للشاعرة العراقيّة أمل عايد البابلي
لا يمكن حصر السرياليّة ولغتها في بضعة أسطر؛ إذ تشكّل الصورة السرياليّة فضاءً لغويّاً تتحرّك فيه المقاصد داخل الذات، ويحدث من خلالها نوعٌ من الانقطاع عن انتظام العالم الخارجي، ليعيش الشاعر لحظته الشعريّة وينغمس في ما يمكن تسميته «الأفيون النصّي»؛ أي تلك الحالة التي تستغرق فيها الذات في التخييل، وتبتعد مؤقّتاً عن رقابة الواقع المباشر. وفي هذه اللحظة يميل الشاعر إلى الغرابة والعجائبيّة والدهشة، وإلى التلاعب بالعلاقات اللغويّة، بحثاً عن صورٍ سرياليّة تنسجم مع الخيال الذي قاده إلى هذا المنفذ.
ويقول أدونيس في كتابه الصوفيّة والسرياليّة: (تعبر عن عالم هو نفسه غريب وغامض ومتحوّل. إنّها تعكس حسّاسية المبدع الشخصيّة ومفهومه الخاص للوجود، بالتالي لا يمكن حصرها ضمن مقاييس شائعة ومعايير عامة متعارف عليها أو تقييدها بقواعد المنطق وأصول الذوق). ومن هذا المنظور، يصبح التشكيل اللغوي، وما يصاحبه من تفكيكٍ لسلطة الوعي المنظّم، أحد العوامل التي تدفع الذات نحو طبقاتٍ أعمق من الوعي، حيث تتداخل حالات الحلم والتداعي والخيال والتخييل. وهنا يغدو الشاعر قريباً من الفنّان الذي يرسم مستغرقاً في عالمه الداخلي، مستجيباً لخيالٍ يصعب إيقاف تدفّقه أو عزله عن التجربة الإبداعيّة.
لقد تأسّست السرياليّة بوصفها نزوعاً نحو تحرير الإنسان والمخيّلة من القيود التي يفرضها العقل المنطقي والواقع المباشر، ولذلك قادت إلى تحرير الصورة وإطلاق طاقة اللاوعي في الكتابة. ويشكّل هذا التحرّر أحد المرتكزات الأساسيّة للحركة السرياليّة؛ فهي لا تكتفي بالواقع الذي تدركه الحياة الواعية، بل تبحث عن واقعٍ آخر أكثر اتّساعاً، يتمثّل في اللاوعي أو اللاشعور، حيث تنشأ علاقات جديدة بين الأشياء لا نجدها بالضرورة في واقع الوعي المنظّم. ومن هنا يمارس الشاعر أو الفنان السريالي حريّته داخل حساسيّته الداخليّة، كأنّه يقيم في جمهوريّةٍ تخييليّة خاصّة به، تتراجع فيها سلطة الرقيب العقلي، وتتحرّر فيها الأشياء والصور من وظائفها الاعتياديّة.
أستيقظ خارج نفسي
كخطأ كونيٍّ نجا من المحو صدفةً،
أتحسّسُ جلدي
كما لو أنّه حقيبةٌ تُركت في محطةٍ مهجورة،
لا صاحبَ لها سواي...
ولا أنا أعرف مَن أكونُ فيها.
من قصيدة: -حين ينكرني الفراغ - ص7.
من خلال اقتحام الذاكرة بواقعٍ ينتمي إلى الفوضى ويقوم على التناقضات، نلاحظ أنّ الشاعرة العراقيّة أمل عايد البابلي تبدأ انتقالها إلى ما وراء الواقع المباشر، وهي خصوصيّة تتأسّس على تفعيل الذات وما تفضي إليه من خلق عالمٍ داخلي خاص. ويقترب هذا المسار من الكتابة الآليّة بما تتيحه من تحرير التداعي والصورة من الرقابة المنطقيّة الصارمة، غير أنّ النصّ، بعد تشكّله، لا يبقى مجرّد تدفّقٍ عفوي؛ إذ تتدخّل فيه تجربة الكتابة والوعي الفنّي لإعادة تنظيم العلاقات والصور داخل البنية النصّيّة.
أستيقظ خارج نفسي + كخطأ كونيٍّ نجا من المحو صدفةً + أتحسّس جلدي + كما لو أنّه حقيبةٌ تُركت في محطةٍ مهجورة + لا صاحب لها سواي + ولا أنا أعرف مَن أكون فيها.
تفتتح الشاعرة العراقيّة أمل عايد البابلي مدوّنتها النصّيّة بقصيدة (حين ينكرني الفراغ)، ومن خلال العنونة تقودنا إلى مفهوم الفراغ بوصفه فضاءً قابلاً للتمثّل والإدراك، لا شيئاً محسوساً مستقلاً بذاته. فالفراغ يُدرك من خلال علاقته بالأشياء وحدودها ومواقعها، ومن هنا تتحوّل العنونة إلى منبّهٍ دلالي يضع القارئ أمام سؤال: كيف يمكن للفراغ أن ينكر الذات؟ وما الذي يحدث بعد هذا النكران حين ندخل الأروقة النصّيّة التي شيّدتها الشاعرة بغيابٍ وجودي يتقاطع فيه الفراغ مع سؤال الهويّة؟
وتتجلّى خصوصيّة المفردة وتقنيّة توظيفها لدى الشاعرة في بناءٍ تصويري يبدأ من الفراغ ليجعله مركزاً دلاليّاً وقصديّاً، ثمّ تتوالد حوله الأشياء والصور في علاقاتٍ عجائبيّة وغير مألوفة. ومن هنا تستدعي الشاعرة مجموعةً من المفردات ذات الحمولة الشيئيّة والجسديّة والمكانيّة، ومنها: النفس، والخطأ، والجلد، والحقيبة، والمحطّة. غير أنّ هذه العناصر لا تبقى على وظائفها المعجميّة المألوفة؛ فالجلد يتحوّل إلى حقيبة، والحقيبة ترتبط بالمحطّة المهجورة، والمحطّة تستدعي الغياب والانتظار، بينما تصبح الذات نفسها عاجزةً عن التعرّف إلى هويّتها داخل جسدها.
وفي هذا التحوّل تتجلّى إحدى أهمّ العلاقات السرياليّة: إخراج الشيء من وظيفته الاعتياديّة وإدخاله في علاقة جديدة مع شيء آخر، بحيث لا تعود قيمة الشيء كامنةً في مظهره وحده، بل فيما يتيحه من احتمالاتٍ تخييليّة ودلاليّة. وفي هذا السياق: (كان السرياليون يثمّنون القيمة الكامنة للأشياء أكثر من محتواها الظاهر. في اللغة السرياليّة، الفارق بين المحتوى الكامن أو المستتر والمحتوى الجلي هو هام جداً. الكامن مرتبط بحرّية التخيّل بينما الجلي ينذر بالنتائج المحبطة للمبدأ المنفعي المضاد تماماً لمبدأ المتعة الذي يحكم نشاط المخيلة - السرياليّة في عيون المرايا - ترجمة وإعداد أمين صالح، ط2، دار الفارابي، بيروت، 2010 - ص209).
وبذلك لا تعود الأشياء في النصّ السريالي عناصر محايدة، بل تتحوّل إلى مراكز مولِّدة للعلاقات؛ فالجلد ليس جلداً فقط، والحقيبة ليست حقيبةً، والمحطّة ليست مكاناً للانتقال فحسب، والفراغ لا يبقى غياباً مادّيّاً. إنّها جميعاً تدخل في شبكةٍ من الاستبدالات والانزياحات التي تفكّك العلاقة المألوفة بين الدالّ ومدلوله، وتعيد تشكيلها داخل المخيّلة. وهنا تحديداً تتكوّن العلاقة السرياليّة: حين يلتقي شيئان لا يجمع بينهما الواقع المباشر، ثم يمنحهما النصّ شرعيّة الاجتماع داخل عالمه الخاص.
العقل السريالي بين الإدراك والدهشة
من خلال العقليّة السرياليّة نلاحظ أنّ الذات الحقيقيّة تكون مشبعةً بوقائع يوميّة ومؤثّرات وحوادث تتعلّق بها، فتغدو جزءاً من متعلّقاتها الذاتيّة ومخزونها الداخلي. وعندما يعمل الشاعر على تحويل هذه المؤثّرات وإعادة تشكيلها ضمن رؤية سرياليّة، تصبح العقليّة السرياليّة منفذاً إلى الأبعاد النصّيّة، ووسيلةً لإعادة تنظيم الفوضى الواقعيّة وفق علاقاتٍ جديدة تتجاوز المألوف. ويبدأ ذلك منذ الوحدة اللغويّة الأولى؛ إذ تتحرّك الأشياء والمؤثّرات خارج انتظامها الاعتيادي لتدخل في شبكةٍ من العلاقات غير المتوقّعة، فتظهر الفجائيّة في تنظيم اللغة، وفي توليد معانٍ غير مطروقة. ومن هنا يغدو الإدراك انتقالاً من رؤية الظاهر إلى اكتشاف الباطن، وتغدو الأشياء متعلّقاتٍ ذاتيّة من جهة، وعناصر قابلةً للتحويل إلى أفعالٍ وصورٍ حركيّة مفتوحة على التأويل من جهةٍ ثانية.
وُضعتُ في العالمِ
كغلطٍ نُسي في دفتر الخلق،
كجفافٍ تسلّل إلى دمي
قبل أن أتعلّم البكاء،
قالوا: سينمو..
كما تنمو الكوارثُ حين يُصفّق لها الصابرون.
كبرتُ...
وكان في عينيّ ضوءٌ ثقيل،
لا يشبهُ الضوء،
أشبه بيدٍ خفيّةٍ تفتحُ رأسي كلّ يومٍ
وتريني ما لا يُحتمل.
من قصيدة: - جفاف يتعلّم المشي - ص14.
لا يصبح العقل السريالي أداةً للهروب من الواقع وضجيجه، بل يتحوّل إلى منطقةٍ للكشف عن طبقاته الخفيّة، واستنطاق ما يكمن وراء ظاهره من إمكاناتٍ جماليّة ودلاليّة. فالسرياليّة لا تقطع صلتها بالواقع بقدر ما تعيد تشكيله، مستعينةً بما تختزنه الذاكرة واللاوعي والمخيّلة من صورٍ وتجارب وانفعالات. وفي هذا السياق يرد: (ليس في الحقل الذهني خلقاً تلقائياً أكثر ممّا في العالم المحسوس. فالكلمات والصور جميعها التي يستخدمها وعينا تنطلق من خزّان ضخم يسميه "فرويد" اللاوعي، والأصح أن ندعوه ما تحت الوعي مثلما فعل "مايرز". والوعي يسجّلها كما يدرك بالحسّ أصوات العالم الخارجي ورؤاه، فهو لا يبتدعها، بل يحيط بها علماً بإسقاطها على شاشته المضيئة؛ لأنّ وجودها سابق لهذا الإدراك - أندريه برايتون والمعطيات الأساسية للحركة السريالية – ص 138 – ميشيل كاروج – ترجمة: الياس بديوي – منشورات وزارة الثقافة 1973م – دمشق).
وُضعتُ في العالمِ + كغلطٍ نُسي في دفتر الخلق + كجفافٍ تسلّل إلى دمي + قبل أن أتعلّم البكاء + قالوا: سينمو + كما تنمو الكوارثُ حين يُصفّق لها الصابرون + كبرتُ + وكان في عينيّ ضوءٌ ثقيل + لا يشبهُ الضوء + أشبه بيدٍ خفيّةٍ تفتحُ رأسي كلّ يومٍ + وتريني ما لا يُحتمل.
يبدأ الإدراك السريالي من لحظة اختلال العلاقة المألوفة بين العالم والذات؛ إذ تتحوّل الأشياء والمتعلّقات الذاتيّة إلى علاماتٍ متحرّكة ومتواصلة، وتكتسب الرمزيّة مساحةً واسعة ضمن العلاقات التي ينتجها المنظور السريالي. فالعالم الخارجي لا يبقى معطىً مستقلاً، بل يتحوّل إلى ذاكرةٍ وصورةٍ وتجربةٍ داخليّة نتيجة علاقاته الجديدة بالذات وانتقاله إلى منطقة ما وراء الواقع المباشر. وكذلك لا يبقى الدم عنصراً جسديّاً فحسب، بل يتحوّل، في عبارة "جفافٍ تسلّل إلى دمي"، إلى حاملٍ لحالةٍ وجوديّة تتصل بالألم والزمن والحزن المتراكم.
ومن خلال مبدأ الـ "أنا" لا يحدث الانتقال على مستوى الألفاظ وحدها، بل يمتدّ إلى الرؤية والإدراك البصري والتصوّر الذهني، لتشكيل عالمٍ من طرازٍ جديد. وهنا تتولّد الدهشة من المفارقة بين طبيعة الأشياء في الواقع وطبيعتها بعد إعادة تركيبها داخل النصّ؛ فالضوء، مثلاً، يفقد صفته المألوفة حين يصبح "ضوءاً ثقيلا"، ثم يزداد انزياحه عندما يشبَّه بـ "يدٍ خفيّةٍ تفتح رأسي كلّ يوم". وبذلك تنتقل الصورة من الإدراك الحسّي للضوء إلى إدراكٍ سريالي يقوم على خرق العلاقة المألوفة بين المحسوس وصفاته.
إنّ الشاعرة العراقيّة أمل عايد البابلي لا تتخلّى عن العالم الذي اختارته من خلال الفعل التصويري؛ لذلك نلاحظ أنّ الاختلافات اللغويّة، والتناقضات، والانزياحات، والأفعال الحركيّة، تتضافر جميعها لتشكّل تحوّلاتٍ في الرؤية، وتسهم في إعادة تشكيل الإدراك الإنساني داخل النصّ. فاللغة هنا لا تصف عالماً جاهزاً، وإنّما تعيد إنتاجه وفق علاقاتٍ تنتمي إلى المخيّلة وتمنح الأشياء وظائف جديدة.
جسدي يتعثّر بي،
وأفكاري تسبقني
ككلابٍ هاربةٍ،
وأنا بينهما
شيءٌ نُسي تعريفه
في قاموسٍ قديم.
من قصيدة: «بدون عنوان»، ص32.
إذا اعتبرنا الجملة وحدةً إرساليّة تنقل تجربة الذات داخل خيالها الشعري، فإنّ الصورة تصبح الحاضنة الفاعلة لهذه الجمل الخياليّة والحلميّة، والمكوّن الذي تنتظم داخله العلاقات الجماليّة والدلاليّة. ولذلك تعدّ الصورة الشعريّة من أكثر العناصر قدرةً على حمل الرؤية السرياليّة، لأنها تجمع بين اللغة والخيال والحركة والانزياح، وتدفع الدهشة إلى توليد تأويلاتٍ ومعانٍ متعدّدة.
جسدي يتعثّر بي + وأفكاري تسبقني + ككلابٍ هاربة + وأنا بينهما + شيءٌ نُسي تعريفه + في قاموسٍ قديم.
تكشف هذه الوحدات عن انقلابٍ واضح في العلاقات الاعتياديّة؛ فبدلاً من أن يتعثّر الإنسان بجسده أو بشيءٍ خارجي، يصبح "الجسد يتعثّر بالذات"، وبدلاً من أن تكون الأفكار حالاتٍ ذهنيّة ساكنة، تتحوّل إلى كائناتٍ حركيّة تسبق صاحبتها "ككلابٍ هاربة". وهنا تتشكّل الدهشة من خلال تحويل المجرّد إلى محسوس، والذهني إلى حركي، وإعادة توزيع الوظائف بين الذات والجسد والفكرة. وتبلغ الصورة ذروتها في قولها: "شيءٌ نُسي تعريفه / في قاموسٍ قديم"؛ إذ تتحوّل الذات نفسها إلى شيءٍ فاقدٍ لتعريفه، فتنتقل أزمة الإدراك من العالم الخارجي إلى سؤال الهويّة والوجود.
ولا تنفصل هذه الصورة عن البعد السردي حين تدخل القصيدة في بناء مشهدي أو حكائي؛ إذ تستطيع الوحدات الشعريّة أن تتعاقب بطريقة تمنح المشهد حركةً وزمناً وتحوّلاً. وفي هذا السياق يذهب د. محمد زيدان إلى أنّه (برغم من أن صوت الراوي "السارد" هو المستحوذ على تشكيلات النصّ، فإن الأصوات الأخرى والشخصيات والفضاء الحكائي، والتشكيلات الحوارية الضمنية التي تزخر بها القصيدة نقلت السرد الحكائي في الشعر إلى أعلى مراحله والأكثر نضجاً وقرباً من بنية الخطاب السردي بشكل عام. د. محمد زيدان، البنية السرديّة في النصّ الشعري، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة، ص27).
ومن هنا تتواصل الشاعرة مع التشبيه والصورة الحركيّة لتمنح المشهد النصّي قوّته وفاعليّته؛ فقولها "وأفكاري تسبقني / ككلابٍ هاربة" لا يقدّم تشبيهاً جمالياً فحسب، وإنما ينقل الفكر من مجال التجريد إلى مجال الحركة البصريّة، فيصبح ما هو ذهني قابلاً للتخيّل والمشاهدة. وتنبثق الدهشة تحديداً من المسافة التي تفصل بين طرفي الصورة، ثم من قدرة اللغة على الجمع بينهما داخل علاقةٍ يقبلها عالم النصّ، وإن كانت غير ممكنة في انتظام الواقع المباشر.
وبذلك يعمل العقل السريالي بين قطبين متفاعلين: الإدراك والدهشة. فالإدراك يمدّه بمادّة العالم والأشياء والجسد والذاكرة، بينما تعيد المخيّلة تفكيك هذه المادّة وتركيبها في علاقاتٍ جديدة، فتولد الدهشة. ولا تكون الدهشة، في هذه الحالة، زينةً لغويّة أو غرابةً مقصودة لذاتها، بل نتيجةً لتحوّل الإدراك نفسه؛ إذ يرى الشاعر الأشياء مرّةً أخرى خارج وظائفها وحدودها المألوفة، ثم يعيد تقديمها إلى المتلقّي في صورةٍ تستفزّ وعيه وتدفعه إلى التأويل.
الوعي السريالي وأفق المتخيَّل
لا يكمن الوعي السريالي في اللاوعي بمعناه المباشر، بقدر ما يتشكّل من التفاعل بين الوعي واللاوعي والمتخيَّل. فعندما يبلغ فعل التخييل درجاتٍ قصوى من الفاعليّة، تدخل الذات في حالةٍ إدراكيّة مغايرة، تتفاعل فيها التصوّرات العقليّة مع المتعلّقات الذاتيّة والذاكرة والانفعال. ومن هنا يصبح الخيال أحد المنافذ الرئيسة لفهم العالم وإعادة تشكيله، لا بوصفه واقعاً جاهزاً، بل لأنّه مادّةً قابلةً للتحويل إلى صورٍ وعلاقاتٍ جديدة.
وفي هذا المستوى تظهر التصوّرات الذهنيّة والمتعلّقات الذاتيّة بوصفها مساحاتٍ أساسيّة في بناء الرؤية السرياليّة. وحين ينتقل الشاعر إلى التوضيح النصّي، وهو انتقال لا غنى عنه، تتحوّل هذه التصوّرات إلى إشاراتٍ وعلامات، يستدعي من خلالها الأشياء، ثم يدفعها إلى منطقة اللامألوف، لتفقد وظائفها العاديّة وتكتسب دلالاتٍ جديدة داخل النصّ.
ولا يقوم الإبداع النصّي على تكرار ما كتبه الآخرون، بل على إنتاج حالاتٍ فرديّة غير مطروقة، وهو ما يتجلّى بوضوح في الوعي السريالي الذي يرفض القوالب الجاهزة. وفي هذا السياق تقول الدكتورة خالدة سعيد: (يفترض الإبداع بدئيّاً رفض التقليد، وكلّ طغيان يتمثّل بأحاديّة التعبير، أي القول بشكل فنّي ثابت أو شكل سابق على العمل الفنّي، مفروض عليه من خارجه. فالأخذ بأحاديّة التعبير أو ثبات أشكاله يبطن نظرةً أداتيّة ترى اللغة والشكل الفنّي وعاءً جاهزاً، أو مجموعةً من المفردات والتراكيب القابلة للتكرار، القابلة على استيعاب الجديد المتنوّع، وتلبية الحاجات غير المتناهية - خالدة سعيد - حركيّة الإبداع - ص8).
لم أولد
سقطتُّ من فكرةٍ مكسورة
أخيط وجهي كلّ صباحٍ
كي لا يتسرّبَ المطر
في صدري حقولٌ تتذكّرني،
وترفضني
قصائدي مقابرُ صغيرة
كلّ كلمةٍ شاهدةُ قبرٍ
من قصيدة:- أثر يتعلّم الهطول - ص43.
لا يمكن تجاوز اللغة وطبيعة تنظيمها حين نتحدّث عن الوعي السريالي؛ لأنّ اللغة هي الوسيط الذي تتحوّل من خلاله التجربة الداخليّة إلى بناءٍ تصويري. فاللغة السرياليّة لا تنقل الواقع كما هو، بل تعيد بناءه عبر علاقاتٍ غير مألوفة، فتنتج صوراً تنتمي إلى منطقة ما وراء الواقع المباشر.
وفي هذا السياق يمكن المقارنة بين الشاعر والفنّان التشكيلي؛ فكلاهما ينطلق من الحسّ والإدراك والخيال، غير أنّ الاختلاف يكمن في الأدوات. فالفنّان يحوّل رؤيته إلى ألوان وخطوط ومساحات، بينما يحوّل الشاعر تجربته إلى كلمات وصور وعلاقات لغويّة. وفي الحالتين يحدث انتقالٌ من الطبيعة الخارجيّة إلى التشكيل الداخلي، ومن الإدراك الحسّي إلى البناء الجمالي.
لم أولد + سقطتُّ من فكرةٍ مكسورة + أخيط وجهي كلّ صباحٍ + كي لا يتسرّب المطر + في صدري حقولٌ تتذكّرني + وترفضني + قصائدي مقابر صغيرة + كلّ كلمةٍ شاهدة قبر.
ومن خلال الكتابة الآليّة وما تتيحه من حرّيّة في تدفّق الصور، تصوغ الشاعرة أمل عايد البابلي بنيةً سرياليّة تقوم على المشاكسة الدلاليّة واللغويّة. فهي لا تتعامل مع الأشياء وفق وظائفها المألوفة، بل تعيد توزيعها داخل الصورة؛ فـ "خياطة الوجه" لا تنتمي إلى الواقع المنطقي، كما أنّ "حبس المطر" من خلال خياطة الوجه يكشف عن تزاوجٍ بين المحسوس والمتخيَّل، وبين الصورة البصريّة والمعنى الرمزي.
وفي هذا المستوى تتقاطع أداة الرسّام مع أداة الشاعر؛ فاللون والكلمة يختلفان في مادّتهما، لكنّهما يلتقيان في فعل التشكيل. ويشير أحد المصادر في هذا السياق إلى أنّ: (في بعض الأحيان تكون المساهمة الواعية للمبدع في حدّها الأدنى، وفي حالاتٍ أخرى تكون كبيرةً وبارزة. والمدى الذي إليه يشارك الفنّان بفعاليّة في تطوير أو إبراز الصورة التي كانت التقنية قد قادت إليها. - السرياليّة في عيون المرايا - ترجمة وإعداد أمين صالح - ط2، دار الفارابي، بيروت، 2010 - ص91).
من الذي دسّ الغبار
في الشعيرات الدموية للنهار؟
مَن علّق الدخان
كأعضاءٍ محترقةٍ
في فم السماء؟
كلّ شيء هنا يبدو كأنّه نجا من حريقٍ قديم،
حتى الوجوه
تمشي برائحة الرماد.
أمشي داخلَ رأسي
كلاجئةٍ في مدينة أعصاب.
أبدّلُ أفكاري
كما يبدّلُ الجلاد أدوات التعذيب
من قصيدة: - غيمة في السجن بتهمة المطر -ص73.
من خلال النطق التعبيري ينتمي النصّ الشعري إلى فضاء الخيال السريالي، فيغدو الفعل الشعري فعلاً إدراكيّاً وتصويريّاً في آنٍ واحد. فهو لا يكتفي بإنتاج صورٍ عجائبيّة أو غرائبيّة، بل يعيد بناء العلاقات بين الموجودات النصّيّة، ويجمع بين المتباعدات، ويؤلّف بين المتناقضات، مستعيناً بالاستعارة والصور الذهنيّة والانزياح.
من الذي دسّ الغبار + في الشعيرات الدموية للنهار؟ + مَن علّق الدخان + كأعضاءٍ محترقة + في فم السماء؟ + كلّ شيء هنا يبدو كأنّه نجا من حريقٍ قديم + حتى الوجوه + تمشي برائحة الرماد + أمشي داخل رأسي + كلاجئةٍ في مدينة أعصاب + أبدّل أفكاري + كما يبدّل الجلاد أدوات التعذيب.
تكشف هذه الوحدات عن شبكةٍ من العلاقات لا تخضع إلى المنطق الواقعي؛ فالنهار يمتلك شعيراتٍ دمويّة، والسماء تمتلك فماً، والوجوه تمشي برائحة الرماد، والرأس يتحوّل إلى مدينةٍ عصبيّة تستطيع الذات أن تسير داخلها. ومن هنا لا تكون الغرابة غايةً في ذاتها، بل أداةً لإعادة بناء الإدراك، بحيث يتحوّل المحسوس إلى مجرّد، والمجرّد إلى محسوس، والجسد إلى فضاء، والفضاء إلى كائن حي. فيكون للكائن النصّي عمليّة تفكيكيّة، وفي منظور التفكيك لا يمكننا نقل البعد الجمالي كحالة فكرية متواجدة لدى الآخرين، فالأبعاد الجمالية متواجدة في الذوق المختلف، وحسب رؤية الفنان – الشاعر – وكيفية الولوج إلى الجمال الخلاق، لأنّ العملية النصّية، عملية خلق جمالي تعتمد الهدم والبناء.
ولا يمكن فصل العقل السريالي عن الوعي، كما لا يمكن فصله عن اللاوعي؛ إذ يعمل في المنطقة التي تتقاطع فيها الخبرة الحسّيّة مع التداعي الحرّ، والذاكرة مع الحلم، والإدراك مع الخيال. ومن هنا تقودنا الشاعرة إلى منطقةٍ وسطى بين التأمّل والشرود، وبين اليقظة والحلم، حيث تُعاد صياغة الوقائع في هيئة صورٍ تتجاوز منطق الإدراك اليومي.
ولا يعني ذلك أنّ كلّ جملة سرياليّة هي حلم مستقل، بل إنّ النصّ قد يستفيد من منطق الحلم، بما يقوم عليه من انتقالاتٍ مفاجئة وتراكماتٍ نفسيّة وتجاوراتٍ غير مألوفة. وهنا تعيد المخيّلة ترتيب عناصر الخبرة في بنيةٍ جديدة تمتزج فيها أحلام اليقظة بالتأمّل والذاكرة. ويقول غاستون باشلار: (التأمّلات الشاردة هي بذاتها راحة الكينونة، سعادة شخصيّة، فيدخل الحالم وتأمّلاته الشاردة، جسداً وروحاً، في جوهر السعادة - غاستون باشلار- شاعريّة أحلام اليقظة - ص 15).
ليلة أمس،
كنتُ زاويةً فقدتْ هندستها
ركناً منزوعَ الجدران،
يتدلّى في حلمٍ واسعٍ كفم هاويةٍ
كانت العيون تتكاثرُ حولي
كحشراتٍ من زجاج،
تدخلُ مسامي، وتعدّ ارتجافاتي واحدةً واحدة.
أرتجفُ
لا من ذنبٍ اقترفته يداي،
بل من خطيئةٍ مرّت قربَ اسمي
وتركت ظلّها فيه.
كنتُ عاريةً، لا لأنّ الثوبَ خانني،
بل لأنّكَ غادرتَ اللغةَ، فانكشفتُ.
من قصيدة: - حين انقلب المأوى إلى نافذة - ص87.
إنّ الواقع المتخيَّل من أكثر الفضاءات قرباً من الرؤية السرياليّة، لأنّ الاتصال بينه وبين الواقع المباشر يتمّ عبر علاماتٍ وإشارات تقوم على التناقض، والانزياح، والاختلاف اللغوي. وكلّ صورةٍ شعريّة جديدة تفتح أفقاً إضافيّاً للإدراك، لذلك يكون الخلق النصّي في حالة تجدّدٍ دائم، وتغدو العلاقة غير المألوفة وسيلةً لزيادة قدرة اللغة على إنتاج الدلالة.
ليلة أمس + كنتُ زاويةً فقدتْ هندستها + ركناً منزوعَ الجدران + يتدلّى في حلمٍ واسعٍ كفم هاوية + كانت العيون تتكاثر حولي + كحشراتٍ من زجاج + تدخل مسامي + وتعدّ ارتجافاتي واحدةً واحدة + أرتجف + لا من ذنبٍ اقترفته يداي + بل من خطيئةٍ مرّت قرب اسمي + وتركت ظلّها فيه + كنتُ عاريةً، لا لأنّ الثوب خانني + بل لأنّك غادرت اللغة، فانكشفتُ.
يتجلّى في هذا المقطع انتقالٌ واضح من الواقع إلى المتخيَّل؛ فالذات تتحوّل إلى (زاوية فقدت هندستها)، ثمّ إلى (ركن منزوع الجدران)، بينما تتكاثر العيون (كحشرات من زجاج)، وتصبح اللغة نفسها غطاءً وجوديّاً؛ فعندما يغادرها الآخر تنكشف الذات. وهنا لا يعود المتخيَّل فضاءً للهروب، بل يتحوّل إلى أداةٍ للكشف عن هشاشة الوجود، واضطراب الهويّة، والخوف، والانكشاف.
ومن خلال هذا الوعي المتفاعل مع اللاوعي، تنتقل الكتابة إلى عالمٍ تتجاور فيه الحقيقة مع الحلم، والواقع مع الاحتمال، والإدراك مع الدهشة. وبذلك يجد القارئ نفسه أمام نظامٍ جديد لا يخضع إلى قوانين الإدراك المألوف، بل يؤسّس قوانينه الخاصّة داخل النصّ.
وتبني الشاعرة أمل عايد البابلي هذا العالم منذ الوحدة اللغويّة الأولى؛ ففي قولها: (كنتُ زاويةً فقدت هندستها) تتحوّل الذات إلى شكلٍ هندسي، ثم يفقد هذا الشكل قوانينه، فتنتقل الصورة من الإنسان إلى الهندسة، ومن الهندسة إلى الاختلال، ومن الاختلال إلى الحلم. ومن هنا تتكوّن دلالاتٌ تأسيسيّة تتوالد الواحدة من الأخرى، بحيث يصبح النصّ فضاءً لانتقال المعنى لا موضعاً لاستقراره.
ومن خلال النصّ والنصّية نرى العالم الذي يحيط بالشاعرة، لكنّه عالمٌ أعيد تشكيله معرفيّاً وتصوّريّاً. فالقيمة الدلاليّة لا تنفصل عن البنية الإدراكيّة التي تنتظم فيها المعاني، ولا سيّما حين تتحوّل الخبرة إلى تصوّر ذهني يعيد تنظيم العالم.
وهنا يمكن الاستفادة من منظور الدلالة المعرفيّة (Cognitive Semantics)، التي تنظر إلى المعنى بوصفه مرتبطاً بطرائق التصوّر والإدراك وبناء المعرفة في الذهن، لا بوصفه قيمةً قائمة في اللفظ وحده. ومن هذا المنطلق يمكن النظر إلى الصورة السرياليّة يصيغة تنظيمٍ تصوّري للتجربة؛ إذ تتحوّل الأشياء والمفاهيم من مواقعها المألوفة إلى بنياتٍ ذهنيّة جديدة، فيتغيّر الإدراك، وتتجدّد الدلالة، ويتّسع أفق المتخيَّل.
المتخيَّل السريالي وإعادة تشكيل الواقع
لا يلغي المتخيَّل السريالي المتعلّقات المباشرة بالذات، بل يعيد توزيعها داخل بنيةٍ جديدة، مستفيداً من أثر المحسوس الجزئي وما يتركه من بصماتٍ في الذات الفاعلة. ومن هنا يميل المتخيَّل إلى مناطق تتقاطع فيها الذاكرة مع اللاوعي، والتلقائيّة مع الوعي الكتابي، فتتشكل لدى الشاعر إمكاناتٌ جديدة لإعادة بناء النصّ. وتُعدّ هذه الأبنية من مظاهر الابتكار والإبداع؛ لأنها لا تكتفي باستعادة الواقع، بل تعيد تشكيل علاقاته، وتؤسّس صلاتٍ جديدة بين المعاني، والانزياحات اللغويّة، والمفارقات، وما ينتمي إلى فضاء اللامعقول. وبذلك يتحوّل المتخيَّل السريالي إلى مجالٍ للخيال المكثّف، يستوعب المؤثّرات والتحوّلات، ويعيد ترتيبها وفق منطقٍ نصّي خاص.
أدخلُ الصباحَ
كمن يدخلُ مشرحةً جماعيّة،
أرتّبُ وجهي بعناية موظّفةِ كوارث،
أرسمُ فماً صالحاً للمجاملة،
وعينين تستطيعان المرورَ أمامَ الحياة
دون أن تفضحا الجثثَ المكدّسةَ في الداخل.
الكحلُ؟
ليس زينةً،
إنّه آخرُ سوادٍ سحبته من رئةِ الليل.
من قصيدة: امرأة تعطّل آلة الطمأنينة - ص119.
لا يعني انتماء الذات إلى منطقة اللاوعي أنّها تفقد السيطرة على كلّ فعلٍ كتابي أو إدراكي؛ فالنصّ السريالي يتشكّل غالباً في المنطقة التي تتداخل فيها تلقائيّة التداعي مع وعي الصياغة. ومن هنا تتحدّى الذات العالم الخارجي، وتعيد تنظيم أثره داخلها، من غير أن تنفصل عنه نهائياً. فاللاوعي يمدّ النصّ بالصور والمفاجآت والعلاقات غير المتوقّعة، بينما يتدخّل الوعي الكتابي في ترتيبها وإكسابها شكلها النصّي مع الصيغة النصّية.
أدخلُ الصباح + كمن يدخل مشرحةً جماعيّة + أرتّب وجهي بعناية موظّفة كوارث + أرسم فماً صالحاً للمجاملة + وعينين تستطيعان المرور أمام الحياة + دون أن تفضحا الجثث المكدّسة في الداخل + الكحل؟ + ليس زينةً + إنّه آخر سوادٍ سحبته من رئة الليل.
يكشف هذا التتابع عن تحوّلٍ متدرّج في وظيفة الأشياء؛ فالصباح، الذي يرتبط عادة بالبداية والنور، يتحوّل إلى مشرحةٍ جماعيّة، والوجه لا يعود علامةً طبيعيّة للهوية، بل أنّه بنيةً يعاد ترتيبها للعبور أمام الحياة، بينما يفقد الكحل وظيفته التزيينيّة ليصبح "آخر سوادٍ سحبته من رئة الليل" وهكذا لا تكتفي الشاعرة بخرق المألوف، بل تعيد توزيع المعاني بين الأشياء، لتنتج فضاءً سرياليّاً تتجاور فيه الحياة والموت، والزينة والرماد، والصباح والمشرحة.
ومن خلال هذا التحوّل، يظهر ما يمكن تسميته بالجنون الخلّاق؛ وهو ليس غياباً للنظام، بل إعادة تنظيم للفوضى في صورةٍ جماليّة جديدة. فالمحسوس الجزئي يظلّ حاضراً داخل المتخيَّل، لكنه يفقد انتظامه الواقعي ويكتسب وظيفةً أخرى. ومن هنا تتكوّن ثنائيّة الحضور والغياب: يغيب المعنى المألوف للشيء، ليحضر معنى جديد ينتجه النصّ. فالصباح، والوجه، والعين، والكحل، والليل، جميعها عناصر محسوسة، لكنّها تُعاد كتابتها ضمن علاقاتٍ دلاليّة غير مألوفة.
ولو نظرنا إلى البنية العميقة للذات، وجدنا أنّ العناصر الثلاثة: المحسوس، والخيال، والمتخيَّل، تدخل في تجانسٍ فعلي. فالمحسوس يقدّم المادّة الأولى، والخيال يعيد تركيبها، بينما يمنح المتخيَّل هذه العناصر عالمها النصّي الجديد. وبهذا لا تكون الذات مجرّد ناقلٍ للواقع، بل مركزاً لإعادة تشكيله وتحويله إلى تجربةٍ جماليّة.
كلّما حاول نهدي
أن يهربَ من قميصي،
كنتُ أعيده إلى جسدي
كما تُعادُ الفكرةُ الخطأ
إلى رأسِ امرأةٍ شرقيّة.
في عيدي الأخير،
جلستُ أمام المرآة أُحصي خسائري على هيئة أعضاءٍ:
هذا نهدٌ تأخر عن الثورة،
وهذا رحمٌ يواصل تدوير الفراغ
كآلة غسيل،
وهذه أنوثةٌ انتهت صلاحيتها قبل أن يلمسها أحد.
من قصيدة: ندبة على هيئة امرأة - ص138.
يظهر المحسوس هنا غارقاً في شبكةٍ من التناقضات؛ فالجسد لا يُقدَّم بوصفه بنيةً ثابتة، بل بوصفه فضاءً للصراع والتحوّل. ومن هذه التناقضات تتشكّل فوضى أوليّة يعيد النصّ تنظيمها في بنيةٍ جديدة، فتتحوّل الأعضاء إلى علاماتٍ دلاليّة تحمل أسئلةً عن الأنوثة، والقمع، والزمن، والهويّة. ومن هنا، لا يكون ما يبدو "جنوناً" خروجاً من المعنى، بل وسيلةً لإنتاج معنى آخر أكثر كثافةً وتركيباً.
كلّما حاول نهدي + أن يهرب من قميصي + كنتُ أعيده إلى جسدي + كما تُعاد الفكرة الخطأ + إلى رأس امرأة شرقيّة + في عيدي الأخير + جلست أمام المرآة أُحصي خسائري على هيئة أعضاء + هذا نهد تأخر عن الثورة + وهذا رحم يواصل تدوير الفراغ + كآلة غسيل + وهذه أنوثة انتهت صلاحيتها قبل أن يلمسها أحد.
ويُعدّ المحسوس من أقرب العناصر إلى الترتيبات النصّيّة التي تغذّي المخيّلة؛ إذ يقدّم للذات مادّةً قابلةً للتحويل وإعادة التنظيم من الداخل. غير أنّ الأشياء لا تحمل معانيها بصورةٍ مكتملة وثابتة، بل تكتسب دلالاتها الجديدة من خلال طريقة حضورها في النصّ وعلاقتها بالذات. ومن هنا تصبح إحدى وظائف المحسوس خلق إمكاناتٍ جديدة للمعنى، من خلال ترتيب غير تقليدي للأشياء، وربطها بمستوياتٍ نفسيّة ورمزيّة وجماليّة.
وفي قول الشاعرة: كلّما حاول نهدي أن يهرب من قميصي، يتحوّل القميص من مجرّد لباسٍ إلى فضاءٍ يحدّ الجسد ويحتويه، بينما يتحوّل النهد إلى كائنٍ قادر على الحركة والرغبة في الهرب. وهنا تدخل أعضاء الجسد في بنيةٍ إشاريّة، تنتقل فيها الأشياء من المحسوس إلى المتخيَّل. وفي هذا السياق يقول ابن سينا: (الشيء قد يكون محسوساً عندما يُشاهد، ثم يكون متخيَّلاً عند غيبته بتمثّل صورته في الباطن... وأمّا الخيال الباطن فخياله المحسوس مع عوارض الأين والمتى والوضع والكيف، لا قدرة له على تجريده المطلق عنها، ولكنّه يجرّده عن العلاقة التي تعلّق بها الحسّ، فهو يتمثّل صورته مع غيبوبة حاملها. الإشارات والتنبيهات، مع شرح نصير الدين الطوسي، ص343–345).
ومن هذا المنطلق، لا يبقى المحسوس مقصوراً على حضوره المباشر، بل ينتقل إلى المخيّلة ليُعاد تشكيله في صورةٍ جديدة. وهذه هي إحدى الركائز الأساسيّة للمتخيَّل السريالي: أن يحتفظ بأثر الشيء، من دون أن يحتفظ بوظيفته الأولى. فالجسد يبقى جسداً، والقميص يبقى قميصاً، والرحم يبقى عضواً، لكنّ العلاقات التي تنشأ بينها تتجاوز الواقع المباشر، وتمنحها وظائف رمزيّة جديدة.
وتنتمي الشاعرة أمل عايد البابلي إلى أساليب دهشويّة هادئة، تنبع من العلاقات الجديدة التي يقيمها النصّ مع الأشياء المحسوسة. فالغرائبيّة والعجائبيّة لا تظهر عندها بوصفهما زخرفةً أو مبالغةً لغويّة، بل نتيجةً لتحوّل العلاقة بين الذات والعالم. ومن هنا، يتكوّن الانفعال الجمالي، حين يرى القارئ الشيء المألوف وقد اكتسب وظيفةً لم تكن له في الواقع.
وبذلك لا يعمل المتخيَّل السريالي على إلغاء الواقع، بل على إعادة تركيبه؛ فهو يستعير من الواقع عناصره المحسوسة، ثم يعيد توزيعها داخل علاقاتٍ جديدة تتداخل فيها الذاكرة، والجسد، والرمز، واللاوعي، والوعي الكتابي. ومن خلال هذه العمليّة يصبح النصّ فضاءً لإنتاج واقعٍ موازٍ، لا ينكر العالم الخارجي، بل يكشف إمكاناته الخفيّة، ويمنح الأشياء حياةً دلاليّة جديدة.
***
كتابة: علاء حمد
......................
لغة بأعضاء داخليّة: مجموعة شعريّة صادرة عن: دار السومري للنشر والوزيع، الناصرية








