عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

فؤاد بنبشينة: مُتعة الغموض الشعري وجمالية أحلام الوطن

تَتشكَّل قصائد الديوان الشعري «جنادل الاشتهاء» للشاعرة الدكتورة أنيسة بوكلاطة الصادر عن دار بصمة للنشر والتوزيع بالمغرب في طبعته الأولى سنة 2026 من مجموع حالات مجتمع يتطلّع إلى تحقيق سرور الأمكنة المغربية، أيضا مجتمع يشكو الحرمان والنقص والدفء الإنساني. القصيدة هي كمياء الغموض الممتع واللَّعِب المُقلِق باللغة، فلو تَحقق الكمال واللا-نقص فلماذا تَنسُج الذات الشاعرة نسيج استعاراتها ومجازاتها ارتكازا على الخرق والحرق، وهنا تتخذ القصيدة شكل وساطة ثقافية معرفية بين الذات الصانعة للقصيدة والمتلقي فيتوالد معنى القصيدة وفق دينامية مسار مُحاوَرة تكشف لنا عن القيم الإنسانية وإمكانية الأحلام الجيّدة وهي أحلام يقظة الشِّعر، فالذات الشاعرة بتعبير غاستون باشلار، يقول: « إن الشاعر لا يمنحني ماضي صورته، ولكن هذه الصورة تتجذر في داخلي».

التجذيرات القيمِيَّة

ارتكزت الذات الشاعرة في تشييد القصائد وبناء المعنى على آلية التجذير (أسماء أماكن، تواريخ، أسماء أعلام، أحداث، وقائع) مما أسهم في توليد الدلالة وإقحام القارئ في سيرورة التأويل الشعري ونمثل لبعض التجذيرات كالآتي: (الحسيمة/ زقاق أجدير/ عكاظ/ الكوثر/ عبقر/ تونس/ ليبيا/ الجزائر/ مصر/ فرنسا)، (يوسف/ زليخة/ سليمان/ دونكيشوط/ عشتار/ فيروز/ ابن قتيبة/ الفيروز آبادي/ المفضل الضبي)

إن هذه التجذيرات التي تمتد زمنيا إلى ما قبل العصر الإسلامي وتنتهي إلى زمنية الرقمي حيث إن الشاعرة تُشيد المعنى على آلية السخرية الشعرية الممتدة في الذاكرة وفق زمنيات مختلفة، تقول:

«ألا تعلم؟!

استَعِن "بأي پي" و "شات جيبيتي"

(...) "فطوبى" لنا بالسّم المعسل

(...)

في "عكاظ الفايس" يسري بدهاء

ويجاهر سلالة "عبقر" نحن النبغاء..

"الليكات" ألوانها تسر اللقطاء» (قصيدة:«عنها..». ص، 22)

السخرية أفضت إلى آلية محاورة زمنيتين مختلفتين: زمنية «فحول الشعراء» وزمنية «بغال الشعراء» الذين أسندوا الإبداع الإنساني إلى الرقمي "شات جي بيتي"، وعليه نكون أمام طبقتين من الشعراء؛ طبقة تمتلك الصنعة والدربة وأخرى رامت السرقة والسطو والكسل واللا-إبداع حيث إن الشاعرة تسخر من البريكولاج الشعري الجديد الذي لا يرتكز على موسوعة سوسيو-ثقافية. إن التجذيرات تحيل على الموسوعة الثقافية للذات الشاعرة وهي بذلك تقحم القارئ داخل  عوالِم الأثر الإنساني الذي تُحدِثه القصيدة والتي تدفع بالمعنى إلى أن يتخذ شكل جسد إنساني حرّ؛ يحاور، ينتقد، يُحبّ، يصوّر، يحاكي، يكره، يثور، ينفعل ثم يبتسم لحالات اللا-إصلاح لأنه فقط الكتابة هي تطهير معرفي تحضرُ بقوّة الميكانيزمات الشعرية المغربية وإلا لِمَ تحضر لو لَمْ تَكُن الذات الشاعرة أدركت شيئا وجب تقويمه وإصلاحه داخل أمكنة الوطن وخصوصا الأمكنة الثكلى التي تشكو التَّمزُّق في شمولية المجالات اقتصاديا وثقافيا وسياسيا وحقوقيا وإبداعيا من خلال محاكاة رقمية جافة من الأحاسيس والحزن وحالات الحداد الممتد في الأزمنة والأمكنة. إن الكتابة الشعرية الحقّة هي أداة تعرية وكشف زيف ما يرقد داخل اللا-قيم؛ إنها الإبداعية الشعرية للشاعرة التي وسمتها بالغموض واتكزت على اللعب الشعري باعتباره حيلة استعارية ومجازية وانزياحات وخرق للقواعد داخل حالات الصراع اللا-متكافئ ماديا ورمزيا وجغرافيا، وما معنى الحرية الإبداعية إن لم تتمثل الصراع الغامض الممتع الذي يحقق لذة للمتلقي ويمنحه الأحاسيس التي تُؤشر على حالات الانفعال والتوتر والشِدَّة في علاقة بالمقولتين السيميائيتن: الموت/ الحياة.

إن موت الإنسان يسبقه موت الأمكنة، فالقصيدة عند الشاعرة هي نداء ما تبقى من الروح لإصلاح الأمكنة ومصالحة الجذور والهوية والخصوصية المغربية، مصالحة تقطع مع الليكات والإعجاب المزيّف وما تحمله بغال الرقمي، لأن الواقعي الشعري هو تمثيل الروح والجسد معا داخل القصيدة تقول:

«والحزن يسدل

ستائر الصخب والموت

(...)

عُدتِ كما أنتِ

ثكلى الرّوح ...بالبوح

ما ذنبك ...

مدينتي يا بهية

الأحرار

يا سليلة الأبرار

ما ذنب صغارك يُخطفون

في الفجر ...وبالكر

ماذنبك توشحين بالحالك

والقهر

(...)

فداك حُسيمتي

فداك ..» (قصيدة «فداك...»، ص. 90-91)

من منظور الذات الشاعرة وقفنا على أن إشباع حالات الحرمان التي تشكو منها أمكنتنا لا تتحقق إلا بالصلاح والإصلاح وهزم الفساد، أيضا كل مواضيع-القيم الإنسانية تشترط الرغبة والإرادة لإنجازها ومن ثمّة حماية أمكنة الدفء الإنساني المغربي من موتها. الشاعرة في قصيدة «نهرتني القصيدة»، تؤشر على حالة اللا-سرور الأمكنة، تقول:

«المُسيَّجة بالآسى واللظى

ذويها في الهجيرة

على صدى الآهات

 مرقص الأنين

 وذيول الموت

بين أسياخ نيرونية

وعهود ثمودية

وقوارب ..

وعباب ..

مَضْيَفة للموت والنهاية..».

إن حضور مُقوّمات الموت تفضي إلى نسج علاقة مع مقوّمات الحياة الجيّدة كحلم يقظة يمكن أن يتحقق فقط إذا حضر اللا-تدثر بالقافية واللا-انزواء إلى التطريات الكاذبة والتباس الكتابة الشعرية خصوصا والأدبية-الثقافية عموما، تقول:

«لن أتدثر بالقافية

فالسليقة مُغيَّبة

والقريحة مُقيَّدة

حتى ينتفض

 جناح العنقاء..». (القصيدة: «نهرتني القصيدة»، ص129-130)

إن الانزياحات هنا هي انزياحات لا-مادية؛ إنها «روح الشِّعر» التي أسندت لها الشاعرة استيضاح المعنى من خلال العلامات الدالّة على الاحتراق والبعث من جديد، هذه القوّة الأسطورية أفضت إلى بناء المعنى الشعري بآلية عاطفية نسائية، فالشعر بتعبير جان كوهن «هو الشكل الأرقى للغة العاطفية» وهي عاطفة تروم الاحتراق الإبداعي لإعادة تشكيل حياة شعرية لواقع جيّد، ويتوالد الاحتراق ليشمل بعض القصائد، تقول في قصيدة: «زمن اليتم»

«أبحث

(...)

عن ضحكة وليد

يشعل فتيل الحياة»

هذه الصورة الشعرية الأسطورية للاحتراق والبعث من جديد تكثف شعرية وجمالية قصائد الديوان التي تؤشر على فرح قد يُحققه طفل قد فقد والديه أو أنّه فقد «شُعلة» الأباء والأجداد والأرض، إننا أمام طائر الفرح بتعبير غاستون باشلار، إنه الطفل-الطائر الذي قد يجدد الحياة، فتوظيف آلية الاحتراق هو توظيف لعظمة تخييل الشاعرة لتصوير الحياة الجيّدة التي تهزم الحياة الفاسدة وتعيد لنا حلم التجديد، وما الكتابة الشعرية النسائية المغربية إلا تمثيل أُمومي لحالات الماء الفاسد والحلم بالماء الأسطوري الطيّب، وعليه يقول باشلار «إن عظمة الأسطورة تظهر في مدى قدرتها على إثارة الخيال الإبداعي».

الشعر هو حقل الخيالي والواقعي واللعب بالخرق والاحتراق وأكسيولوجيات الحياة من ماء وتراب وهواء ونار، إننا داخل الشِّعر نكون داخل عالم الذات الشاعرة وعوالم الاشتهاء، نشتهي لأننا محرومون من وطنية مغربية تشمل كل المجالات، نشتهي لأننا جوعى القيم الإنسانية، نشتهي لأنّنا نوشك أن نموت ونضمحل، فالاشتهاء سيرورة بحث عن حياة عادِلة.

أشتهي الحياة، أنا أشتهي الصمت.

نجد أن الشاعرة أسندت للصمت حالات غرق المعنى، تقول في قصيدة «أعبُرُك..»:

«فيحتويني الصمت

في حرم العشق

يُغرقني ولَهاً وجنونا بك

فكيف لروحي أن تسبح

في صمت وصراخ

(...)

صوامت وصوائت

جنادل اشتهاء»

نتبيّن أن الذات الشاعرة رامت اشتهاء الينابيع الأكثر عمقا في الذاكرة الطفولية لتمثيل حبّ وطن كقصيدة: «أنتِ قدري المشتهى/ أنتِ قصيدتي العصماء». وتؤشر على هذا الحبّ بالفرحة الأبدية لاستمرارية جذور وهوية ووطنية مغربية ارتكازا على استعارة الأمّ-الوطن:

«مِن أجلك يا أمّي

نعم أمّي،

يا فرحة عمري الأبدية» (القصيدة: «من أجلك ..»، ص.6)

إن تصويرية الأرض المغربية بصورة الأمّ الأبدية هي الأمكنة الجيّدة التي يصنعها الإنسان، فالأرض لا تصنع الإنسان ولكن الإنسان هو من يصنع أرضه، وأيضا يمكن لهذا الإنسان أن يقتل أرضه فيقتل الإنسان معها ويقتل الطفل، وماذا يتبقى إن ماتت الأرض ومات الإنسان ومات الطفل؟ سؤال يُفضي إلى قلب العلامات داخل الديوان الشعري فتحضر الأمّ باعتبارها وطناً، والوطن باعتباره أمّاً وهذا يؤشر على استمرارية الرَّحِم الوطني الشامل وهو الرَّحِم الإنساني الكوني، حيث إن القصيدة الشعرية تروم معرفية كونية ترتبط بالإنسان وتعزز حياة أطفال أرضنا، فالشاعرة تُشيّد مرآةً لغوية تعكس هشاشة الإنسان في علاقة بالمجتمع والكون:

«وتلك جراح في الروح تسقيني

كلّما جال بالبال حالك

الحزين» (القصيدة: «هزلت..»،ص.121)

إن شعرية الشّعر تُعرَّفُ فقط من خلال تركيب القصيدة وشكل بنائها ولغتها ومسارات معناها وتشاكلاتها، جنادل الاشتهاء وإن توزعت لمقاطع متفرقة فهي تجتمع في سطر شعري موّحد وهو عتبة الإهداء: «إلى كلّ من شكّل ملامؤح قصيدي». فالقصيدة الشعرية النسائية المغربية تضمر أسئلة جوهرية يطرحها نسق لغة تتعالق والواقعي التصويري والتخييلي والجغرافي وأزمنة حالة الكتابة باعتبارها أحلام يقظة الذات الشاعرة وأمل المتلقي في كشف زيف السرّاب الذي يتلوّن بالكذب ولعنة الذنب:

«عدت إلى صراخك

والحزن يسدل

ستائر الصخب والموت

(...)

ثكلى الروح.. بالبوح

ما ذنبك

مدينتي يا بهية الأحرار

(...)

فداك حسيمتي.. فداك» (القصيدة: «فداك..». ص، 90-91).

نستبين أن لعنة حبّ أمكنة الحلم والأمل انقلبت إلى أمكنة سراب، فالذات الشاعرة في علاقة صراع مع الزيف الثابت واللا-متغيّر تؤشر على دينامية الرغبة في هزم الزيف الثابت وتتخذ لغتها داخل القصيدة شكل صراع للخروج من حالات النقص والكذب التي تعرفها أمكنة القصيدة حيث إن رمزية المكان تحضر في القصيدة بصورة لافتة وفي حالات تُسنِد الشاعرة للمكان رمزية الجسد كآلية للتمويه أو حمل القارئ إلى عوالم فنّ التأويل لإخراج القصيدة من الضيق إلى الرحابة المعرفية بالأمكنة وتاريخها وهذه جمالية القصيدة، فالقصيدة تفضي إلى توثيق مرحلة تاريخية تتمتد إلى زمنية بعيدة وهذا حقل أرشفة المكان والزمان، وعليه أرشفة وتوثيق فعل الإنسان وهنا العلاقة هي علاقة تأثير وتأثُّر بين الأمكنة والإنسان، وهنا نكون أمام نسق العالم الخارجي ونسق العالم الداخلي للذات الشاعرة، وعليه تستضيح شعرية القصيدة لتكشف عن بعض المعنى ولو أنه معنى جد معقد مما يجعل القارئ في حالة ذهاب وإياب داخل القصائد تائها وسط لعبة الظهور والكينونة، فالشاعرة لا تكشف عن قلب الوطن ولكنها تُظهر عقل الوطن؛ ونمثل لبعض هذه اللعبة كالآتي:

الظهور: عقل الوطن، تقول في (قصيدة، «كيف..» ص،31)؟

«في خضم التيه والوهن

كيف سأرضيك

يا عقلي

فأنت منبع المِحن».

هنا الظّاهِر شقاءٌ عقلي منطقي داخل حالات العبث والكذب واللا-رضى على الفساد واللا-صلاح.

الكينونة: قلبها/ قلب الوطن، إن الذات الشاعرة ترتكز على معرفة تاريخية للشعر والنقد العربيين، إلا أنها تخفي هذه المعرفة وتسربها في شكل سلس وإيقاع شعري جمالي، تقول في القصيدة «لست أنا..»، ص70-73:

«من قال: إنّي شاعرة؟

ليس لي

إلا أحلام غفوة أصارعها

وأخرى

أحلام يقظة فادحة أقايضها

فيا ويلي من عيون "قتيبة"

(...)

استعرت من "المفضليات"

أرجوحته الدانية

(...)

و"للفيروز آبادي" محيطه في كلمة».

لكن الذات الشاعرة في قصيدة: «يا قطوفا..»

« آه من زمن يعيد

(...)

أنا الضائع قبلا وبعدا

في الباطن والظاهر»

إن القصيدة تحيل على العالم المعرفي للذات الشاعرة وتعتذر لقوة اللغة الشعرية القديمة التي رامت الحماسة وهزمت الميوعة الآنية، حيث تسأل عن وظيفة الشعر وكيف أنه كان يتمثل القيم الإنسانية عكس ما صار الآن، تقول:

«فما القريض إن

جزّ من الهوان

والميوعة قربانا

حامية

عذرا للشعر منذ عهود غابرة

فأنا لست شاعرة» (ص، 73).

إن صوت الشاعرة يُشخِّص الحالة الانهزامية التي شملت بعض أساسيات الحياة الجيّدة من خلال ثنائية الظهور والكينونة وهي آلية جمالية استضاحت راهنية واقع حالة أمكنة تعيش ظاهريا حالة سرور مُزيّف ولكنها كينونةً تُخفي اللا-سرور واللا-الحياة الجيّدة التي تصوّرها الشاعرة من خلال تعددية العلامات الدّالة على الانفعال والتوتر من خلال محاورة هذه الأمكنة، تقول في قصيدة « أه لو أستطيع..»، (ص.24-26):

« وهل تستطيع الحروف

 إبراء العلل،

أتقدر القوافي

خلق اللقاح،

أتستطيعُ

 القصيدة إطعام الجياع

وتهدئة النفوس بهول ما يقع

هنا وكل بقاع العالم ؟!

أتستطيع إيقاف زحف الردى

وردع تلك الرائحة

(...)

من يبالي

 بشذو الكناري في مدينة الأشباح

والغربان على الناصية

تتلقف الهزع»

وأختم، ليس في وسع القصيدة مَسرَحَة كل أشكال الحياة، ولكن القارئ يمكن أن يستضيح بعضها من خلال آلية التفكيك وإعادة القراءة الممتعة كبناء لنصوص تأويلية لا نهاية لها وفق مقومات الأزمنة والأمكنة وحالات التوتر والشدة في الانفعالات والأحاسيس التي تناولها الديوان الشعري «جنادل الاشتهاء»، فحين تكون الأمكنة والأزمنة حزينة تتحوّل اللغة إلى شكل مقاومة تقطع مع اللا-استسلام، وهذه شعلة شعرية الشِّعر التي لا يمكن أن تنطفأ أبدات ما دامت هناك كتابة تضيء داخلنا حالة الحلم والأمل والعمل الجيّد، فالشِّعر نار القلب والعقل والأيادي الصالحة: (القلب: أحلام، العقل: آمال، اليد: أعمال).

قفل القراءة: حكمة مقوّم المادة «الهواء» باعتباره آلية للتغيير الحقّ وبعث الرّوح في المُقوِّم الدلالي للمادة «الرماد-النار» لبعث شعلة الحياة من جديد، تقول الذات الشاعرة:

« فمن أعاصير الوهن يفوح عطر النور

زخات...وأطواق...فرح..» (قصيدة: «رياح نديمة»، ص. 95).

***

د. فؤاد بنبشينة

في المثقف اليوم