من إرهاصات الحكاية إلى تعدّد أسئلة الإنسان
ليست الرواية التونسية حادثةً أدبيةً طارئة على هامش التاريخ، ولا جنساً سرديّاً استوردته البلاد دفعةً واحدةً مع الحداثة، وإنما هي ثمرة مسار طويل من التحوّل الثقافي والاجتماعي والفكري، بدأت إرهاصاته منذ مطالع القرن العشرين، ثم أخذت تتبلور تدريجيّاً حتى غدت الرواية واحداً من أكثر الأجناس الأدبية قدرةً على تمثيل التحولات العميقة في المجتمع التونسي.
والحديث عن الرواية التونسية يقتضي، قبل كل شيء، التحرّر من السردية النقدية المختصرة التي تجعل تاريخها يبدأ بمحمود المسعدي أو البشير خريف، ثم تنتقل به مباشرة إلى أجيال السبعينيات والثمانينيات. فهذه الرؤية، على ما فيها من وجاهة في إبراز أسماء مركزية، تحجب طبقات أخرى من التجربة السردية، وتغفل المحاولات المبكرة التي مهّدت الطريق، كما تقلّل من شأن أجيال متعاقبة أسهمت في تحويل الرواية التونسية من تمرين أولي في الحكاية إلى فضاء رحب لتجريب اللغة، وتفكيك الذاكرة، ومساءلة السلطة، واستنطاق الهوية.
إرهاصات التأسيس: حين بدأت الحكاية التونسية تكتشف شكلها الجديد:
ترجع بعض الدراسات إلى «الهيفاء وسراج الليل» لصالح السويسي القيرواني بوصفها من أقدم المحاولات الروائية التونسية، ويؤرَّخ لها غالباً بسنة 1906، مع وجود اختلاف ببليوغرافي في تاريخ نشرها؛ إذ تشير بعض الفهارس إلى نشرها في مجلة «خير الدين» في وقت أسبق.
وهذا الاختلاف في التاريخ لا يقلّل من القيمة التأسيسية للنص، فالمهم أن الرواية التونسية بدأت تتلمّس طريقها في بيئة ثقافية كانت تتفاعل مع النهضة العربية، والطباعة، والصحافة، والترجمة، وتنامي الوعي الإصلاحي والوطني.
وفي السياق نفسه تبرز محاولة الصادق الرزقي في «الساحرة التونسية»، وهي تجربة سردية ذات صلة وثيقة بالوعي الوطني ومقاومة الاستعمار، وتصفها مصادر تونسية بوصفها محاولة روائية انشغلت بتصوير تضحيات أبطال الحركة الوطنية وشهداء المقاومة التونسية ، في حين تصنّفها الفهرسة الوطنية ضمن الأدب التونسي القصصي. كما أن تاريخ نشرها الأول ليس محسوماً بصورة قاطعة في الفهارس المتاحة، ولذلك ينبغي الحذر من تثبيت سنة واحدة باعتبارها حقيقة نهائية.
ومن هنا تبدو البدايات الأولى للرواية التونسية أشبه ببذور متفرقة منها بمدرسة مكتملة المعالم؛ فقد كانت الكتابة تختبر الشكل، وتستعين بالسرد من أجل الإصلاح الاجتماعي، أو التعبير عن الوعي الوطني، أو استعادة الماضي، أو مواجهة الحاضر.
علي الدوعاجي: السرد حين يخرج إلى الشارع والبحر
ولا يمكن الحديث عن تشكل الحس السردي التونسي من دون الوقوف عند علي الدوعاجي، أحد أبرز أصوات جماعة «تحت السور». وقد كتب «جولة بين حانات البحر المتوسط» في سياق رحلته عبر المتوسط سنة ١٩٣٣م ، ونُشرت نصوصها متسلسلة في الدوريات خلال الثلاثينيات قبل أن تجمع في كتاب بعد وفاته. وتكمن أهميتها في أنها كشفت عن سرد تونسي ساخر، مشاهداتي، رحّال، شديد الالتصاق بالحياة اليومية وبالتفاصيل الإنسانية.
ولذلك فإن وضع الدوعاجي في تاريخ الرواية ينبغي أن يتم بشيء من الدقة الاصطلاحية؛ فـ«جولة بين حانات البحر المتوسط» ليست رواية تقليدية مكتملة البناء بقدر ما هي نص رحلي سردي تتقاطع فيه الحكاية والمشهد والسخرية والملاحظة الاجتماعية. لكن قيمتها التاريخية تكمن في أنها وسّعت إمكانات السرد التونسي، وأثبتت أن الحكاية تستطيع أن تكون مرآة للمدينة والبحر والمقهى والشارع والإنسان العابر.
وهنا بدأت الرواية التونسية، بمعناها الواسع، تتحرر من سلطة الوعظ المباشر، وتتجه إلى التقاط التفاصيل الصغيرة التي تصنع صورة المجتمع الكبير.
من «ومن الضحايا» إلى «برق الليل» و«الدقلة في عراجينها»
في منتصف القرن العشرين أخذ السرد التونسي ينتقل من مرحلة المحاولات إلى مرحلة التأسيس الفني الأكثر. رسوخًا. ويبرز محمد العروسي المطوي في هذه المرحلة بروايته «ومن الضحايا» الصادرة سنة ١٩٥٦م ، ثم «حليمة» سنة ١٩٦٤م ، و«التوت المر» سنة ١٩٦٧ م . وقد انشغلت أعماله بالاستعمار والمقاومة والتحول الاجتماعي، وبالشخصية التونسية في صراعها مع شروط التاريخ.
ثم يأتي البشير خريف بوصفه واحداً من أهم مؤسسي الرواية التونسية الحديثة، فتظهر «برق الليل» سنة ١٩٦١ م ، ثم «الدقلة في عراجينها» سنة ١٩٦٩ م ، و«حبك درباني» سنة ١٩٨٠ م . وهنا لا بد من تصحيح تاريخي مهم: «الدقلة في عراجينها» لم تصدر سنة ١٩٦١ ، وإنما صدرت سنة ١٩٦٩ م ، أما سنة ١٩٦١ م فهي تاريخ صدور «برق الليل».
وتحتل «الدقلة في عراجينها» موقعاً بالغ الأهمية في تاريخ الرواية التونسية؛ لأنها لم تكتفِ بتصوير الريف، بل جعلت المكان الاجتماعي نفسه بنيةً كاشفةً للصراع بين القديم والجديد، وبين سلطة العائلة وإرادة الفرد، وبين التقاليد والحرية، وبين المرأة بوصفها ذاتاً إنسانية وبين المجتمع الذي يحاول اختزالها في أدوار جاهزة. وقد رصدت الرواية كذلك بدايات الوعي النقابي والسياسي والتحولات التي شهدتها تونس في العقود السابقة للاستقلال.
محمود المسعدي: حين تحولت الرواية إلى سؤال وجودي
أما محمود المسعدي فقد نقل الرواية التونسية إلى منطقة أخرى؛ منطقة يتراجع فيها الحدث الخارجي لحساب السؤال الوجودي، وتتقدم اللغة من كونها أداةً للحكي إلى كونها جزءًا من التفكير نفسه.
بدأ المسعدي كتابة «حدّث أبو هريرة قال» في أواخر الثلاثينيات، ونُشرت فصول منها منذ ١٩٣٩م ، لكن العمل في صورته الكاملة لم يصدر إلا سنة ١٩٧٩ .
وهذا التفصيل مهم؛ لأن القول إن الرواية ظهرت سنة ١٩٧٣ وحدها يطمس تاريخ تشكلها، كما أن القول إنها صدرت كاملة في الثلاثينيات غير دقيق. والحقيقة أن المسعدي كان يكتب مشروعه الروائي والفكري مبكرًا، ثم اكتملت صورته الطباعية لاحقًا.
في «حدّث أبو هريرة قال» تتحول الحكاية إلى رحلة في أعماق الذات: الحرية، الرغبة، الموت، الاختيار، العزلة، والجماعة. أما «السد» فيذهب أبعد في مساءلة الإنسان أمام الإرادة والمصير، ويجعل الصراع الروائي أشبه بمواجهة بين الإنسان والقوة التي تتجاوزه.
وهكذا لم تعد الرواية عند المسعدي مجرد تسجيل للواقع، بل أصبحت مختبرًا فلسفيًا للوجود، تستعيد التراث العربي في لغته وإيقاعه وصياغاته، وتعيد تركيبه داخل سؤال حديث عن الإنسان.
مصطفى الفارسي ومحمد صالح الجابري: الرواية بوصفها سجلًا للتحولات
إذا كان المسعدي قد دفع الرواية إلى فضاء السؤال الوجودي، وخريف إلى فضاء المجتمع والريف، فإن مصطفى الفارسي اشتغل على التحولات الاجتماعية والنفسية التي أصابت الفرد التونسي في مرحلة بناء الدولة الوطنية. ومن أبرز رواياته «المنعرج» و«حركات»، وفي الانتقال بين العملين يمكن ملاحظة انتقال الرواية نفسها من الواقعية ذات النفس الاجتماعي إلى التجريب السردي الأكثر انفتاحًا على الخطابات والأشكال.
أما محمد صالح الجابري فقد جعل الرواية أكثر التصاقًا بالتاريخ الاجتماعي، فاشتغل على نضال العمال في المناجم، وعلى العلاقة بين الريف والمدينة، وعلى صعوبة التكيف مع التحولات الاجتماعية. ومن عناوينه «يوم من أيام زمرا» و«البحر ينشر ألواحه»، ثم «ليلة السنوات العشر».
وفي هذين المسارين تتأكد حقيقة جوهرية: الرواية التونسية لم تكن تتطور في خط واحد، بل كانت تتشعب بحسب الأسئلة التي يطرحها كل جيل، وبحسب موقع الكاتب من التحول السياسي والاجتماعي.
الرواية والذاكرة: من التاريخ الرسمي إلى التاريخ المعيش
من السمات اللافتة في الرواية التونسية أنها لم تتعامل مع التاريخ بوصفه مادة جاهزة، بل أعادت مساءلته من خلال الذاكرة الفردية والجماعية.
وفي هذا السياق يبرز محمد العروسي المطوي في «حليمة» و«التوت المر»، حيث تتقاطع الذاكرة الوطنية مع تجربة الاستعمار والمقاومة، كما يبرز عز الدين المدني في اهتمامه بالتاريخ والتراث والذاكرة، وفي توسيع حدود التجريب السردي، بما يجعل التاريخ مادة لإعادة بناء المعنى لا مجرد خلفية للأحداث.
ثم يأتي الصديق الدكتور المنصف الوهايبي في تجربته السردية المتقاطعة مع الشعر، ومن أعماله الروائية «هل كان بورقيبة يخشى حقًا معيوفة بنت الضاوي؟»، حيث تتداخل الذاكرة الشخصية مع التاريخ الوطني، ويتجاور الخاص والعام، ويصبح الماضي مادة لإعادة بناء الذات لا مجرد سجل لما انقضى.
إن الذاكرة هنا ليست مستودعاً للماضي؛ إنها فعل مقاومة للنسيان، ومحاولة لاسترداد ما أسقطته الرواية الرسمية من حسابها.
من الواقعية إلى التجريب:
ومع تعاقب الأجيال، لم تعد الرواية التونسية أسيرة الواقعية الاجتماعية وحدها. دخلت إليها أشكال جديدة من التجريب: تعدد الأصوات، تكسير التسلسل الزمني، الرواية داخل الرواية، التخييل التاريخي، السرد الذاتي، التهجين بين الشعر والنثر، وتداخل السرد مع الوثيقة والذاكرة.
ومن أبرز الأصوات التي عمقت هذا المسار حسونة المصباحي، الذي قدّم عدداً من الروايات المهمة، منها «هلوسات ترشيش» و«الآخرون» و«وداعاً روزالي» و«نوارة الدفلى» و«حكاية تونسية». وقد شكّلت الهجرة والاغتراب والذاكرة والعلاقة بالآخر فضاءات متكررة في مشروعه السردي.
كما جاء الحبيب السالمي ليمنح الرواية التونسية فضاءً أكثر حميمية، يتقاطع فيه الريف والمدينة، والشرق والغرب، والرغبة والذاكرة، والمرأة والرجل. ومن أعماله «عشّاق بيّه» و«روائح ماري كلير»، ثم «بكارة» و«الاشتياق إلى الجارة».
وفي جيل أحدث يبرز كمال الرياحي الذي جعل من الرواية فضاءً لكشف الأقنعة الاجتماعية والسياسية، في «المشرط» و«الغوريلا» و«عشيقات النذل»، حيث تتجاور المدينة الهامشية، والجريمة، والجسد، والعنف، والسياسة، وتتحول الشخصيات إلى كائنات قلقة تتحرك في واقع مضطرب.
أما فوزي الديماسي فقد واصل مغامرة التجريب في أعمال مثل «واحة الأجداث» و«الزنيم»، ثم «هبل»، حيث يتقاطع سؤال المثقف مع سؤال الواقع، ويتحول السرد إلى بحث في الهوية واللغة والاغتراب.
الروائيات التونسيات: حين أصبحت المرأة صاحبة الصوت لا موضوع الحكاية:
ولا يمكن أن تكتمل صورة الرواية التونسية من دون التوقف عند التحول الكبير الذي أحدثته الكتابة النسائية. فقد خرجت المرأة من موقع الشخصية التي تُروى حكايتها إلى موقع الذات التي تمتلك حق رواية العالم وتأويله وإعادة تشكيله.
وتأتي فوزية زواري في مقدمة الأصوات التونسية التي وسعت حضور التجربة النسائية والهجرة والهوية، ومن أعمالها «جسد أمي»، وهي رواية تستعيد حياة النساء القرويات وعلاقة الذاكرة بالأم والجسد والمكان. وقد ارتبطت كتابة الرواية لديها بتجربة شخصية عميقة مع الأم والذاكرة.
وتبرز أميرة غنيم بوصفها من الأصوات السردية التونسية الجديدة الأكثر حضورًا، ولا سيما في «نازلة دار الأكابر»، التي أعادت عبر التخييل كتابة جانب من تاريخ تونس الحديث، وجعلت النساء حافظات للذاكرة ومشاركات في صناعة الرواية التاريخية، لا مجرد شخصيات هامشية داخلها. صدرت الرواية سنة ٢٠٢٠ م ، ووصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية.
كما تمثل حياة الرايس تجربة مختلفة في مزج السرد بالفلسفة والأسطورة والأسئلة المتعلقة بالجسد والمرأة والحرية، فيما تمثل رشيدة الشارني صوتًا نسائيًا آخر انشغل بالهامش والألم والذاكرة وقضايا المرأة، ومن أعمالها السردية «تراتيل لآلامها».
وهكذا لم تعد الرواية النسائية التونسية مجرد «أدب نسوي» بالمعنى الضيق، وإنما غدت جزءًا من إعادة تعريف الذات التونسية نفسها: من يتكلم؟ من يملك الذاكرة؟ من يكتب التاريخ؟ ومن يحق له أن يكون بطلًا؟
الرواية التونسية وأسئلة الهوية والحرية:
إذا أردنا أن نبحث عن خيط ناظم لهذا التعدد، فإننا سنجده في سؤال الهوية.
الهوية في الرواية التونسية ليست بطاقة تعريف وطنية، بل هي سؤال دائم عن العلاقة بين الفرد والجماعة، بين المدينة والريف، بين الماضي والحاضر، بين اللغة والواقع، بين الموروث والحداثة، وبين الذات والآخر.
ومن هنا تتكرر ثيمات الحرية والاغتراب والمنفى والجسد والسلطة والذاكرة في أعمال مختلفة، وإن اختلفت طرائق معالجتها. فالمسعدي يسائل الحرية من منظور وجودي، وخريف من منظور اجتماعي، والمطوي من منظور وطني، والجابري من منظور طبقي وتاريخي، والمصباحي من منظور الاغتراب، والسالمي من منظور العلاقات الإنسانية والجندرية، والرياحي من منظور المدينة والسلطة والهامش، وأميرة غنيم من منظور الذاكرة والتاريخ والمرأة.
وهذا التعدد هو سر حيوية الرواية التونسية.
الرواية التونسية ليست أسماءً قليلة:
إن اختزال الرواية التونسية في محمود المسعدي والبشير خريف وحدهما ظلمٌ لتاريخ سردي طويل، كما أن اختزالها في جيل السبعينيات والثمانينيات ظلم آخر للأجيال التي جاءت بعد ذلك.
فإلى جانب الأسماء الكبرى التي رسخت دعائم الفن الروائي، هناك محمد العروسي المطوي، ومصطفى الفارسي، ومحمد صالح الجابري، وعز الدين المدني، وحسونة المصباحي، والحبيب السالمي، ومحمد الهادي بن صالح، وعبد القادر بن الحاج نصر، وفوزي الديماسي، ويوسف عبد العاطي، ومحمد علي اليوسفي، وكمال الرياحي، وشكري المبخوت، وغيرهم كثيرون، فضلًا عن أجيال شابة واصلت توسيع المجال السردي التونسي.
ومن المهم كذلك ألا تُفهم هذه القائمة بوصفها قائمة نهائية؛ فالمشهد الروائي التونسي أوسع من أن تستوعبه أنطولوجيا مختصرة، وأغنى من أن يُختزل في مسار نقدي واحد.
أنطولوجيا روائية تونسية منتقاة:
يمكن، على سبيل الاستدلال لا الحصر، استحضار عدد من الأسماء والعناوين المفصلية:
- صالح السويسي القيرواني: «الهيفاء وسراج الليل».
- الصادق الرزقي: «الساحرة التونسية».
- محمد العروسي المطوي: «حليمة» و«التوت المرّ».
- البشير خريف: «برق الليل» و«الدقلة في عراجينها».
- محمود المسعدي: «حدّث أبو هريرة قال» و«السد».
- مصطفى الفارسي: «المنعرج» و«حركات».
- محمد صالح الجابري: «يوم من أيام زمرا» و«البحر ينشر ألواحه».
- حسونة المصباحي: «هلوسات ترشيش» و«نوارة الدفلى».
- الحبيب السالمي: «عشّاق بيّه» و«الاشتياق إلى الجارة».
- كمال الرياحي: «المشرط» و«الغوريلا».
- أميرة غنيم: «الملف الأصفر» و«نازلة دار الأكابر».
- فوزي الديماسي: «واحة الأجداث» و«الزنيم».
- يوسف عبد العاطي: «غروب الشرق» و«ريح الوقت».
أما الروائيات التونسيات، فقد اتسع حضورهن بصورة لافتة مع فوزية زواري، وأميرة غنيم، وحياة الرايس، ورشيدة الشارني، وغيرهن من الأصوات التي جعلت التجربة النسائية جزءًا أصيلًا من المتن الروائي التونسي، لا ملحقًا به.
الرواية بوصفها ذاكرةً حيّة:
الرواية التونسية، في نهاية المطاف، ليست تاريخاً خطياً يبدأ بمحاولة أولى ثم يبلغ نضجه عند كاتب بعينه، وإنما هي تراكم من المغامرات السردية؛ بعضها نجح في تأسيس تقاليد فنية، وبعضها أخفق فنياً لكنه ظل مهماً من الناحية التاريخية، وبعضها تجاوز زمنه، وبعضها لم ينل بعد ما يستحق من القراءة النقدية.
لقد بدأت الحكاية التونسية وهي تبحث عن شكلها، ثم اكتشفت المجتمع، فواجهت الاستعمار، ورافقت بناء الدولة، وانشغلت بالريف والمدينة، ثم غاصت في أعماق الفرد، وفتحت أبواب الجسد والذاكرة والمنفى والهوية، وانتقلت من الواقعية إلى التجريب، ومن الحكاية الواحدة إلى تعدد الأصوات.
ولهذا فإن الرواية التونسية ليست مجرد مرآة لتونس؛ إنها أحد المختبرات التي صنعت صورتها الحديثة.
إنها تكتب تونس وهي تتذكر، وتكتبها وهي تنسى، وتكتبها وهي تتساءل عن نفسها.
وإذا كان الشعر قد حفظ للروح التونسية إيقاعها، فإن الرواية حفظت لها ذاكرتها المتحركة؛ ذاكرة الريف والمدينة، والمقاومة والاستقلال، والحب والهزيمة، والهجرة والعودة، والمرأة والرجل، والماضي والمستقبل.
إنها رواية لا تنتهي لأن الأسئلة التي أنجبتها لم تنتهِ بعد.
فالرواية التونسية ليست فنّ الإجابة، بل فنّ السؤال المؤجل؛ وكل جيل جديد لا يرث الحكاية مكتملة، وإنما يرث حقه في إعادة روايتها.
وهنا تكمن قوتها الحقيقية:
أنها لم تكتب تونس كما كانت فحسب، بل حاولت أن تكتب تونس كما كان يمكن أن تكون.
***
بقلم: عماد خالد رحمة ـ برلين








