عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

فاطمة عبد الله: من الحرف إلى الهيولى.. تشظي المعنى وتأجيل الدلالة

في قصيدة "لُجّة الهيولى" للشاعرة مرشدة جاويش.. مقاربة تفكيكية في جدلية اللغة والغياب والخلق

تنهض قصيدة "لُجّة الهيولى" على بنية لغوية تتجاوز التعبير الوجداني المباشر إلى مساءلة شروط إنتاج المعنى ذاته. فالقصيدة لا تجعل اللغة وسيطاً شفافاً بين الذات والعالم، وإنما تحولها إلى فضاء للصراع بين الحضور والغياب، وبين القول والصمت، وبين المعنى وتأجيله. ومن ثم تقترح هذه الدراسة قراءة النص من منظور تفكيكي، مع الإفادة من المنظور السيميائي في تحليل العلامات المركزية، ولا سيما: الحرف، الظل، البياض، الغيم، السنا، الكاف، و" كن" ....

وتنطلق الدراسة من فرضية مفادها أن القصيدة تبني مراكز دلالية مؤقتة ثم تعمل على زحزحتها من الداخل، فالذات ليست جوهراً ثابتاً، والآخر لا يظهر بوصفه حضوراً مكتملاً، والمعنى لا يُمنح للقارئ في صورة نهائية، بل يتشكل عبر سلسلة من الاختلافات والإحالات. وتبلغ هذه الاستراتيجية ذروتها في تفكيك العلاقة بين " الكاف" و" كن"، ثم في الخاتمة التي تجعل " الشتات" نفسه " رؤيا "، بما يقلب ثنائية النظام/الفوضى ويعيد تعريف الخلق بوصفه حركة أولى للتشكل....

إشكالية الدراسة ومنهجها

لا تتمثل المشكلة النقدية الأساسية في السؤال: ماذا تقول القصيدة؟ وإنما في سؤال أكثر تركيباً:

كيف تنتج القصيدة معناها، وكيف تقوض في الوقت نفسه إمكانية استقرار هذا المعنى؟ وهنا تكتسب عبارة الشاعرة:

" أُريدُكَ معنىً عصيّاً

يُراودُ سكوني..

فيُنبتُ شكّاً ويُحيي يقيناً"

أهميتها النظرية،إذ إن " المعنى" في النص ليس موضوعاً جاهزاً تسعى الذات إلى امتلاكه، بل هو معنى عصي، أي معنى لا يكتمل بالوصول إليه، وإنما يستمر من خلال مراودته للذات.

وهذا يتقاطع بصورة مباشرة مع مفهوم (différance) الاختلاف عند جاك دريدا، حيث لا يتولد المعنى من حضور مكتمل ونهائي، وإنما من حركة الاختلاف والتأجيل التي تجعل الدلالة في حالة تشكل مستمر. ويؤكد دريدا أن حركة الدلالة تظل مرتبطة بما ليس حاضراً فيها، وأن ما يبدو حاضراً يحمل آثار ما سبقه وما سيأتي بعده.

ومن هنا فإن المنهج التفكيكي ليس إسقاطاً خارجياً على القصيدة، بل إن القصيدة نفسها تمارس على المستوى الشعري، ما تصفه النظرية التفكيكية على المستوى الفلسفي.

الحرف بوصفه بداية للوجود وبؤرة لتشظي المعنى.تفتتح القصيدة خطابها بفعل الأمر:

" تعالَ

فقد عُمِّدَ الحرفُ

بمكنوننا"

إن البداية بـ" تعال" ليست مجرد دعوة عاطفية، إنها فعل إنشائي يضع الآخر في قلب عملية إنتاج النص. فالآخر لا يأتي بعد اكتمال القصيدة، وإنما تستدعيه القصيدة لكي يبدأ الكلام.

واللافت أن الحرف نفسه يُقدم في صورة ذات طابع طقوسي:

" عُمِّدَ الحرفُ"

فالحرف لم يعد وحدة لغوية محايدة، بل أصبح كياناً يخضع لفعل " التعميد" أي ينتقل من مستوى العلامة اللغوية إلى مستوى شبه مقدس. غير أن هذا التقديس لا يؤدي إلى تثبيت المعنى، بل إلى فتحه:

" واستحالَ المجازُ

معتَكَفاً"

فالمجاز ليس زينة بلاغية، وإنما مكان إقامة. وهذه النقلة مهمة: حين يصبح المجاز " معتكفاً"، تتحول اللغة من أداة نقل للمعنى إلى فضاء يسكنه المعنى ويظل قابلاً لإعادة التأويل.

وهنا يمكن الاستفادة من بول ريكور، الذي رفض اختزال المجاز في وظيفة زخرفية، وربط الخطاب الشعري بقدرة المجاز على فتح أفق دلالي جديد، فالشعر في تصوره، لا يقتصر على الوظيفة الانفعالية، وإنما يمتلك وظيفة استكشافية/استدلالية تكشف إمكانات جديدة للعالم. وعليه فإن"المجاز" في القصيدة ليس انتقالاً من معنى إلى معنى آخر فحسب، بل هو آلية لإنتاج عالم دلالي جديد...

الصمت والبياض: حضور الغياب

من أكثر المفاتيح الدلالية تكراراً في النص:

" تعالَ نُقشِّرُ عنّا رداءَ الصمت"

ثم:

" لنُحصيَ أوجاعَ

هذا البياضِ"

هنا يتحول الصمت إلى " رداء" والبياض إلى شيء قابل لأن تكون له " أوجاع" .

وهذا التحويل الاستعاري بالغ الأهمية، لأن الشاعرة لا تتعامل مع الغياب باعتباره فراغاً سلبياً. الصمت له قشرة، والبياض له ألم، والغياب له أثر:

" ونبضي نزيفٌ يُظهر

جحودَ الغياب"

إذن الغياب لا يعني انعدام الحضور، بل ينتج أثراً داخل الذات.

وهذه إحدى أكثر النقاط التي تسمح بالقراءة التفكيكية: الحضور لا يكون حضوراً خالصاً، لأنه يحمل في داخله أثر الغياب، والغياب ليس غياباً محضاً، لأنه يترك أثراً محسوساً في النبض واللغة.بهذا المعنى، لا تعمل القصيدة وفق ثنائية بسيطة:(حضور، غياب )بل تجعل كل طرف مشروطاً بالآخر.فالغياب هو الذي يكشف النزيف، والنزيف هو الذي يجعل الغائب حاضراً في الجسد." أنا اللغة": تحول الذات من موضوع إلى بنية دلالية . تصل القصيدة إلى واحدة من أهم عتباتها:

" أنا اللغةُ الآنَ

أبسطُ كُلّي صراطاً إليك"

 هذه العبارة تستحق الوقوف طويلاً عندها.فالذات لا تقول:

" أصفك باللغة"، ولا " أكتب إليك باللغة" بل تقول: " أنا اللغة الآن" . وهنا يحدث انتقال من ذات تتكلم باللغة إلى ذات تتماهى مع اللغة. وهذا يزعزع مفهوم الذات بوصفها مصدراً مستقلاً للقول.فالـ" أنا" هنا لا تسبق اللغة، وإنما تتكون من خلالها. وهذا ينسجم مع التصور الحداثي للذات النصية الذي يجعل " الأنا" أثراً من آثار التلفظ، لا جوهراً سابقاً عليه. وفي هذا السياق يكتسب قول رولان بارت أهمية، إذ يميز بين الشخص التاريخي وبين الذات التي تظهر داخل فعل التلفظ، مؤكداً أن اللغة لا تقدم لنا الشخص بوصفه جوهراً مكتفياً بذاته، وإنما تنتج " ذاتاً" داخل عملية القول. وهذا بالضبط ما يحدث في القصيدة: الذات، اللغة، الآخر. لا توجد " أنا" مكتملة خارج هذا التفاعل. الآخر بوصفه " معنى عصياً" من أكثر المقاطع كثافة:

 " أُريدُكَ معنىً عصيّاً

يُراودُ سكوني

فيُنبتُ شكّاً ويُحيي يقيناً"

هنا تتحرر علاقة الذات بالآخر من نموذج الامتلاك. فهي لا تقول: أريدك معنى واضحاً، أو يقيناً نهائياً، وإنما:

" معنى عصياً" أي أن قيمة الآخر تكمن في عدم اكتماله.

و الأكثر دلالة أن هذا المعنى " العصي" لا يمنح يقيناً فقط، بل:

" يُنبت شكاً ويحيي يقيناً" فتنشأ علاقة جدلية بين الشك واليقين.والقصيدة لا تختار أحدهما، وإنما تجعل كل واحد منهما شرطاً للآخر. وهذا يرفض فكرة المعنى النهائي. فالمعنى لا يصل إلى نهايته، إنه يتحرك بين قطبين. ومن هنا يصبح "الآخر" في النص بنية لتوليد الدلالة أكثر منه شخصية أو موضوعاً غزلياً...

تفكيك الهوية:

 تبلغ القصيدة مستوى أكثر تعقيداً في قولها:

" أنا الظلُّ الذي فارقَ

جسدَه"

إنها صورة تقوم على قلب العلاقة التقليدية بين الأصل والتابع.

فالظل عادة تابع للجسد، ولا وجود له مستقلاً عنه. لكن النص يقول:" فارق جسده" فتنفصل العلامة عن أصلها المفترض.وهنا يمكن قراءة " الظل" بوصفه استعارة للهوية نفسها: هوية لم تعد نسخة من أصل، بل أصبحت كياناً مستقلاً يعيد تعريف الأصل. ثم يأتي:

" أنا المغايرةُ التي لا تجيدُ التمثيلَ" فتتضح الاستراتيجية أكثر. المغايرة لا تعني هنا مجرد الاختلاف، بل رفض " التمثيل"، أي رفض أن تكون الذات نسخة من نموذج سابق.

ومن ثم: " بخروجٍ عن زيفِ التوازن"

فالقصيدة لا تبحث عن توازن مصطنع، وإنما عن الاختلاف المنتج....

 تفكيك الاختزال الجندري

المقطع:

" ولا تختصرني بأُنثى

فإنّي كونٌ من الوجد

لا يستريحُ"

يمثل انتقالاً من الهوية الجزئية إلى الهوية الكونية. فالفعل: "تختصرني" هو الفعل الدال مركزياً هنا. فالقصيدة تقاوم الاختزال: اختزال المرأة في " أنثى"، واختزال الذات في هوية واحدة، واختزال التجربة في علاقة غزلية. وبذلك تتحول الأنوثة من هوية نهائية إلى موقع مقاومة للتصنيف.

لا تقول الذات: " لست أنثى"، بل تقول: لا تختصرني في هذه العلامة. وهذا فرق مهم جداً نقدياً. إنها لا تلغي العلامة، وإنما تفكك احتكارها للدلالة...

" الكاف" و" كن": تفكيك العلامة في أعمق مستوياتها

هذا هو المحور الأكثر جرأة في القصيدة:

" يَغيبُ به (الكافُ)

عن (كُنْ)"

هنا لا تعود اللغة أداة للتعبير عن فكرة فلسفية، تصبح موضوعاً للتفكير الفلسفي نفسه. فالقصيدة تدخل إلى الكلمة وتفككها إلى مكوناتها." كن" تحضر بوصفها علامة على الخلق، والكاف بوصفها حرفاً من بنيتها.

لكن النص يقول:

" يغيب به الكاف عن كن''

فتنشأ فجوة داخل العلامة. هذه الفجوة ليست مجرد لعبة لغوية، إنها تتصل ببنية القصيدة كلها:

الوجود / الغياب، الحضور / الأثر،  المعنى / ما وراء المعنى،

الوحدة / الشتات. فالخلق نفسه يصبح مشروطاً بالفجوة. و

هنا يصبح استدعاء دريدا شديد الصلة، إذ يربط مفهوم الاختلاف "différance" بعملية اختلاف وتأجيل تجعل الدلالة لا تستقر في حضور مكتمل، بل تتحقق من خلال علاقات الفروق والآثار. وإذا كانت القصيدة تجعل " الكاف" تغيب عن

 " كن"، فهي شعرياً تضع العلامة في حالة فقدان داخلي، أي إنها تجعل الكلمة تحمل إمكانية غياب أحد شروطها...

من الخلق إلى الشتات

تصل القصيدة إلى نهايتها:

" فما نحنُ

إِلَّا الرَّعشَةُ الأُولى

للخلقِ

حين كان اللهُ وحدهُ

وكانَ الشَّتاتُ هو

الرُّؤيا"

هذه ليست خاتمة وصفية، بل خاتمة إعادة تأويل. فالعبارة:

"الرعشة الأولى للخلق" تعيد تعريف الذات والآخر. لم يعودا مجرد عاشق ومعشوق، إنهما يصبحان استعارة للحظة التكوين الأولى. ثم تأتي المفاجأة:

" وكان الشتات هو الرؤيا"

إنها قلب للعلاقة التقليدية بين: الخلق / النظام و: الشتات / الفوضى. فالشتات لا يظهر هنا بوصفه عكس الرؤيا، وإنما بوصفه الرؤيا نفسها. وهذا يجعل الخاتمة تعيد قراءة كل ما سبق: الحرف، المجاز، الصمت، الظل، المغايرة، الكاف، كن، كلها كانت تحركات داخل فضاء لم يتشكل نهائياً. إن "الهيولى" في العنوان تصبح هنا ذات وظيفة تأويلية: المادة الأولى التي لم تدخل بعد في شكل نهائي. ومن ثم فإن القصيدة لا تنتهي بالوصول إلى المعنى، بل تنتهي عند ما قبل اكتمال المعنى...

 البنية العميقة للنص

يمكن تمثيل الحركة الداخلية للقصيدة هكذا:

الحرف، المجاز، الصمت، البياض، الغياب، اللغة، الآخر، المغايرة الظل، الكاف / كن،الخلق، الشتات، لكن هذه ليست حركة خطية. فالقصيدة تعود باستمرار من كل مركز إلى نقيضه:( الحرف، الصمت) (الحضور، الغياب) (الجسد، الظل) (المعنى، العصيان) (اليقين، الشك)

(الأنثى، الكون) (الخلق، الشتات) وهنا تحديداً تتجاوز القصيدة البنية البنيوية المغلقة إلى بنية تفكيكية متحركة...

القيمة السيميائية للعلامات

يمكن قراءة العلامات المركزية في النص وفق شبكة ثلاثية:

الحرف: علامة القول، لكنه يصبح علامة الخلق.

الظل: علامة التبعية في التصور التقليدي، لكنه يتحول إلى علامة استقلال ومغايرة.

البياض: علامة الفراغ ظاهرياً، لكنه يصبح حاملاً للألم.

الغيم: علامة اللاشكل، لكنه يصبح مادة للجسد:

" جسداً يُصاغُ من الغيم"

اللؤلؤ: علامة الجمال، لكنه يخرج من " العري":

" لم يلمس العري إلا

ليلبسه لؤلؤاً من لغات"

وهنا تقوم القصيدة بعملية سيميائية متكررة يمكن تسميتها:

إعادة ترميز العلامة. فالعلامة تدخل النص بدلالة أولى، ثم تخرج منه بدلالة جديدة....

البعد الصوفي والأنطولوجي

لا يصح اختزال النص في الغزل الصوفي، كما لا يصح قراءته بوصفه نصاً صوفياً خالصاً. الأدق أن نقول إن النص يستثمر المعجم الصوفي والميتافيزيقي لإنتاج سؤال شعري عن الوجود واللغة. نجد: " نُونِ الجلال" " العارفين" " آمنتُ فيك" "الغيب"

" الخلق" "الله" " كن" .

لكن هذه المفردات لا تؤدي وظيفة عقائدية تقريرية، إنها تدخل في لعبة شعرية تجعل المطلق نفسه مجالاً للسؤال. ولهذا فإن:

" فكُن لي غيباً"

لا تعني مجرد طلب الغياب، بل تجعل " الغيب'' شرطاً لاستمرار الرغبة والمعنى. إن حضور الآخر لو اكتمل تماماً لانتهت عملية البحث عنه. ومن هنا تتطابق بنية الرغبة مع بنية الدلالة: ما لا يمتلك يستمر في إنتاج المعنى....

التخييل المفهومي وتفكيك مركزية المعنى

تنهض قصيدة " لُجّة الهيولى" على كثافة في التخييل المفهومي؛ إذ تحول المفاهيم المجردة إلى صور وعلامات ذات حمولة فلسفية، كما في: " أنا الظلُّ الذي فارقَ جسدَه"،و "أُريدُكَ معنىً عصيّاً"، و" يغيب به الكافُ عن كُنْ"، و" وكانَ الشَّتاتُ هو الرُّؤيا"، ولا ترد هذه الصور منفصلة، بل تنتظم في شبكة دلالية تتفاعل فيها الهوية والمعنى والحضور والخلق. كما توازن الصورة الشعرية كثافة التجريد، إذ تتجسد المفاهيم في علامات حسية ومجازية: الظل، والنزيف، والبياض، والغيم، واللؤلؤ، والسنا، والرعشة، وبذلك يستبقي النص سؤاله الفلسفي داخل بنيته الشعرية، فلا يتحول إلى خطاب فلسفي مباشر.

ومن منظور تفكيكي، لا يؤسس النص معنى نهائياً بقدر ما يؤجل اكتماله؛ فبين افتتاحه بـ" عُمِّدَ الحرفُ" واختتامه بـ"وكانَ الشَّتاتُ هو الرُّؤيا" يتحرك من الحرف إلى الخلق، ومن اللغة إلى الوجود، ومن الحضور إلى الغياب. وتقوم بنيته على زحزحة مراكزها الدلالية من الداخل: فالحرف لا يغلق المعنى، والمجاز يفتح دلالته، والحضور يحمل أثر الغياب، والظل ينفصل عن الجسد، والذات ترفض اختزالها في الأنوثة، واليقين يستدعي الشك، فيما تعاد مساءلة " كُنْ" على مستوى العلامة ذاتها. وهكذا يغدو الشتات في الخاتمة ليس نقيضاً للرؤيا، بل شرطاً من شروط تشكلها.

وعليه، تجعل " لُجّة الهيولى" من اللغة مختبراً أنطولوجياً لتفكيك مركزية الحضور، فالمعنى لا يتأسس فيها على الاكتمال، وإنما يتولد من الفجوة والأثر والاختلاف وتأجيل الوصول. وتتمثل القيمة الفنية والفكرية للنص في أن هذه الحركة لا تقدم بوصفها فكرة خارجية، بل تتجسد في بنيته التخيلية نفسها، بحيث يصبح المعنى فعلاً متجدداً لا نتيجة نهائية...

وعليه، تكشف " لُجّة الهيولى" عن شعرية حداثية تجعل اللغة فضاءً لتوليد المعنى وزحزحة مراكزه، حيث يتجاور الحضور والغياب، والتشكل والتشظي، دون استقرار دلالي نهائي. وبذلك تتحول القصيدة من التعبير عن التجربة إلى مساءلة شروط الوجود داخل اللغة، ليغدو "الشتات" فيها لا خاتمة للمعنى، بل لحظة أولى لتكونه....

***

دراسة نقدية من إنجاز فاطمة عبد الله

.......................

لُجَّةُ الهيولى

تعالَ

فقد عُمِّد الحرفُ

بمكنُوننا

واستحالَ المجازُ

 مُعتكَفاً

تعالَ نُقشِّرُ عنَّا رداءَ

 الصمْت

لندخُلَ في بهوِ (نُونِ)

الجلالِ

فلا قصدَ يعلو

ولا انحنى عزمٌ لتذوي

جمرةٌ

في لُجّةِ المعنى وما

وراءَ القافية

تعالَ لنُحصيَ أوجاعَ

هذا البياضِ

فصدري كتابٌ

ونبضي نزيفٌ يُظهِر

جُحودَ الغِياب

أنا اللغةُ الآنَ

أبسطُ كُلّي صراطاً إليك

فَمُت فيَّ شوقاً لِتحيا

 بي

ما كانَ هذا البهاءُ ليُبصِرَ

 لولاكَ

نُوراً تجلّى ليسجُدَ

بينَ يديكْ

أُريدُكَ معنىً عصيّاً

يُراودُ سكوني..

فيُنبتُ شكّاً ويُحيي

يقيناً

ويَسقي الصخَب

الذي في كياني

نبيذاً تقطَّرَ مِن مُقلتيكْ

أنا الظِّلُّ الذي فارقَ

جسدَه

وإيقاعُ خَلق تمرَّده

أنا المغايرةُ التي لا

تجيدُ التمثيلَ

بخُروج عن زيفِ التوازن

كي أَمشيَ خارجَ إيقاعِ

 حبالهم

فلا تَقترب برُؤى

 العابِرينَ

ولا تَختصرني بأُنثى

فإنِّي كونٌ منَ الوجد

لا يستريحُ

وأنت القُطبُ الذي

شَفَّ

حتَّى تماهى مع

العارفين

تعالَ بلا مطلبٍ

 أو مآربَ طينٍ

فإنّي كفرتُ بكلِّ

 الوُجوهِ

وآمنتُ فيك

لنكتملَ الآن كَوناً نقيّاً

يَغيبُ به (الكَافُ)

عن (كُنْ)

فنغدو غرقاً

يَضيقُ به المحيطُ

بل يلُمُّكْ

خُذِ الحرفَ منِّي

جَسداً يُصاغُ منَ

الغيمِ

لم يَلمس العُري إلا

ليُلبسهُ لؤلؤاً من لُغاتْ

أنا غايةُ الانطفاءِ

وأنت السَّنَا

فما نحنُ إلا اصطدامُ

 القصيدةِ بالرُّوحِ

فكُن لي غيباً

كي أُعيدَ للَّهِ مَعناهُ

في حُطامكَ

فما نحنُ

إِلَّا الرَّعشَةُ الأُولى

 للخلقِ

حين كان اللهُ وحدهُ

وكان الشَّتاتُ هو

الرُّؤيا!

***

الشاعرة مرشدة جاويش

في المثقف اليوم