عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

عماد خالد رحمة: مورفولوجيا الأدب والشعر

من علم الشكل إلى أنطولوجيا البنية وتحولات المعنى

ليست المورفولوجيا، في جوهرها العميق، علماً ينظر إلى الأشياء من خارجها، ولا معرفةً تكتفي بوصف هيئاتها الظاهرة؛ إنها علمٌ يتوغّل في بنية الشيء، وفي الطريقة التي تشكّل بها، وفي العلاقات التي تنتظم عناصره، وفي التحولات التي تصيب تلك البنية وهي تعبر الزمن والتجربة والوظيفة. ولذلك فإن سؤال المورفولوجيا لا يقف عند حدود: ماذا يوجد؟، بل يتجاوز ذلك إلى السؤال الأكثر تركيباً: كيف تكوّن الموجود؟ وكيف انتظمت أجزاؤه؟ وما القوانين التي تحكم تشكّله وتحوله؟

ومن هنا تكتسب المورفولوجيا قيمتها حين تنتقل من مجال الطبيعة والعلوم إلى مجال اللغة والأدب والفكر؛ إذ يصبح الشكل، في النص الأدبي، ليس غلافاً خارجياً للمعنى، بل نظاماً منتجاً للمعنى، وتصبح البنية ليست مجرد ترتيب للعناصر، بل شبكةً من العلاقات التي تمنح العمل هويته وإيقاعه ودلالته وطاقته الجمالية.

فالنص الأدبي لا يعيش بما يقوله فحسب، وإنما يعيش أيضاً بالكيفية التي يقول بها ما يريد قوله. وهذه الكيفية هي إحدى أهم مناطق اشتغال المورفولوجيا.

أولاً: المورفولوجيا؛ من الشكل إلى قانون التشكل

تتألف كلمة «مورفولوجيا» من بمعنى، علم الشكل والبنية والتكوين. غير أن «الشكل» هنا لا ينبغي أن يُفهم فهماً سطحياً بوصفه مظهراً خارجياً؛ فالشكل، في التفكير البنيوي الحديث، هو كيفية انتظام العناصر وعلاقاتها بعضها ببعض.

ولهذا فإن المورفولوجيا لا تسأل عن الشيء بوصفه نتيجة مكتملة فحسب، وإنما تبحث في آلية تكوّنه. إنها تنقل النظر من السكون إلى الحركة، ومن المنتج إلى عملية الإنتاج، ومن المظهر إلى البنية، ومن العنصر المنفرد إلى شبكة العلاقات التي تمنحه وظيفته.

وفي اللغة، تقترب المورفولوجيا من علم الصرف؛ إذ تتجه إلى دراسة بنية الكلمة، وجذرها، وأوزانها، واشتقاقاتها، وزياداتها، وتحولاتها الصرفية، وما يطرأ عليها من تثنية وجمع وتصغير ونسب وتصريف وغير ذلك. فالكلمة ليست كتلة لغوية صماء، وإنما كائن بنيوي تتفاعل داخله وحدات ودوالّ وصيغ، ويتغير معناه أو وظيفته بتغير بنيته.

فالجذر العربي، مثلاً، يمثل نواة توليدية تتشعب عنها صيغ متعددة؛ والفعل يتحول بتغير الزمن والضمير والبناء، والاسم يتحول بالتثنية والجمع والتصغير والنسب والتعريف والتنكير. وكل تحول في البنية قد يستتبع تحولاً في الوظيفة والدلالة.

ومن هنا يمكن القول إن الصرف هو مورفولوجيا اللغة العربية في أحد أهم مستوياتها، مع التنبيه إلى أن مفهوم المورفولوجيا في اللسانيات الحديثة أوسع من الصرف التقليدي في بعض استعمالاته؛ لأنه ينظر في الوحدات الصرفية وفي طرائق تركيبها ووظائفها وعلاقاتها بالنحو والدلالة والصوت.

ثانياً: حين تدخل المورفولوجيا إلى الأدب:

إذا كانت المورفولوجيا اللغوية تبحث في بنية الكلمة وتحولاتها، فإن مورفولوجيا الأدب تنتقل إلى مستوى أكثر تعقيداً: بنية النص ذاته، ومكوناته، ووظائف عناصره، وأنماط انتظامه، والتحولات التي تطرأ على شكله الداخلي.

فالنص الأدبي ليس مجرد مجموعة من الجمل أو الصور أو الأحداث؛ إنه بنية حية تتشابك فيها مستويات متعددة: الصوت، والإيقاع، والصورة، والسرد، والشخصية، والزمن، والمكان، والحدث، والضمائر، والتكرار، والحذف، والتقديم والتأخير، والتوازي، والتقابل، والتضمين، والرمز، والإحالة.

وهنا يصبح السؤال المورفولوجي سؤالاً عن الهندسة الداخلية للنص:

كيف يبدأ النص؟

كيف يتنامى؟

كيف تتكرر وحداته؟

أين يقع التحول؟

ما العناصر التي تعود بصورة ثابتة أو متغيرة؟

كيف تنتقل الشخصية أو الصورة أو الفكرة من حالة إلى أخرى؟

ما الوظائف التي يؤديها كل عنصر داخل النظام الكلي؟

وكيف ينتج الشكل النهائي دلالته؟

إن مورفولوجيا الأدب لا تتعامل مع النص باعتباره مستودعاً للأفكار، بل باعتباره آلة جمالية لإنتاج المعنى.

ثالثاً: فلاديمير بروب ومورفولوجيا الحكاية

يُعدّ الروسي فلاديمير بروب من أبرز الأسماء التي ارتبطت بالمفهوم الحديث لمورفولوجيا الأدب، ولا سيما من خلال كتابه الشهير مورفولوجيا الحكاية الخرافية.

وقد اتجه بروب إلى دراسة الحكايات الشعبية الروسية لا من خلال مضامينها الأخلاقية أو موضوعاتها العامة، وإنما من خلال وظائف الشخصيات والأفعال التي تتكرر داخل البناء الحكائي.

والأهمية الكبرى لمشروع بروب أنه نقل الاهتمام من سؤال: من هو هذا الشخص؟ إلى سؤال: ماذا يفعل داخل بنية الحكاية؟

فالشخصية لا تستمد أهميتها من اسمها أو صفاتها النفسية وحدها، وإنما من الوظيفة التي تؤديها في النظام السردي. وقد لاحظ بروب وجود وظائف سردية متكررة، تنتظم في تسلسل معين، فتتغير الشخصيات والأسماء والأمكنة والتفاصيل، بينما تظل بعض البنى العميقة قابلة للتكرار.

ومن هنا جاءت أهمية «المورفولوجيا» بوصفها بحثاً عن الثابت خلف المتغير، والنظام خلف التنوع، والبنية خلف المظهر الحكائي.

وهذا المبدأ يتجاوز الحكاية الشعبية إلى الأدب كله؛ إذ يمكن للناقد أن يسأل عن «الشكل العميق» الذي ينتظم قصيدة أو رواية أو قصة، وعن العناصر التي تتكرر داخلها، وعن التحولات التي تجعل النص ينتقل من حالة إلى أخرى.

رابعاً: مورفولوجيا القصيدة؛ حين يصبح الشعر بنيةً تتنفس

إذا كان السرد مجالاً خصباً للمورفولوجيا، فإن الشعر أكثر تعقيداً؛ لأن القصيدة لا تقوم على الحدث وحده، ولا على تسلسل الوقائع، وإنما تقوم على التكثيف، والانزياح، والإيقاع، والصورة، والتوتر الدلالي، والمفارقة، والتكرار، والصمت، والحذف، والفراغ، والتداعي.

ولهذا فإن مورفولوجيا الشعر لا يمكن اختزالها في دراسة الوزن والقافية، وإن كان الوزن والقافية من أهم عناصرها. إنها تبحث في كيفية تشكل القصيدة بوصفها كياناً جمالياً مستقلاً.

فالقصيدة تبدأ غالباً من نواة: صورة، أو سؤال، أو جرح، أو ذاكرة، أو مفارقة، أو انفعال. ثم تنمو هذه النواة عبر سلسلة من التحولات، حتى تتشكل منها بنية شعرية كاملة.

قد تبدأ القصيدة من «أنا»، ثم تتحول إلى «نحن»؛ وقد تبدأ من المكان ثم تنتهي إلى الذاكرة؛ وقد تبدأ من صورة حسية صغيرة ثم تنفتح على سؤال وجودي واسع. وقد تبدأ من حدث واقعي ثم تخلعه عن واقعيته، وتعيد تشكيله في فضاء الرمز والأسطورة والحلم.

وهنا تحديداً تظهر المورفولوجيا بوصفها علم التحول الشعري.

فالقصيدة ليست ما تتضمنه من صور منفردة، وإنما الطريقة التي تتولد بها الصورة من صورة، والفكرة من صورة، والإيقاع من انفعال، والدلالة من صراع بين عناصر النص.

خامساً: الشكل الشعري ليس ثوباً للمعنى

من أكثر التصورات شيوعاً وخطأً أن يُنظر إلى الشكل باعتباره ثوباً يلبسه المعنى؛ كأن يكون لدينا معنى مكتمل في الداخل، ثم نختار له وزناً وقافية وصياغة من الخارج.

لكن الشعر العظيم ينقض هذا الفصل.

المعنى الشعري يتكون في لحظة تشكل الشكل.

فالوزن ليس مجرد وعاء، والقافية ليست زينة، والصورة ليست زخرفة، والاستعارة ليست حيلة بلاغية منفصلة عن الفكر. إن هذه العناصر جميعاً تدخل في إنتاج المعنى.

حين يختار الشاعر بحر الكامل، أو الطويل، أو المتقارب، أو المتدارك، أو يختار قصيدة التفعيلة، أو قصيدة النثر، فإنه لا يختار مجرد هندسة صوتية؛ إنه يختار نظاماً من الحركة والتنفس والتوتر.

والبيت الشعري ليس سطراً من الكلمات، بل وحدة موسيقية ودلالية. والتفعيلة ليست مجرد تكرار إيقاعي، بل نبض يتفاعل مع الدلالة. والقافية ليست نهاية صوتية فحسب، بل عودة موسيقية تؤسس للانتظار والتوقع والاكتمال.

وهكذا يصبح السؤال المورفولوجي في الشعر:

لماذا جاءت القصيدة على هذه الهيئة تحديداً؟

ولماذا تكررت هذه الكلمة؟

ولماذا تأخرت هذه الصورة؟

ولماذا انقطع السطر هنا؟

ولماذا عاد الضمير؟

ولماذا تغيّر الإيقاع؟

ولماذا تحولت القصيدة من خطاب الذات إلى خطاب الآخر؟

إن كل ذلك ليس عارضاً في القصيدة؛ إنه جزء من مورفولوجيتها العميقة.

سادساً: مورفولوجيا الصورة الشعرية

الصورة الشعرية نفسها قابلة للدراسة المورفولوجية.

فالصورة قد تولد حسية، ثم تتحول إلى رمزية، ثم إلى فلسفية؛ وقد تبدأ من المرئي لتصل إلى المجرد. فالليل، مثلاً، قد يكون في بداية القصيدة ظاهرة طبيعية، ثم يتحول إلى عزلة، ثم إلى موت، ثم إلى تاريخ، ثم إلى كينونة تنتظر الفجر.

وهكذا لا تكون الصورة ثابتة، بل كائناً دلالياً متحركاً.

ومن هنا يمكن الحديث عن «مورفولوجيا الصورة»: أي دراسة شكل الصورة، ومراحل تشكلها، وعلاقاتها بالصور الأخرى، وتحول وظيفتها من مستوى إلى آخر.

وقد تكون القصيدة مبنية على صورة مركزية تتفرع عنها صور أخرى، فتغدو القصيدة أشبه بشجرة دلالية؛ جذعها صورة أولى، وأغصانها استعارات وتناصات ورموز، وأوراقها تفاصيل حسية، وثمرتها النهائية هي المعنى الكلي.

سابعاً: مورفولوجيا الإيقاع؛ العمارة الخفية للقصيدة

للإيقاع في الشعر مورفولوجيا خاصة.

فالإيقاع ليس الوزن وحده؛ إنه يتولد من تضافر الوزن، والتكرار، والتنغيم، والتوازي، والتدوير، والتقطيع، والتكرار الصوتي، وحركة الحروف، وتوزيع المقاطع، وطول الجمل وقصرها.

وفي قصيدة التفعيلة، على وجه الخصوص، يصبح الإيقاع أكثر مرونة، لأن الشاعر يستطيع أن يغيّر طول السطر الشعري مع المحافظة على وحدة التفعيلة أو النظام الإيقاعي العام.

وهنا يمكن للناقد أن يتتبع مورفولوجيا النبض الشعري: أين يتسارع؟ أين يبطئ؟ أين ينكسر؟ أين يتكرر؟ وأين يصمت؟

فالقصيدة قد تكون حزينة لا بسبب مفرداتها فقط، بل بسبب بطء إيقاعها؛ وقد تكون ثائرة بسبب تتابع وحداتها الصوتية القصيرة؛ وقد تكون تأملية بسبب امتداد الجمل وتراخي الإيقاع.

وبذلك يصبح الإيقاع معنىً قبل أن يكون موسيقى.

ثامناً: مورفولوجيا الزمن والمكان في النص

لا يقتصر الشكل الأدبي على الكلمات والصور، بل يمتد إلى الزمن والمكان.

في الرواية، يمكن دراسة كيفية تشكل الزمن: هل يسير خطياً؟ هل يعود إلى الماضي؟ هل يتقدم عبر الاسترجاع والاستباق؟ هل يتوقف عند لحظة واحدة؟ هل يكرر الحدث نفسه من وجهات نظر مختلفة؟

وفي الشعر، قد يتحول الزمن من زمن تقويمي إلى زمن نفسي؛ فتختصر قصيدة عشرين عاماً في صورة، أو تستغرق لحظة واحدة عشرات الأبيات.

أما المكان فقد يبدأ جغرافياً ثم يتحول إلى ذاكرة، ثم إلى هوية، ثم إلى أسطورة.

وهنا لا يعود المكان «أين؟» فقط، بل يصبح:

كيف تشكل المكان داخل الوعي الشعري؟

وكيف تحولت المدينة إلى حنين؟

وكيف تحولت البلاد إلى غياب؟

وكيف تحولت القدس، أو غزة، أو حيفا، أو يافا، من أماكن جغرافية إلى أشكال رمزية للهوية والذاكرة والمقاومة؟

وهذا هو أحد أعمق وجوه المورفولوجيا الأدبية: دراسة انتقال الأشياء من وجودها الخارجي إلى وجودها النصي.

تاسعاً: المورفولوجيا والرمز والأسطورة

الرمز أيضاً يمر بمراحل تشكل.

فقد يدخل الرمز إلى القصيدة بوصفه علامة بسيطة، ثم تتسع دلالته عبر السياق حتى يصبح مركزاً بنيوياً للنص.

وقد يستدعي الشاعر أسطورة قديمة، لكنه لا يكررها، وإنما يعيد تشكيلها وفق حاجته الجمالية والفكرية. وهنا تصبح الأسطورة مادة أولية تدخل في عملية مورفولوجية جديدة؛ إذ يعيد النص إنتاجها، ويحرف مسارها، ويمنح شخصياتها وظائف جديدة، ويضعها في سياق تاريخي معاصر.

وهذا ما يجعل التناص ليس مجرد استدعاء لنص سابق، بل تحويلاً لبنية سابقة داخل بنية جديدة.

عاشراً: مورفولوجيا النص والقراءة السيميائية

تلتقي المورفولوجيا مع السيميائيات عند نقطة أساسية: كلاهما يهتم بالعلاقات التي تجعل العنصر دالاً.

لكن المورفولوجيا تسأل بصورة خاصة عن كيفية انتظام هذه العلامات وتحوّلها داخل البنية.

فالكلمة في القصيدة ليست مجرد كلمة، والصورة ليست مجرد صورة، واللون ليس مجرد لون، والباب ليس مجرد باب، والبحر ليس مجرد بحر.

كل عنصر يمكن أن يتحول إلى علامة، وكل علامة تدخل في شبكة من العلاقات.

ومن ثم فإن الناقد المورفولوجي لا يكتفي بإحصاء الرموز، بل يدرس حركتها داخل النص: كيف تظهر؟ كيف تتكرر؟ كيف تتغير؟ كيف تتجاور؟ كيف تتناقض؟ وكيف تتآلف حتى تنتج البنية الكلية؟

الحادي عشر: المورفولوجيا بين البنية والتحول

من الخطأ أن نفهم المورفولوجيا بوصفها بحثاً عن الثبات وحده؛ لأن الشكل الأدبي ليس بنية جامدة.

إن أهم ما في المورفولوجيا هو التوتر بين الثبات والتحول.

هناك عناصر ثابتة تمنح النص هويته، وعناصر متحولة تمنحه حركته. وبين الثابت والمتحول يولد الشكل.

ولهذا فإن القصيدة الناجحة لا تكون مجرد مجموعة من العناصر المتجاورة، بل كياناً تتغير داخله العناصر مع احتفاظها بخيط ناظم.

قد تتغير نبرة الشاعر، لكن صوته يبقى.

وقد تتغير الصورة، لكن مركزها الدلالي يبقى.

وقد تتغير القافية، لكن الإيقاع الداخلي يستمر.

وقد يتغير الموضوع الظاهر، لكن السؤال العميق يظل يطارد النص.

وهنا تكشف المورفولوجيا عن إحدى حقائق الإبداع: أن الهوية لا تعني الجمود، وأن التحول لا يعني الفوضى.

الثاني عشر: مورفولوجيا الأدب بوصفها بحثاً في «كيف»

إذا كان النقد الموضوعاتي يسأل: ما الموضوع الذي يعالجه النص؟ وإذا كان النقد النفسي يسأل عن دوافع الذات الخفية، وإذا كان النقد الاجتماعي يبحث عن علاقة الأدب بالبنية الاجتماعية، وإذا كان النقد التاريخي يربط النص بسياقه، فإن المورفولوجيا تضيف سؤالاً لا غنى عنه:

كيف صار هذا كله نصاً؟

كيف تحولت التجربة إلى لغة؟

كيف تحولت الذاكرة إلى صورة؟

كيف تحول الألم إلى إيقاع؟

كيف تحول الواقع إلى رمز؟

كيف تحولت الحكاية إلى بنية؟

كيف تحولت الذات إلى صوت؟

وكيف انتظمت كل هذه العناصر في كيان جمالي قادر على أن يعيش بعد انتهاء اللحظة التي ولد فيها؟

وهنا تكمن القيمة الفكرية الكبرى للمورفولوجيا؛ فهي لا تفصل الشكل عن المضمون، وإنما تكشف الطريقة التي يصنع بها الشكلُ مضمونَه.

الثالث عشر: مورفولوجيا الشعر بوصفها تشريحاً للجمال

الشعر، في نهاية المطاف، ليس فكرةً ترتدي لغة، ولا معنىً يطلب من الكلمات أن تحمله؛ إنه ولادة مشتركة للمعنى والصورة والصوت.

ولهذا فإن مورفولوجيا الشعر هي، في أحد أعمق تعريفاتها، تشريح للجمال من الداخل.

إنها تبحث عن الهيكل الذي يجعل القصيدة قصيدة، وعن العلاقات التي تمنحها وحدتها، وعن التوترات التي تجعلها حية، وعن التحولات التي تجعلها تتجاوز المباشر واليومي والواقعي إلى فضاء الشعر.

والشاعر، في هذا المنظور، ليس صانع كلمات فحسب؛ إنه مهندس بنى خفية. إنه يبني بالإيقاع كما يبني المعمار بالحجر، ويصوغ بالصورة كما يصوغ النحات بالكتلة، ويخلق بالتكرار كما يخلق الموسيقي باللحن، ويترك في مواضع الصمت ما قد يكون أبلغ من الكلام.

ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا تكون بعض القصائد عصية على الاختزال؛ لأن قيمتها لا تكمن في «ما تقوله» وحده، وإنما في الطريقة التي أصبح بها القول نفسه شكلاً من أشكال الوجود.

حين يصبح الشكل ذاكرةً للمعنى

المورفولوجيا ليست علم الأشكال بالمعنى السطحي، بل علم التشكل؛ إنها لا تنظر إلى الشيء بعد اكتماله فقط، وإنما تحاول أن ترى يده الخفية وهي تبنيه.

وفي اللغة، تكشف عن حياة الكلمة وتحولاتها؛ وفي الأدب، تكشف عن هندسة النص؛ وفي السرد، عن وظائف الحكاية ومساراتها؛ وفي الشعر، عن العمارة الخفية التي تجعل القصيدة كائناً نابضاً لا مجرد كلام موزون.

إنها تسأل عن الجذر قبل الفرع، وعن البنية قبل المظهر، وعن العلاقة قبل العنصر، وعن التحول قبل النتيجة.

وفي الشعر تحديداً، تبلغ المورفولوجيا أقصى حساسيتها؛ لأن القصيدة لا تتشكل من الكلمات وحدها، بل من الإيقاع والصورة والذاكرة والرمز والصمت والحذف والتكرار والانزياح والتوتر. وكل واحد من هذه العناصر لا يكتسب قيمته منفرداً، وإنما من موقعه في النظام الكلي.

لذلك فإن قراءة القصيدة مورفولوجياً هي أن نقرأ رحلة تشكلها: من البذرة إلى الشجرة، ومن النواة إلى البنية، ومن التجربة الخام إلى اللغة، ومن اللغة إلى الإيقاع، ومن الإيقاع إلى الصورة، ومن الصورة إلى الرمز، ومن الرمز إلى الدلالة.

وعند هذه النقطة يغدو الشعر أكثر من قول جميل؛ يصبح شكلاً من أشكال المعرفة، وتغدو المورفولوجيا أكثر من علم للهيئة؛ تصبح معرفةً بكيفية ولادة الأشياء من داخل أجزائها، وكيف تتحول البنية إلى حركة، والحركة إلى معنى، والمعنى إلى جمال.

فليس السؤال الشعري الأعمق: ماذا قالت القصيدة؟

بل ربما كان السؤال الذي يفتح أبوابها كلها:

كيف صارت القصيدة ما هي عليه؟

وهناك، في المسافة الدقيقة بين «ما قيل» و«كيفية القول»، تبدأ مورفولوجيا الشعر؛ وهناك أيضاً يبدأ سرُّ الأدب.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

في المثقف اليوم