحمله، ويحتجن أيضًا ما تعرفه؛ يحتجن القماش والخبر معًا. ومن هذه الثنائية يتكون موقع أمونة. إنها تحمل سلعة مرئية وسلعة غير مرئية. الأولى تُشترى بالمال، والثانية تُتداول بالحذر والرغبة والفضول.

وتزداد كثافة النص حين تنتقل القصة من وصف الدور الاجتماعي لأمونة إلى كشف شرخها الداخلي. المفارقة الدرامية المركزية في القصة تقوم على أن المرأة التي تقرأ الحارة كلها تعجز عن قراءة بيتها، وأن التي تعرف أسرار الآخرين تقف مرتبكة أمام سر قريب منها، وأن التي رتبت الزيجات، وقرأت الرغبات، وفهمت الهمس، تجد نفسها أمام جرح شخصي يعطل جهازها كله. هذه المفارقة تمنح النهاية بعدها التراجيدي، لأنها تضرب الشخصية في مصدر قوتها ذاته. فالمعرفة التي صنعت نفوذ أمونة تصبح عاجزة أمام المساحة الأكثر قربًا منها. وكلما بدا حضورها في الخارج واسعًا، تكشف النهاية أن الداخل الشخصي ظل منطقة عتمة.

في هذه النقطة تحديدًا تنتقل القصة من حكاية شعبية قائمة على الطرافة والتفصيل إلى بناء تراجيدي يكشف هشاشة السيطرة الاجتماعية. فأمونة التي تمارس نوعًا من الرقابة على الحارة، وتعرف حركة النساء والبيوت، تواجه لحظة لا تكفي فيها خبرتها. الجرح المرتبط بالأمومة، والجسد، والزواج، والخيبة، يجعل الشخصية تنكشف أمام القارئ بوصفها كائنًا هشًا، لا مجرد امرأة نافذة داخل فضاء شعبي. وهنا تتجاوز القصة الرؤية المبسطة للشخصية الشعبية، وتمنحها عمقًا إنسانيًا واضحًا. فالقارئ لا يرى أمونة من الخارج فقط، حاملة البقشة وصانعة الأخبار، وإنما يراها من الداخل أيضًا، امرأة مثقلة بما لم تستطع معرفته أو منعه أو ترميمه.

لغة فاطمة المزروعي في «بقشة أمونة» تمتلك طاقة تصويرية واعية. فهي تستثمر المفردة الشعبية من دون أن تجعلها معجمًا تراثيًا موضوعًا للزينة. المفردات تنبع من حركة العالم نفسه. حين تظهر البقشة، أو المندوس، أو البخور، أو القهوة، أو الفريج، فإنها تدخل إلى النص بوصفها جزءًا من نظام العيش، ومن علاقة الناس بالمكان، ومن الطريقة التي تتشكل بها الذاكرة داخل البيوت. وهذا يمنح اللغة ملمسًا محليًا واضحًا. المحلية هنا ليست انغلاقًا، وإنما طريق إلى الكوني، لأن القصة كلما توغلت في تفاصيل الفريج الإماراتي اقتربت من أسئلة أوسع تتصل بالسلطة والسمعة والخوف، والحب والخيبة والمعرفة.

ومن الأمثلة اللافتة في النص أن الكاتبة تجعل الشيء الصغير يفتح طبقة اجتماعية كاملة. البقشة، مثلًا، تختصر اقتصاد النساء في الحارة؛ فهي تقيم علاقة بين البائعة والبيت، وبين الرغبة والقدرة، وبين الزينة والمكانة. المجلس النسائي يكشف نظام تداول الخبر، إذ يصبح الكلام وسيلة لتثبيت المكانة أو خلخلتها. الخادمة تفتح زاوية أخرى تتصل بانتقال الخبر بين الداخل والخارج، لأن موقعها داخل البيت يمنحها معرفة قريبة، لكنه يضعها أيضًا في مرتبة اجتماعية هشة. أما حق الليلة فيستدعي طبقة احتفالية من الذاكرة، حيث تتداخل الطفولة والدين والعادة والفرح الجماعي في مشهد واحد. هذه العناصر تمنح النص كثافته، لأنها تجعل التراث يتحرك داخل الحدث، ويتحول إلى جزء من شبكة الفعل، بدل أن يبقى مادة وصفية مستقلة عن السرد.

وتقترب المزروعي في هذه القدرة على بناء العالم من خلال التفاصيل اليومية من حسّ الكاتبة الكندية أليس مونرو، من جهة تحويل الهامشي إلى باب لكشف البنية العميقة للعلاقات. مونرو اشتغلت طويلًا على المدن الصغيرة، والعائلات، والنساء، والأسرار، والذاكرة اليومية، وصنعت من العلاقات العادية مادة لكشف السلطة والرغبة والكبت والخسارات الصغيرة. وفاطمة المزروعي، في «بقشة أمونة»، تتحرك في مجال مختلف ثقافيًا وجغرافيًا، لكنها تلتقي مع هذا الحس السردي في الانتباه إلى أن الحياة الكبرى لا تظهر دائمًا في الوقائع الضخمة، وإنما في النظرة العابرة، وفي الزيارة النسائية، وفي قطعة قماش، وفي خبر ينتقل من بيت إلى بيت، وفي امرأة تبدو هامشية ثم يتضح أنها تمسك بخيوط كثيرة من المجال الاجتماعي.

غير أن خصوصية المزروعي تظل نابعة من محليتها الكثيفة. فهي لا تكتب عن الحارة من الخارج، ولا تقدمها بوصفها مشهدًا تراثيًا مكتملًا وجاهزًا للعرض، وإنما تكتبها من داخل نبضها اليومي. لذلك تبدو أمونة شخصية مصنوعة من اللغة والحركة والأشياء معًا. هي لا تُعرّف عبر الوصف المباشر فقط، وإنما عبر طريقة عبورها بين البيوت، وعبر علاقتها بالنساء، وعبر البقشة التي تحملها، وعبر قدرتها على الإصغاء، وعبر الصمت الذي يسبق الخبر. هذه طريقة فنية ناجحة في بناء الشخصية، لأنها تجعل القارئ يكتشف أمونة من خلال أثرها في الآخرين، ومن خلال الطريقة التي تتحرك بها الحارة حولها.

ومع هذه القوة، يظل النص قابلًا لملاحظة فنية تتصل بالإيقاع. بعض المقاطع التفسيرية تميل إلى إبطاء الحركة الدرامية، خصوصًا حين يطغى الشرح التراثي على توتر الحدث. القصة تكون أكثر قوة حين تترك الشيء يعمل داخل المشهد، وحين تجعل القارئ يفهم وظيفة البقشة أو المندوس أو الفريج من خلال الفعل السردي نفسه. ومع ذلك، فإن هذا الميل التوثيقي لا يضعف مشروع القصة في مجمله، لأن فاطمة المزروعي تكتب ضمن أفق واضح لصيانة الذاكرة الشعبية، وتدرك أن الحكاية هنا تقوم أيضًا بوظيفة حفظ عالم مهدد بالتلاشي. القيمة الفنية تتحقق حين يندمج التوثيق بالشخصية والحدث، وقد نجحت القصة في مواضع كثيرة في تحقيق هذا الاندماج.

إن أهمية «بقشة أمونة» أنها تقدم نموذجًا للسرد الشعبي القادر على الاشتغال النقدي. فهي لا تكتفي باستدعاء ملامح الماضي، ولا تركن إلى حنين سهل إلى الحارة القديمة، وإنما تكشف أن ذلك العالم كان محكومًا بشبكات دقيقة من العلاقات والسلطة والمعرفة. الحارة في القصة ليست مكانًا بريئًا، وإنما مجال اجتماعي له عيونه وذاكرته وأحكامه، والمرأة الشعبية ليست زينة فلكلورية، وإنما فاعلة داخل هذا المجال، تؤثر وتتأثر، تحفظ وتهدد، تصلح وتربك، تعرف وتعجز عن المعرفة.

ومن هنا تبدو أمونة شخصية قابلة للبقاء في ذاكرة القارئ. فهي لا تعيش لأنها تحمل بقشة فقط، وإنما لأنها تحمل مجتمعًا كاملًا فوق كتفها. تحمل اقتصادًا صغيرًا، وذاكرة نسائية، وخرائط بيوت، وأسرار زواج، وخيبات مكتومة، وروائح مجالس، وخوفًا دفينًا من الفضيحة. وبقدر ما تمنحها هذه الحمولة قوة داخل الحارة، فإنها تجعل سقوطها الداخلي أشد إيلامًا. لقد صنعت أمونة حياتها من معرفة الآخرين، ثم كشفت القصة أن الإنسان قد يكون أعمى في أقرب نقطة إليه. في هذه المفارقة تكمن قوة النص، وفيها أيضًا تتجلى مهارة فاطمة المزروعي في تحويل الحارة من فضاء للذكرى إلى مختبر اجتماعي، وتحويل البقشة من غرض عابر إلى بنية سردية تحمل ذاكرة المكان وسلطته وجرحه.

***

غسان علي عثمان

في المثقف اليوم