"شِتَاءُ رِيتَا الطَّوِيلُ" أُنْمُوذَجًا.
طويلٌ هذا الصَّيفُ" لا "طَوِيلٌ هَذَا الشِّتَاءُ.. "هَكَذَا تَقُولُ رِيتَا في حَديثِهَا عَنْ عُمْرٍ كَامِلٍ مِنَ الِانْتِظَارِ، فالشِّتَاءُ أَصْبَحَ زَمَنًا يَسْكُنُ بَيْنَ قَلْبَيْنِ، وَمَسَافَةً تَتَّسِعُ كُلَّمَا اقْتَرَبَ الْحُبُّ مِنْ لَحْظَةِ الْفِرَاقِ.
"رِيتَا تُرَتِّبُ لَيْلَ غُرْفَتِنَا.. "، وَمَا أَغْرَبَ هَذَا اللَّيْلَ الَّذِي يُرَتَّبُ! وَمَا أَجْمَلَ هَذِهِ اللُّغَةَ الَّتِي تُعِيدُ صِيَاغَةَ وُجُودِهَا! لَيْلٌ يُرَتَّبُ، وَشُبَّاكٌ يُفْتَحُ "كَيْ يَتَعَطَّرَ اللَّيْلُ الْجَمِيلُ"، وَقَمَرٌ يُوضَعُ عَلَى الْكُرْسِيِّ، وَجَسَدٌ يَتَحَوَّلُ إِلَى حَدِيقَةٍ، وَ "مَوْجَةُ قَمْحٍ" تَنَامُ عَلَى تَنَفُّسِ امْرَأَةٍ.
هكذا نَدْخُلُ عَالَمًا يَجْعَلُ فِيهِ مَحْمُودُ دَرْوِيشٍ الْحُبَّ قَادِرًا عَلَى أَنْ يُغَيِّرَ قَوَانِينَ الْأَشْيَاءِ.. إي والله يا دامَ عزُّكم، وأنا مِن خَلفِ ظِلّي المُمِسك بالقلمِ أتمرّدُ وأضمُّ صوتي إلى درويش، وأظنّكم مثلي، فالحبُّ قادرٌ على أنْ يغيّرَ قوانينَ الأشياء وينأى بنا إلى ما وراءِ جسدِ القصيدة.
ففِي عَالَمِهِ لَا يَبْقَى الْجَسَدُ جَسَدًا، وَلَا الْبَحْرُ بَحْرًا، وَلَا الْبَابُ بَابًا، وَلَا الشِّتَاءُ شِتَاءً.
وَلَكِنْ.. مَا الَّذِي يَحْدُثُ عندما يَخْرُجُ الْحُبُّ مِنْ غُرْفَتِهِ الصَّغِيرَةِ لِيَصْطَدِمَ بِعَالَمٍ كَبِيرٍ اسْمُهُ الْحَرْبُ؟
هُنَا تَتَغَيَّرُ الْقَصِيدَةُ.. تَدْخُلُ الْجَرِيدَةُ، فَتَدْخُلُ الْحَرْبُ، وَيَظْهَرُ الْبَابُ، فَتَظْهَرُ الْحُدُودُ، وَيَظْهَرُ الْبَحْرُ، فَتَظْهَرُ الْمَسَافَةُ، وَتَظْهَرُ الصَّحْرَاءُ، فَيَظْهَرُ الْمَنْفَى، وَيَقُولُ الْعَاشِقُ: "أَيْنَ سَنَلْتَقِي؟"، فَيَكُونُ السُّؤَالُ أَكْبَرَ مِنْ حُبٍّ بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ؛ إِنَّهُ سُؤَالُ الْإِنْسَانِ عَنْ مَكَانِهِ فِي عَالَمٍ تُغْلَقُ فِيهِ الْأَبْوَابُ أَمَامَ الْمُحِبِّينَ.
وَلِذَلِكَ أُرِيدُ فِي هَذِهِ الْمَقالةِ أَنْ أَقْتَرِبَ مِنْ «شِتَاءَ رِيتَا الطَّوِيلَ» مِنْ مَكَانٍ آخَرَ، سأقتربُ مِنْ مَكَانِ اللُّغَةِ التي تَتَحَوَّلُ إِلَى ضَوْءٍ، وَمِنْ مَكَانِ الصُّورَةِ التي تَتَحَوَّلُ إِلَى رُؤْيَا، وَمِنْ مَكَانِ الرَّمْزِ الذي يَتَجَاوَزُ الْمَرْئِيَّ إِلَى مَا يَخْتَبِئُ خَلْفَهُ.
سَأَقْتَرِبُ مِنْ رِيتَا لِأَسْأَلَ: مَاذَا أَصْبَحَتْ فِي لُغَةِ دَرْوِيشٍ؟
وَسَأَقْتَرِبُ مِنَ الشِّتَاءِ لِأَفْهَمَ لِمَاذَا كُلَّمَا طَالَ الشِّتَاءُ ازْدَادَ الْحُبُّ حَرَارَةً، وَازْدَادَ الْفِرَاقُ وَجَعًا.
وَسَأَقْتَرِبُ مِنَ الْبَابِ لِأَفْهَمَ كَيْفَ يَسْتَطِيعُ بَابٌ وَاحِدٌ أَنْ يَحْمِلَ مَعْنَى الْحُبِّ وَالْحَدِّ وَالْمَنْفَى وَالرَّحِيلِ.
فَلَرُبَّمَا كانت "شِتَاءُ رِيتَا الطَّوِيلُ" قَصِيدَةً عَنْ عَالَمٍ كَامِلٍ حَاوَلَ أَنْ يَرْحَلَ بِهَا.
وَرُبَّمَا كَانَ دَرْوِيشٌ يَعْرِفُ مُنْذُ اللَّحْظَةِ الْأُولَى أَنَّ رِيتَا سَتَرْحَلُ، وَأَنَّ الشِّتَاءَ سَيَطُولُ، وَأَنَّ الْبَحْرَ سَيَبْقَى خَلْفَ الْبَابِ، وَأَنَّ الصَّحْرَاءَ سَتَبْقَى خَلْفَ الْبَحْرِ..
لَكِنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ أَيْضًا أَنَّ هُنَاكَ مَكَانًا لَا يَسْتَطِيعُ الرَّحِيلُ أَنْ يَبْلُغَهُ وهو جسدُ الْقَصِيدَة.
فِي الْقَصِيدَةِ بَقِيَتْ رِيتَا، وَفِي الْقَصِيدَةِ بَقِيَ اللِّقَاءُ، وَفِي الْقَصِيدَةِ لَمْ يَسْتَطِعِ الشِّتَاءُ أَنْ يُطْفِئَ دِفْءَ الْحُبِّ.
وَمِنْ هُنَا، مِنْ هَذَا الْمَكَانِ الَّذِي يَتَحَوَّلُ فِيهِ الْحُبُّ إِلَى لُغَةٍ، وَاللُّغَةُ إِلَى صُورَةٍ، وَالصُّورَةُ إِلَى رَمْزٍ، وَالرَّمْزُ إِلَى ذَاكِرَةٍ، أَدْخُلُ مَعَكُمْ إِلَى عَالَمِ مَحْمُودِ دَرْوِيشٍ فِي جَمَالِيَّاتِ اللُّغَةِ وَالصُّورَةِ وَالرَّمْزِ فِي "شِتَاءِ رِيتَا الطَّوِيلِ".
فِي "شِتَاءِ رِيتَا الطَّوِيلِ" يَضَعُ درويشٌ الحبَّ فِي مُوَاجَهَةِ عَالَمٍ يُضَيِّقُ عَلَى الْعَاشِقَيْنِ مَسَاحَةَ اللِّقَاءِ، وَيُحَوِّلُ الْعَلَاقَةَ الْإِنْسَانِيَّةَ مِنْ وَعْدٍ بِالْحَيَاةِ إِلَى سُؤَالٍ مَفْتُوحٍ عَلَى الْفِرَاقِ وَالرَّحِيلِ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّ السُّؤَالَ الَّذِي تَطْرَحُهُ الْقَصِيدَةُ فِي أَعْمَاقِهَا هو مَاذَا يَحْدُثُ لِلْحُبِّ عندما يَقَعُ فِي مَنْطِقَةٍ مُشْبَعَةٍ بِالتَّارِيخِ وَالْحَرْبِ وَالْحُدُودِ؟ وَمَاذَا يَحْدُثُ لِلُّغَةِ عندما تَعْجزُ الْحَيَاةُ عَنْ مَنْحِ الْعَاشِقَيْنِ مَا تَعِدُهُمَا بِهِ الْقَصِيدَةُ؟
مِنْذُ الْبِدَايَةِ تَكْشِفُ لُغَةُ دَرْوِيشٍ عَنْ قُدْرَتِهَا عَلَى تَحْوِيلِ الْمَأْلُوفِ إِلَى مُدْهِشٍ، وَالْوَاقِعِيِّ إِلَى شِعْرِيٍّ، فَعندما يَقُولُ: "رِيتَا تُرَتِّبُ لَيْلَ غُرْفَتِنَا" يَتَحَوَّلُ الليلُ إِلَى شَيْءٍ يُمْكِنُ تَرْتِيبُهُ، وَكَأَنَّ رِيتَا لَا تَدْخُلُ الْغُرْفَةَ وَحْدَهَا، وَإِنَّمَا تَدْخُلُ إِلَى فَوْضَى الْعَالَمِ لِتَمْنَحَهَا نِظَامًا مُؤَقَّتًا.
ثُمَّ يَأْتِي قَوْلُهُ: "اِفْتَحْ لَهَا الشُّبَّاكَ كَيْ يَتَعَطَّرَ اللَّيْلُ الْجَمِيلُ"، فَتَنْتَقِلُ الرَّائِحَةُ مِنْ خَاصِّيَّة لِلزُّهُورِ وَالنَّبِيذِ إِلَى خَاصِّيَّة لِلَّيْلِ، فالشَّاعِر يُعِيدُ اخْتِرَاعَ قَوَانِينِ الواقع وَفْقَ مَنْطِقِ الشِّعْرِ. وَمِنْ هُنَا تَتَشَكَّلُ إِحْدَى أَبْرَزِ جَمَالِيَّاتِ اللُّغَةِ الدَّرْوِيشِيَّةِ، وَهِيَ قُدْرَةُ اللُّغَةِ عَلَى تَبَادُلِ الْحَوَاسِّ وَالصِّفَاتِ، وَعَلَى أَنْ تَجْعَلَ مَا لَا يُلْمَسُ قَابِلًا لِلْمَسِّ، وَمَا لَا يُشَمُّ قَابِلًا لِلْعِطْرِ، وَمَا لَا يُرَى قَابِلًا لِلرُّؤْيَةِ، فَيُصْبِحُ اللَّيْلُ مُعَطَّرًا، وَالْقَمَرُ مَوْضُوعًا عَلَى كُرْسِيٍّ، وَالْبُحَيْرَةُ مُحَاطَةً بِمِنْدِيلٍ، وَالنَّخِيلُ قَابِلًا لِلِارْتِفَاعِ تَحْتَ تَأْثِيرِ الْعَاطِفَةِ.
وَلَا تَقِفُ هَذِهِ اللُّغَةُ عِنْدَ حُدُودِ الْمَجَازِ الْجَمِيلِ، فهي تَتَحَوَّلُ إِلَى طَرِيقَةٍ كَامِلَةٍ فِي رُؤْيَةِ الْعَالَمِ، فعندما يَقُولُ دَرْوِيشٌ: "تَنَامُ رِيتَا فِي حَدِيقَةِ جِسْمِهَا"، فَإِنَّهُ يَنْقُلُ الْجَسَدَ إِلَى فَضَاءٍ آخَرَ، فَيُصْبِحُ مَكَانًا لِلْخِصْبِ وَالْحَيَاةِ وَالسِّرِّ، وَتَتَحَوَّلُ الْمَرْأَةُ مِنْ جَسَدٍ يُرَى إِلَى عَالَمٍ يُعَاشُ، وعندما يَقُولُ: "تُوتُ السِّيَاجِ عَلَى أَظَافِرِهَا يُضِيءُ الْمِلْحَ فِي جَسَدِي" تَتَدَاخَلُ الطَّبِيعَةُ بِالْجَسَدِ، وَيَتَحَوَّلُ التُّوتُ إِلَى أَثَرٍ حِسِّيٍّ، وَالْمِلْحُ إِلَى ضَوْءٍ، وَيُصْبِحُ الْجَسَدُ مَسَاحَةً تَلْتَقِي فِيهَا عَنَاصِرُ الطَّبِيعَةِ، ثُمَّ تَبْلُغُ الصُّورَةُ اتِّسَاعَهَا عندما يَقُولُ: "نَامَتْ مَوْجَةُ الْقَمْحِ النَّبِيلِ عَلَى تَنَفُّسِهَا الْبَطِيءِ"، فَالْمَوْجَةُ وَالْقَمْحُ وَالتَّنَفُّسُ وَالْجَسَدُ تَدْخُلُ فِي حَرَكَةٍ وَاحِدَةٍ، فرِيتَا تَحْمِلُ فِي جَسَدِهَا الطَّبِيعَةَ كُلَّهَا، وَأَنْفَاسُهَا قَادِرَةٌ عَلَى أَنْ تَجْعَلَ الْقَمْحَ مَوْجَةً، وَالْمَوْجَةُ حَيَاةً، وَالْحَيَاةُ ذَاكِرَةً خَصْبَةً.
وَهُنَا نُدْرِكُ أَنَّ الصُّورَةَ عِنْدَ دَرْوِيشٍ لَيْسَتْ زِينَةً بَلَاغِيَّةً تُضَافُ إِلَى الْمَعْنَى، وَإِنَّمَا هِيَ الْمَعْنَى وقتما يَتَّخِذُ هَيْئَةً حِسِّيَّةً.
وَلَعَلَّ أَكْثَرَ مَا يَلْفِتُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ أَنَّهَا لَا تَنْغَلِقُ عَلَى الْجَسَدِ، فهي تَتَّسِعُ مِنْهُ إِلَى الْكَوْنِ، فَالْجَسَدُ فِي الْقَصِيدَةِ لَيْسَ مُنْفَصِلًا عَنِ الْبَحْرِ وَالْقَمْحِ وَالنَّخِيلِ وَالْغَابَاتِ وَالصَّحْرَاءِ وَالنَّهْرِ.
إِنَّهُ جُزْءٌ مِنْ هَذِهِ الطَّبِيعَةِ، وَالطَّبِيعَةُ بَدَوْرُهَا تَبْدُو وَكَأَنَّهَا تَسْتَعِيرُ مَلَامِحَ الْجَسَدِ، وَهُنَا يَتَأَسَّسُ تَدَاخُلٌ عَمِيقٌ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَالْأَرْضِ، وَبَيْنَ الْحَبِيبَةِ وَالْوَطَنِ دُونَ أَنْ يَسْقُطَ دَرْوِيشٌ فِي الْمُبَاشَرَةِ أَوِ الْخِطَابِ الشِّعَارِيِّ.
إِنَّ الْوَطَنَ يَأْتِي في القصيدة فِي صُورَةِ بَابٍ مُغْلَقٍ، أَوْ بَحْرٍ بَعِيدٍ، أَوْ صَحْرَاءَ مُمْتَدَّةٍ، أَوْ حَارِسٍ يَمْنَعُ الدُّخُولَ، أَوْ رَحِيلٍ لَا يَجِدُ طَرِيقَ الْعَوْدَةِ.
وَلِذَلِكَ فَإِنَّ الْحَمِيمِيَّ عِنْدَ دَرْوِيشٍ لَيْسَ بَعِيدًا عَنِ السِّيَاسِيِّ، وَإِنَّمَا يَحْمِلُ السِّيَاسِيَّ فِي دَاخِلِهِ، وَيَجْعَلُهُ مَحْسُوسًا فِي تَفَاصِيلِ الْحَيَاةِ الْيَوْمِيَّةِ.
وَبالتَّالي تَأْتِي شَخْصِيَّةُ رِيتَا أَكْثَرَ مِنْ امْرَأَةٍ، رِيتَا امْرَأَةٌ يُحِبُّهَا الشَّاعِرُ، نَعَمْ، لَكِنَّهَا فِي الْبِنْيَةِ الْعَمِيقَةِ لِلْقَصِيدَةِ تُمَثِّلُ "الْآخَرَ" ذَلِكَ الْآخَرَ الَّذِي يَقْتَرِبُ مِنْهُ الْإِنْسَانُ عَاطِفِيًّا، لَكِنَّهُ يَكْتَشِفُ أَنَّ التَّارِيخَ قَدْ وَضَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ جِدَارًا لَا يَسْتَطِيعُ الْقَلْبُ وَحْدَهُ هَدْمَهُ.
وَلِهَذَا فَإِنَّ أَسْئِلَةَ الشَّاعِرِ لَهَا تَتَجَاوَزُ الغيرة العاطفيّة إِلَى سُؤَالِ الْهُوِيَّةِ وَالذَّاكِرَةِ:
"هَلْ لَبِسْتَ سِوَايَ؟ هَلْ سَكَنَتْكَ امْرَأَةٌ؟" ثُمَّ يَتَكَرَّرُ السُّؤَالُ بِصُورَةٍ أَعْمَقَ: "هَلْ أَنْتَ أَنْتَ؟"، وَهُنَا تَبْدَأُ الْهُوِيَّةُ فِي الِاهْتِزَازِ.
فَهَلْ نَحْنُ كَمَا كُنَّا قَبْلَ الْحَرْبِ؟ وَهَلْ يَسْتَطِيعُ الْعَاشِقُ أَنْ يَبْقَى هُوَ نَفْسَهُ حِينَما يُصْبِحُ حُبُّهُ جُزْءًا مِنْ صِرَاعٍ أَكْبَرَ مِنْهُ؟
إِنَّ رِيتَا فِي هَذَا السِّيَاقِ تُصْبِحُ مِرْآةً لِلْآخَرِ، وَالْحُبُّ بَيْنَهُمَا يُصْبِحُ اخْتِبَارًا لِقُدْرَةِ الْإِنْسَانِ عَلَى تَجَاوُزِ الْحُدُودِ الَّتِي لَمْ يَصْنَعْهَا قَلْبُهُ.
وَلِهَذَا فَإِنَّ مَأْسَاةَ الْقَصِيدَةِ لَيْسَتْ أَنَّ الْحُبَّ غَائِبٌ، فالْحُبَّ حَاضِرٌ بِقُوَّةٍ، غَيْرَ أَنَّ الْعَالَمَ الْمُحِيطَ بِهِ لَا يَسْمَحُ لَهُ بِأَنْ يَتَحَوَّلَ إِلَى حَيَاةٍ مُشْتَرَكَةٍ.
إِنَّهُمَا يُحِبَّانِ بَعْضَهُمَا، لَكِنَّهُمَا لَا يَسْتَطِيعَانِ أَنْ يَمْنَحَا هَذَا الْحُبَّ مَكَانًا آمِنًا خَارِجَ الْغُرْفَةِ، فتَتَحَوَّلُ الْغُرْفَةُ الصَّغِيرَةُ إِلَى عَالَمٍ كَامِلٍ، ثُمَّ إِلَى وَطَنٍ صَغِيرٍ، ثُمَّ إِلَى مَسَاحَةٍ مُؤَقَّتَةٍ تُحَاوِلُ أَنْ تَحْمِيَ عَاشِقَيْنِ مِنْ عَالَمٍ أَكْبَرَ مِنْهُمَا.
وَفِي هَذَا السِّيَاقِ يُصْبِحُ الشِّتَاءُ فِي عُنْوَانِ الْقَصِيدَةِ أَكْثَرَ مِنْ فَصْلٍ مِنْ فُصُولِ السَّنَةِ.
إِنَّ "الشِّتَاءَ" حَالَةٌ نَفْسِيَّةٌ وَوُجُودِيَّةٌ وَتَارِيخِيَّةٌ.
إِنَّهُ زَمَنُ الْبُرُودَةِ وَالِانْتِظَارِ وَالْغِيَابِ، زَمَنٌ يَتَوَقَّفُ فِيهِ الْمَطَرُ، ويَتَوَقَّفُ فِيهِ الْمُسْتَقْبَلُ، وَلِهَذَا تَتَرَدَّدُ الْعِبَارَةُ: "طَوِيلٌ هَذَا الشِّتَاءُ"، والتي تَصِفُ امْتِدَادَ الْفِرَاقِ.
إِنَّ الشِّتَاءَ يَطُولُ لِأَنَّ الرَّحِيلَ يَطُولُ، وَلِأَنَّ الِانْتِظَارَ لَا يَجِدُ خَاتِمَةً، وَلِأَنَّ الْعَاشِقَيْنِ لَا يَعْرِفَانِ مَتَى يَنْتَهِي الزَّمَنُ الَّذِي يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا.
وَلِأَنَّ دَرْوِيشَ شَاعِرُ التَّفَاصِيلِ، فَإِنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى رُمُوزٍ ضَخْمَةٍ لِكَيْ يَجْعَلَنَا نَشْعُرُ بِثِقَلِ التَّارِيخِ، يَكْفِيهِ أَنْ يَضَعَ أَمَامَنَا كُوبَ شَايٍ، أَوْ تُفَّاحَةً، أَوْ قَمِيصًا، أَوْ مِفْتَاحًا، أَوْ نَافِذَةً. حِينَما يَقُولُ: "رِيتَا تَحْتَسِي شَايَ الصَّبَاحِ" تَبْدُو الصُّورَةُ فِي ظَاهِرِهَا عَادِيَّةً، لَكِنَّهَا فِي سِيَاقِ الْقَصِيدَةِ مَشْحُونَةٌ بِإِحْسَاسِ الرَّحِيلِ، فَالصَّبَاحُ لَيْسَ صَبَاحًا عَادِيًّا، وَالْجَرِيدَةُ لَيْسَتْ جَرِيدَةً عَادِيَّةً، وَالْبَيْتُ لَيْسَ بَيْتًا عَادِيًّا، فكُلُّ شَيْءٍ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ يَعِيشُ عَلَى حَافَّةِ الْفَقْدِ.
وَحِينَما تَقُولُ رِيتَا: "لَا تَقْرَأِ الْآنَ الْجَرِيدَةَ، فَالطُّبُولُ هِيَ الطُّبُولُ، وَالْحَرْبُ لَيْسَتْ مِهْنَتِي"، فَإِنَّهَا تُحَاوِلُ أَنْ تُؤَجِّلَ دُخُولَ الْعَالَمِ الْخَارِجِيِّ إِلَى الْغُرْفَةِ، وَتُرِيدُ أَنْ تَحْمِيَ اللَّحْظَةَ الْإِنْسَانِيَّةَ مِنَ التَّارِيخِ، لَكِنَّهَا لَا تَسْتَطِيعُ؛ فَالْحَرْبُ حَتَّى حِينَما لَا نَتَحَدَّثُ عَنْهَا تَكُونُ حَاضِرَةً فِي الْبَابِ، وَفِي الذَّاكِرَةِ، وَفِي الْخَوْفِ، وَفِي سُؤَالِ الرَّحِيلِ.
وَلَعَلَّ الْجَسَدَ يُصْبِحُ فِي الْقَصِيدَةِ أَحَدَ أَهَمِّ الرُّمُوزِ؛ لأنّهُ لَيْسَ مُجَرَّدَ فَضَاءٍ لِلْعَاطِفَةِ وَالرَّغْبَةِ، وَإِنَّمَا يَتَحَوَّلُ إِلَى وَطَنٍ مُؤَقَّتٍ، إِلَى مَسَاحَةٍ يَسْتَطِيعُ الْعَاشِقَانِ أَنْ يَلْتَقِيَا فِيهَا في اللحظة التي تَعْجِزُ الْجُغْرَافِيَا عَنْ جَمْعِهِمَا.
وَلِذَلِكَ عندما يَقُولُ: "لَا أَرْضَ لِلْجَسَدَيْنِ فِي جَسَدٍ" يَبْدُو وَكَأَنَّهُ يَتَحَدَّثُ عَنْ عَلَاقَةٍ جَسَدِيَّةٍ، لَكِنَّهُ فِي الْعُمْقِ يَتَحَدَّثُ عَنِ الْجُغْرَافِيَا وَالسِّيَاسَةِ وَالْحُدُودِ.
فأَيْنَ يُمْكِنُ أَنْ يَلْتَقِيَ اثْنَانِ إِذَا لَمْ تَكُنْ لَهُمَا أَرْضٌ مُشْتَرَكَةٌ؟ وأَيْنَ يُمْكِنُ أَنْ يَسْكُنَ الْحُبُّ إِذَا كَانَ الْوَاقِعُ نَفْسُهُ يَرْفُضُ أَنْ يَمْنَحَهُ مَكَانًا؟
إِنَّ الْجَسَدَ يُصْبِحُ وَطَنًا مُؤَقَّتًا، لَكِنَّ الْوَطَنَ الْمُؤَقَّتَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَصْمُدَ أَمَامَ قُوَّةِ الرَّحِيلِ.
وَتَزْدَادُ الْمُفَارَقَةُ عُمْقًا عندما تَتَجَاوَرُ فِي الْقَصِيدَةِ مُفْرَدَاتُ الْحُبِّ مَعَ مُفْرَدَاتِ الْمَوْتِ، فَ"الثَّوْبُ" إِلَى جَانِبِ "التَّابُوتِ"، وَ"النَّعْنَاعُ" إِلَى جَانِبِ "الْمَصْرَعِ"، وَ"الْحُبُّ" إِلَى جَانِبِ "الْمَوْتِ".
إِنَّ دَرْوِيشَ لَا يَضَعُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ جَنْبًا إِلَى جَنْبٍ عَبَثًا، فهو يتقصّدُ أنْ يَكْشِفَ عَنْ عَالَمٍ فَقَدَتْ فِيهِ الْأَشْيَاءُ بَرَاءَتَهَا الْأُولَى، فَالْحَبِيبُ قَدْ يُصْبِحُ ثَوْبًا يَحْمِي الْآخَرَ، لَكِنَّهُ قَدْ يُصْبِحُ أَيْضًا تَابُوتًا يَحْمِلُ مَصْرَعَهُ، وَالْوَطَنُ الَّذِي أَنْجَبَ الْإِنْسَانَ قَدْ يُصْبِحُ الْمَكَانَ الَّذِي يَصْطَدِمُ فِيهِ وَيُصْرَعُ.
وَالْحُبُّ الَّذِي يُفْتَرَضُ أَنْ يَكُونَ وَعْدًا بِالْحَيَاةِ يُصْبِحُ قَرِيبًا مِنَ الْمَوْتِ فِي اسْتِحَالَةِ التَّرَاجُعِ عَنْهُ، وَلِذَلِكَ تَأْتِي عِبَارَتُهُ: "وَالْحُبُّ مِثْلُ الْمَوْتِ وَعْدٌ لَا يُرَدُّ وَلَا يَزُولُ" إذْ يُصْبِحُ الْحُبُّ قَدَرًا، لَا اخْتِيَارًا عَابِرًا، وَيُصْبِحُ الْفَقْدُ جُزْءًا مِنْ بِنْيَةِ الْحُبِّ نَفْسِهِ.
وَمِنْ أَجْمَلِ مَفَاصِلِ الْقَصِيدَةِ، وَأَشَدِّهَا دَلَالَةً عَلَى أَزْمَةِ اللُّغَةِ قَوْلُ الشَّاعِرِ: "لَا أُدْرِكُ الْمَعْنَى، تَقُولُ، وَلَا أَنَا، لُغَتِي شَظَايَا"، فاللُّغَةَ هُنَا لَا تَعُودُ وَسِيلَةً مُسْتَقِرَّةً لِلتَّوَاصُلِ، لِأَنَّهَا تَصْطَدِمُ بِوَاقِعٍ مُتَشَظٍّ، فعندما يَكُونُ الْعَالَمُ وَاضِحًا تَسْتَطِيعُ اللُّغَةُ أَنْ تُسَمِّيَ الْأَشْيَاءَ، لَكِنْ حِينَما تَتَنَاقَضُ التَّجْرِبَةُ مَعَ نَفْسِهَا تُصْبِحُ الْكَلِمَاتُ شَظَايَا تُشْبِهُ الْوَاقِعَ.
إِنَّ الْعَاشِقَيْنِ لَا يَعْجزَانِ عَنِ الْكَلَامِ لِأَنَّهُمَا لَا يَمْلِكَانِ مَا يَقُولَانِ، وَإِنَّمَا لِأَنَّ مَا يُرِيدَانِ قَوْلَهُ أَكْبَرُ مِنَ اللُّغَةِ، فالْحُبُّ مَوْجُودٌ لَكِنَّ الْمُسْتَقْبَلَ غَائِبٌ، وَاللِّقَاءُ حَاضِرٌ لَكِنَّ الرَّحِيلَ يَقْتَرِبُ، وَالْمَرْأَةُ قَرِيبَةٌ لَكِنَّ الْمَسَافَةَ التَّارِيخِيَّةَ بَيْنَهُمَا هَائِلَةٌ، وَلِذَلِكَ تَتَشَظَّى اللُّغَةُ كَمَا تَتَشَظَّى التَّجْرِبَةُ.
وَمِنْ هُنَا تَأْتِي أَهَمِّيَّةُ الْبَحْرِ وَالصَّحْرَاءِ فِي الْقَصِيدَةِ، فيَقُولُ دَرْوِيشٌ: "الْبَحْرُ خَلْفَ الْبَابِ، وَالصَّحْرَاءُ خَلْفَ الْبَحْرِ"، إِنَّهَا صُورَةٌ تَتَجَاوَزُ الْمَكَانَ لِتُصْبِحَ صُورَةً لِلْفِرَاقِ، فالْبَحْرُ قَرِيبٌ، لَكِنَّهُ خَلْفَ الْبَابِ، وَالصَّحْرَاءُ أَبْعَدُ لَكِنَّهَا خَلْفَ الْبَحْرِ.
فالطَّرِيق إِلَى الْآخَرِ يَتَكَوَّنُ مِنْ طَبَقَاتٍ مُتَرَاكِمَةٍ مِنَ الْحَوَاجِزِ، فالْبَابُ حَاجِزٌ، وَالْبَحْرُ مَسَافَةٌ، وَالصَّحْرَاءُ تِيهٌ، وَالرَّحِيلُ نَتِيجَةٌ، وَلِهَذَا حِينَما يَقُولُ: "لَمْ أَجِدْ أُفُقًا لِأَنْظُرَ"، لَا يَكُونُ قَدْ فَقَدَ الْمَكَانَ فَقَطْ، وَإِنَّمَا فَقَدَ جِهَةَ النَّظَرِ أَيْضًا، فَالْأُفُقُ عَادَةً هُوَ مَسَاحَةُ الْمُسْتَقْبَلِ، وَحِينَما يَغِيبُ الْأُفُقُ يَغِيبُ الْمُسْتَقْبَلُ مَعَهُ.
أَمَّا التَّكْرَارُ فِي الْقَصِيدَةِ، فَهُوَ لَيْسَ مُجَرَّدَ تِقْنِيَةٍ مُوسِيقِيَّةٍ، وَإِنَّمَا فِعْلُ مُقَاوَمَةٍ لِلنِّسْيَانِ، فعندما يُكَرِّرُ الشَّاعِرُ اسْمَ "رِيتَا" يُحَاوِلُ أَنْ يُثَبِّتَ الِاسْمَ فِي الذَّاكِرَةِ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَهُ الرَّحِيلُ. وَكُلَّمَا قَالَ "رِيتَا" شَعَرْنَا أَنَّ الِاسْمَ يَقْتَرِبُ لَكِنَّ الْمُفَارَقَةَ أَنَّ الشَّخْصَ يَبْتَعِدُ.
إِنَّ حُضُورَ الِاسْمِ يَتَزَايَدُ كُلَّمَا ازْدَادَ الْغِيَابُ، وَلِذَلِكَ يُصْبِحُ التَّكْرَارُ شَكْلًا مِنْ أَشْكَالِ مُقَاوَمَةِ الْفَقْدِ، وَكَذَلِكَ حِينَما تَتَكَرَّرُ الْعِبَارَةُ: "إنّي وُلِدْتُ لِكَيْ أُحِبَّكْ" يَتَحَوَّلُ الْحُبُّ مِنْ رَغْبَةٍ إِلَى قَدَرٍ، وَمِنْ لَحْظَةٍ إِلَى هُوِيَّةٍ، فلَا تَقُولُ رِيتَا إِنَّهَا وُلِدَتْ لِكَيْ تَعِيشَ مَعَ حَبِيبِهَا، وَإِنَّمَا وُلِدَتْ لِكَيْ تُحِبَّهُ، وَكَأَنَّ الْحُبَّ هُنَا غَايَةٌ فِي ذَاتِهِ حَتَّى لَوْ لَمْ يَتَحَقَّقِ اللِّقَاءُ الدَّائِمُ.
وَهُنَا نَصِلُ إِلَى الْبُعْدِ الْوَطَنِيِّ فِي الْقَصِيدَةِ، وَهُوَ بُعْدٌ لَا يَظْهَرُ فِي صُورَةِ خِطَابٍ مُبَاشِرٍ، وَإِنَّمَا يَتَسَرَّبُ إِلَى النَّسِيجِ الْعَاطِفِيِّ.
فدَرْوِيش لَا يَرْفَعُ شِعَارًا سِيَاسِيًّا، لَكِنَّهُ يَجْعَلُ الْحَارِسَ يَقِفُ أَمَامَ الْبَابِ، وَالْجَرِيدَةَ تَحْمِلُ أَخْبَارَ الْحَرْبِ، وَالرَّحِيلَ يُصْبِحُ قَدَرًا، وَالْمَدِينَةَ تَحْمِلُ نَارَ الْحُبِّ، وَالْأَرْضَ تُصْبِحُ سُؤَالًا، وَالْبَحْرَ يُصْبِحُ مَسَافَةً.
وَلِذَلِكَ فَإِنَّ قَصِيدَةَ الْحُبِّ تَتَحَوَّلُ تَدْرِيجِيًّا إِلَى قَصِيدَةٍ عَنِ الْوَطَنِ دُونَ أَنْ تَفْقِدَ حَمِيمِيَّتَهَا، وفِلَسْطِين لَا تُذْكَرُ دَائِمًا بِاسْمِهَا لَكِنَّهَا حَاضِرَةٌ فِي بِنْيَةِ الْفَقْدِ، وَفِي سُؤَالِ الْمَكَانِ، وَفِي مَعْنَى الرَّحِيلِ، وَفِي اسْتِحَالَةِ الْوُصُولِ.
وَعندما يَقُولُ: "هَذِهِ الْأَرْضُ الصَّغِيرَةُ فِي غُرْفَةٍ"، فَإِنَّهُ يُقَدِّمُ وَاحِدَةً مِنْ أَكْثَرِ الصُّوَرِ كَثَافَةً فِي الْقَصِيدَةِ؛ فَالْغُرْفَةُ الصَّغِيرَةُ تُصْبِحُ أَرْضًا، وَالْأَرْضُ تُصْبِحُ غُرْفَةً، فالْإِنْسَان الذي تَضِيقُ بِهِ الْجُغْرَافِيَا يَبْحَثُ عَنْ وَطَنٍ دَاخِلَ الْمَسَاحَةِ الْأَكْثَرِ حَمِيمِيَّةً، فَيُصْبِحُ السَّرِيرُ وَطَنًا، وَالذَّاكِرَةُ وَطَنًا، وَالْجَسَدُ وَطَنًا، وَاللُّغَةُ فِي النِّهَايَةِ وَطَنًا أَخِيرًا.
وَهُنَا نَفْهَمُ لِمَاذَا يَسْتَطِيعُ دَرْوِيشٌ أَنْ يَكْتُبَ عَنِ الْوَطَنِ مِنْ خِلَالِ امْرَأَةٍ، وَعَنِ الْحَرْبِ مِنْ خِلَالِ سَرِيرٍ، وَعَنِ الْحُدُودِ مِنْ خِلَالِ بَابٍ، وَعَنِ الْمَنْفَى مِنْ خِلَالِ رِحْلَةِ عَاشِقَيْنِ.
ثُمَّ تَأْتِي النِّهَايَةُ لِتَضَعَ كُلَّ هَذِهِ الرُّمُوزِ أَمَامَ لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ مِنَ الرَّحِيلِ، إذْ تَقُولُ الْقَصِيدَةُ: "وَضَعَتْ مُسَدَّسَهَا الصَّغِيرَ عَلَى مُسَوَّدَةِ الْقَصِيدَةِ"، فَتَجْتَمِعُ فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ أَدَوَاتُ الْحَرْبِ وَأَدَوَاتُ الشِّعْرِ: الْمُسَدَّسُ وَالْقَصِيدَةُ، الْعُنْفُ وَالْكَلِمَةُ، الْقَتْلُ وَالْإِبْدَاعُ.
ثُمَّ "ورَمَتْ جَوَارِبَهَا عَلَى الْكُرْسِيِّ، فَانْكَسَرَ الْهَدِيلُ" مَا أَبْسَطَ الْمَشْهَدَ وَمَا أَعْظَمَ أَثَرَهُ! إِنَّهَا تَخْلَعُ جَوَارِبَهَا وَتَتْرُكُهَا، لَكِنَّ خُرُوجَهَا لَا يَجْعَلُ شَخْصًا يَغِيبُ فَحَسْبُ، إِنَّهُ يَكْسِرُ الْهَدِيلَ، وَيَكْسِرُ إِيقَاعَ الْمَكَانِ، وَيُعْلِنُ أَنَّ الْغُرْفَةَ بَعْدَ رِيتَا لَنْ تَكُونَ الْغُرْفَةَ نَفْسَهَا.
ثُمَّ تَأْتِي الْجُمْلَةُ الْأَخِيرَةُ: "وَمَضَتْ إِلَى الْمَجْهُولِ حَافِيَةً، وَأَدْرَكَنِي الرَّحِيلُ"، وهُنَا يَقُولُ دَرْوِيشٌ إِنَّ رِيتَا رَحَلَتْ، ويَجْعَلُ الرَّحِيلَ قُوَّةً حَيَّةً تُدْرِكُهُ، فكَأَنَّ الرَّحِيلَ كَانَ يَنْتَظِرُ لَحْظَةً مُعَيَّنَةً ثُمَّ انْقَضَّ عَلَيْهِ.
وَفِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ تَحْدِيدًا تُخْتَصَرُ الْقَصِيدَةُ كُلَّهَا: امْرَأَةٌ تَمْضِي إِلَى الْمَجْهُولِ، وَرَجُلٌ يَبْقَى فِي قَبْضَةِ الرَّحِيلِ، وَحُبٌّ يَتَحَوَّلُ مِنْ حُضُورٍ جَسَدِيٍّ إِلَى ذَاكِرَةٍ شِعْرِيَّةٍ.
وَهَكَذَا، فَإِنَّ "شِتَاءَ رِيتَا الطَّوِيلَ" هِيَ نَصٌّ تَتَدَاخَلُ فِيهِ طَبَقَاتُ الْحُبِّ وَالْوَطَنِ وَالْهُوِيَّةِ وَالذَّاكِرَةِ وَالْمَنْفَى وَالْحَرْبِ.
إِنَّ دَرْوِيشَ يَجْعَلُنَا نَرَى كَيْفَ يُمْكِنُ لِتَجْرِبَةٍ شَخْصِيَّةٍ شَدِيدَةِ الْخُصُوصِيَّةِ أَنْ تَتَحَوَّلَ إِلَى تَجْرِبَةٍ إِنْسَانِيَّةٍ عَامَّةٍ، وَكَيْفَ يَسْتَطِيعُ الشَّاعِرُ أَنْ يَبْدَأَ مِنْ غُرْفَةٍ صَغِيرَةٍ لِيَنْتَهِيَ إِلَى أَسْئِلَةِ الْكَوْنِ كُلِّهِ.
وَلَعَلَّ جَمَالَ الْقَصِيدَةِ الْحَقِيقِيَّ يَكْمُنُ فِي أَنَّهَا لَا تَمْنَحُنَا مَعْنًى وَاحِدًا مُغْلَقًا؛ فَكُلَّمَا ظَنَنَّا أَنَّنَا أَمْسَكْنَا بِرِيتَا وَجَدْنَا وَرَاءَهَا وَطَنًا، وَكُلَّمَا ظَنَنَّا أَنَّنَا أَمْسَكْنَا بِالشِّتَاءِ وَجَدْنَا وَرَاءَهُ فِرَاقًا، وَكُلَّمَا ظَنَنَّا أَنَّنَا أَمَامَ جَسَدٍ وَجَدْنَا وَرَاءَهُ أَرْضًا، وَكُلَّمَا ظَنَنَّا أَنَّنَا أَمَامَ حُبٍّ وَجَدْنَا وَرَاءَهُ حَرْبًا.
وَهَذَا هُوَ سِحْرُ دَرْوِيشٍ بأَنْ يَجْعَلَ الْأَشْيَاءَ تَحْمِلُ أَكْثَرَ مِمَّا تَبْدُو عَلَيْهِ، وَأَنْ يَمْنَحَ اللُّغَةَ قُدْرَةً عَلَى أَنْ تَقُولَ مَا هُوَ أَبْعَدُ مِنَ الْكَلِمَاتِ.
إِنَّهُ شَاعِرٌ يَجْعَلُنَا نَرَى الشَّيْءَ مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً بِعَيْنِ الْوَاقِعِ، وَمَرَّةً بِعَيْنِ الرُّوحِ، وَلِذَلِكَ فَالنَّافِذَةُ عِنْدَهُ لَيْسَتْ نَافِذَةً، وَالْبَابُ لَيْسَ بَابًا، وَالْبَحْرُ لَيْسَ بَحْرًا، وَالشِّتَاءُ لَيْسَ شِتَاءً، وَرِيتَا لَيْسَتْ رِيتَا وَحْدَهَا، فكُلُّ شَيْءٍ يَحْمِلُ ظِلًّا آخَرَ، وَكُلُّ صُورَةٍ تَفْتَحُ بَابًا إِلَى صُورَةٍ أَعْمَقَ، وَكُلُّ كَلِمَةٍ تَقُودُ إِلَى ذَاكِرَةٍ بَعِيدَةٍ.
وَفِي النِّهَايَةِ، رُبَّمَا لَا يَكُونُ السُّؤَالُ الْأَهَمُّ: هَلِ اسْتَطَاعَ الشَّاعِرُ أَنْ يَحْتَفِظَ بِرِيتَا؟ فَالْقَصِيدَةُ تَقُولُ لَنَا بِوُضُوحٍ إِنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَفْقِدُ مَنْ يُحِبُّ، وَقَدْ يُغْلَقُ الْبَابُ، وَقَدْ يَطُولُ الشِّتَاءُ، وَقَدْ يُصْبِحُ الْبَحْرُ خَلْفَ الْبَابِ وَالصَّحْرَاءُ خَلْفَ الْبَحْرِ لَكِنَّ هناك شَيْئًا لَا يَسْتَطِيعُ الرَّحِيلُ أَنْ يَأْخُذَهُ ألا وهو اللُّغَةُ.
لَقَدْ أَخَذَ الرَّحِيلُ رِيتَا مِنَ الْغُرْفَةِ لَكِنَّهُ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَأْخُذَهَا مِنَ الْقَصِيدَةِ، وَأَخَذَ الشِّتَاءُ دِفْءَ اللِّقَاءِ لَكِنَّهُ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُطْفِئَ حَرَارَةَ الذَّاكِرَةِ، وَأَغْلَقَتِ الْجُغْرَافِيَا أَبْوَابَهَا لَكِنَّ الشِّعْرَ فَتَحَ بَابًا آخَرَ لَا تُغْلِقُهُ الْحُدُودُ.
لِهَذَا بَقِيَتْ رِيتَا فِي اللُّغَةِ، وَبَقِيَ الشِّتَاءُ فِي الذَّاكِرَةِ، وَبَقِيَ الْحُبُّ فِي الْقَصِيدَةِ، وَبَقِيَ السُّؤَالُ مَفْتُوحًا: أَيْنَ سَنَلْتَقِي؟
وَرُبَّمَا كَانَتْ إِجَابَةُ دَرْوِيشٍ الْأَكْثَرَ جَمَالًا أَنَّ اللِّقَاءَ الْحَقِيقِيَّ لَا يَكُونُ دَائِمًا فِي الْمَكَانِ، وَلَا فِي الْجَسَدِ، وَلَا فِي الزَّمَنِ، وَإِنَّمَا قَدْ يَحْدُثُ فِي الْقَصِيدَةِ نَفْسِهَا، هُنَاكَ، إذْ يَسْتَطِيعُ مَا عَجَزَتِ الْحَيَاةُ عَنْ حِمَايَتِهِ أَنْ يَبْقَى، وَيَسْتَطِيعُ الْعَاشِقُ الَّذِي أَدْرَكَهُ الرَّحِيلُ أَنْ يَسْتَعِيدَ حَبِيبَتَهُ بِالْكَلِمَاتِ.
لَقَدْ رَحَلَتْ رِيتَا لَكِنَّ رِيتَا الشِّعْرِ لَمْ تَرْحَلْ، أُغْلِقَ الْبَابُ لَكِنَّ الْقَصِيدَةَ أَبْقَتْهُ مَفْتُوحًا، وطَالَ الشِّتَاءُ لَكِنَّ اللُّغَةَ لَمْ تَبْرُدْ، وَانْتَهَى اللِّقَاءُ لَكِنَّ الشِّعْرَ أَنْقَذَ أَثَرَهُ مِنَ النِّهَايَةِ.
وَهُنَا تَكْمُنُ عَبْقَرِيَّةُ مَحْمُودِ دَرْوِيشٍ بأَنَّهُ لَا يَهْزِمُ الرَّحِيلَ بِمَنْعِ الرَّحِيلِ، وَإِنَّمَا يَهْزِمُهُ بِمَنْحِ الرَّاحِلِينَ حَيَاةً أُخْرَى دَاخِلَ اللُّغَةِ.
وَفِي خِتَامِ هَذِهِ الرِّحْلَةِ لَعَلَّنَا نَكْتَشِفُ أَنَّ رِيتَا لَمْ تَكُنْ امْرَأَةً تَرْحَلُ فَقَطْ، وَأَنَّ الشِّتَاءَ لَمْ يَكُنْ فَصْلًا يَمُرُّ فَقَطْ؛ فَرِيتَا صَارَتْ ذَاكِرَةً، وَالشِّتَاءُ صَارَ زَمَنًا، وَالْبَحْرُ صَارَ مَسَافَةً، وَالْبَابُ صَارَ حَدًّا بَيْنَ مَا نُحِبُّ وَمَا لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَبْلُغَهُ.
وَلَعَلَّ أَجْمَلَ مَا فَعَلَهُ دَرْوِيشٌ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَحْ لِلْحُبِّ أَنْ يَمُوتَ حِينَما رَحَلَ أَصْحَابُهُ؛ فَأَخْرَجَهُ مِنْ غُرْفَةٍ صَغِيرَةٍ، وَأَوْدَعَهُ فِي قَصِيدَةٍ، ثُمَّ تَرَكَهُ لَنَا لِنَحْمِلَهُ فِي ذَاكِرَتِنَا.
رِيتَا رَحَلَتْ، نَعَمْ.. وَلَكِنَّ السُّؤَالَ الَّذِي تَرَكَتْهُ لَمْ يَرْحَلْ: "أَيْنَ سَنَلْتَقِي؟" وَرُبَّمَا كَانَ جَوَابُ دَرْوِيشٍ غَيْرَ الْمُعْلَنِ أَنَّنَا لَا نَلْتَقِي دَائِمًا فِي الْأَمَاكِنِ، سنَلْتَقِي فِي الْكَلِمَاتِ، فِي الذَّاكِرَةِ، فِي قَصِيدَةٍ تُعِيدُ لِمَنْ رَحَلَ صَوْتَهُ، وَلِمَنْ فَقَدَ الْمَكَانَ مَكَانَهُ.
وَلِهَذَا، فَعندما أَقُولُ: "طَوِيلٌ هَذَا الشِّتَاءُ"، فَلَا أَعْنِي شِتَاءَ رِيتَا وَحْدَهَا، فأنا أَعْنِي كُلَّ شِتَاءٍ يَدْخُلُ حَيَاتَنَا عندما نَفْقِدُ مَنْ نُحِبُّ، وَكُلَّ بَابٍ يُغْلَقُ فِي وَجْهِ حُلْمٍ، وَكُلَّ بَحْرٍ نَقِفُ أَمَامَهُ وَلَا نَمْلِكُ عُبُورَهُ.
وَلَكِنْ.. إِذَا كَانَ الشِّتَاءُ طَوِيلًا، فَالْقَصِيدَةُ أَطْوَلُ، وَإِذَا كَانَ الرَّحِيلُ قَادِرًا عَلَى أَنْ يَأْخُذَ الْجَسَدَ، فَهُوَ عَاجِزٌ عَنْ أَنْ يَأْخُذَ الذِّكْرَى.
وَإِذَا كَانَ الْبَابُ قَدْ أُغْلِقَ، فَقَدْ فَتَحَ دَرْوِيشٌ بَابًا آخَرَ لَا تُغْلِقُهُ الْحُدُودُ وَلَا الْحُرُوبُ وَلَا الْمَنَافِي، هو بَاب الشِّعْرِ.
وَرُبَّمَا لِذَلِكَ، بَعْدَ كُلِّ هَذَا الْوَقْتِ مَا زِلْنَا نَسْمَعُ رِيتَا تَقُولُ:
"طَوِيلٌ هَذَا الشِّتَاءُ.. "، فَنَشْعُرُ أَنَّهَا لَا تَتَحَدَّثُ عَنِ الشِّتَاءِ.. هي تتحدّث عَنَّا نَحْنُ.
عَنْ كُلِّ حُبٍّ لَمْ يَجِدْ طَرِيقَهُ، وَعَنْ كُلِّ وَطَنٍ أَغْلَقَتِ الْحُدُودُ أَبْوَابَهُ، وَعَنْ كُلِّ إِنْسَانٍ وَقَفَ أَمَامَ بَحْرِهِ، وَسَأَلَ: "أَيْنَ سَنَلْتَقِي؟"
وَهذهِ الْقَصِيدَةُ هِيَ الْمَكَانَ الْوَحِيدَ الَّذِي لَمْ يَسْتَطِعِ الرَّحِيلُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنَّا.
لِذَلِكَ سَأَخْتِمُ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ: رِيتَا رَحَلَتْ.. وَلَكِنَّ الشِّتَاءَ لَمْ يَنْتَهِ؛ لِأَنَّ بَعْضَ الْحُبِّ يَعْجِزُ عَنِ اللِّقَاءِ فيَتَحَوَّلُ إِلَى قَصِيدَةٍ.. نعم، تَتَحَوَّلُ الْحَيَاةُ إِلَى قَصِيدَةٍ.. فلَا يَعُودُ الرَّاحِلُونَ رَاحِلِينَ.
إنهم ينتقلون من ذاكرة القلب إلى ذاكرة اللغة… ومن هناك، لا يرحلون أبدًا.
***
غدير حميدان الزبون








