عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

عماد خالد رحمة: قصيدة النثر والشعر الحر

حين تتحرر القصيدة من القيد ولا تتحرر من القانون

لم يكن التحول الذي شهدته القصيدة العربية الحديثة خروجًا عابرًا من نظام القصيدة العمودية إلى فضاء أكثر رحابة، بل كان انقلابًا عميقًا في مفهوم الشعر نفسه، وفي علاقته باللغة والإيقاع والصورة والذات والعالم. فحين بدأت القصيدة العربية تتلمّس طريقها نحو التفعيلة وقصيدة النثر، لم تكن تبحث عن فوضى بديلة، وإنما كانت تبحث عن نظام جديد يليق بتحولات الإنسان العربي، وبالقلق الذي أخذ يتسلل إلى بنية الوعي الحديث.

ومن هنا تكتسب عبارة نازك الملائكة دلالتها النقدية الحاسمة: «الشعر الحر ليس دعوة إلى الفوضى، بل له قواعده وأصوله التي ينبغي أن تُحترم». فهذه العبارة لا تنتمي إلى زمنها فحسب، بل ما تزال تصلح معيارًا لمساءلة كثير من الكتابات التي تتوسل باسم الحداثة لتبرير غياب الشعر عن النص، أو لتجعل من التحرر من الوزن تحررًا من كل مقتضيات الفن.

إن القضية، في جوهرها، ليست في أن تكون القصيدة موزونة أو غير موزونة، مقفاة أو غير مقفاة؛ وإنما في أن تمتلك شعريتها. فالقصيدة لا تصبح شعرًا لأنها كسرت البيت، كما أنها لا تصبح شعرًا لأنها التزمت الوزن؛ الشعرية أعمق من الشكل، وأشد مراوغة من القاعدة، لأنها ذلك التوتر الخفي الذي يجعل اللغة تتجاوز وظيفتها الإخبارية المباشرة لتغدو كشفًا وإيحاءً وإيقاعًا وصورةً ورؤيا.

الشعر الحر: تحرير الإيقاع لا إلغاء الإيقاع:

حين ظهرت قصيدة التفعيلة في صورتها الحديثة، كان من أهم من نظّر لها ومارسها نازك الملائكة، إلى جانب شعراء مثل بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي وغيرهم. ولم يكن المقصود بـ«الشعر الحر» إلغاء الوزن العربي، وإنما إعادة تنظيمه على أساس التفعيلة، بحيث لا يعود البيت وحدة القصيدة الوحيدة، ولا تصبح القافية قيدًا لازمًا في كل سطر.

لقد انتقل الإيقاع من صرامة البيت إلى مرونة السطر الشعري، ومن التكرار الميكانيكي إلى التشكيل الموسيقي المتعدد. فالتفعيلة تظل حاضرة، ولكنها تتوزع داخل السطر بحسب مقتضى التجربة والانفعال. وقد يطول السطر أو يقصر، وقد تتعدد التفعيلات أو تقل، غير أن ذلك كله لا يعني غياب النظام، بل يعني وجود نظام آخر.

وهنا ينبغي التمييز بدقة بين الشعر الحر والشعر المنثور وقصيدة النثر. فالشعر الحر، في اصطلاح مدرسة الريادة، يقوم على أساس التفعيلة، بينما قصيدة النثر تنطلق من تصور آخر للإيقاع والبناء الشعري. أما الخلط بين المصطلحات فقد أدى، في كثير من الممارسات، إلى تحويل الحداثة الشعرية إلى منطقة سائبة لا معيار لها.

الشعر الحر إذن ليس قصيدة عمودية مشوهة، وليس نثرًا مقطعًا إلى أسطر؛ إنه بنية إيقاعية جديدة، لها منطقها الداخلي، وتحتاج إلى حس موسيقي قادر على إدراك حركة التفعيلة، وتوتر السطر، ومواقع الوقف، والتكرار، والتدوير، والتوازي.

قصيدة النثر: حين ينتقل الوزن من الخارج إلى الداخل:

أما قصيدة النثر فقد جاءت بقطيعة أكثر جرأة مع النموذج العروضي التقليدي. فهي لا تجعل الوزن الخليلي شرطًا لوجود الشعر، ولا تعتمد التفعيلة بوصفها وحدتها الإيقاعية الأساسية، وإنما تبحث عن شعرية أخرى تتأسس على الإيقاع الداخلي، والتكثيف، والصورة، والمفارقة، والانزياح، ووحدة النسيج، وفاعلية اللغة.

وقد رسخت قصيدة النثر حضورها العربي من خلال تجارب شعرية ونقدية متعددة، وخصوصًا في سياق مجلة «شعر» في بيروت، مع أسماء مثل أدونيس وأنسي الحاج ومحمد الماغوط، فضلًا عن تجارب عربية أخرى أسهمت في توسيع أفقها.

غير أن تحرير القصيدة من الوزن لا يعني تحريرها من الشعر. وهذه هي النقطة التي كثيرًا ما تُغفل.

فإذا كان الوزن الخارجي قد غاب، وجب أن يحضر ما يعادله أو يعوضه من داخل النص. ولذلك يمكن القول إن قصيدة النثر لا تُعفى من الموسيقى، وإنما تستبدل موسيقى العَروض بموسيقى اللغة؛ ولا تتخلى عن الإيقاع، وإنما تعيد اكتشافه في التكرار، والتنغيم، وتجاور الأصوات، وتواتر الصور، وتوزيع الجمل، وانقطاعات المعنى، والصمت بين الكلمات.

إن قصيدة النثر الناجحة لا تُسمع بأذن العروض وحدها، وإنما تُسمع أيضًا بأذن الروح.

الحرية الشعرية ليست غيابًا للحدود:

أخطر ما واجه قصيدة النثر، وربما الشعر الحر أيضًا، هو سوء فهم مفهوم الحرية.

فالحرية الفنية لا تعني أن يفعل الشاعر ما يشاء باللغة، وإنما أن يعرف لماذا يفعل ما يفعل. إن كسر الجملة ينبغي أن يكون له مبرره الجمالي، والانقطاع ينبغي أن يخلق دلالة، والبياض ينبغي أن يؤدي وظيفة، والصورة ينبغي أن تتجاوز الزينة البلاغية إلى إنتاج المعنى.

الفوضى ليست حرية؛ إنها عجز عن بناء النظام

والنص الذي لا تحكمه ضرورة داخلية يتحول إلى تراكم من الجمل الجميلة، والجمل الجميلة وحدها لا تصنع قصيدة. قد يكون في النص استعارات كثيرة، وصور مدهشة، ومفردات نادرة، لكنه يظل نثرًا أدبيًا إذا لم تنتظم عناصره في بنية شعرية قادرة على خلق أثر يتجاوز المعنى المباشر.

الشاعر الحقيقي لا يكتب خارج القوانين، بل يكتشف قانون قصيدته الخاص.

ولهذا فإن كل قصيدة عظيمة، مهما بدت حرة، تحمل في داخلها نظامًا خفيًا. وقد يكون هذا النظام عروضيًا، أو إيقاعيًا، أو دلاليًا، أو صوتيًا، أو تصويريًا، لكنه موجود بالضرورة؛ لأن الفن، في جوهره، تحويل للفوضى الخام إلى شكل قابل للتلقي والتأويل.

بين البيت والسطر والكتلة الشعرية:

لقد أعادت الحداثة الشعرية النظر في وحدة القصيدة. ففي الشعر العمودي كان البيت وحدة إيقاعية ودلالية شبه مستقلة، بينما جعلت قصيدة التفعيلة من السطر الشعري وحدة أكثر مرونة، ثم جاءت قصيدة النثر لتمنح الجملة والفقرة والكتلة الشعرية وظائف جديدة.

وهنا لم تعد القصيدة مجرد سلسلة من الأبيات أو الأسطر، بل صارت كائنًا لغويًا متكاملًا، تتفاعل فيه الأصوات والصور والدلالات والحركة البصرية.

ولهذا فإن تقطيع النص النثري إلى أسطر قصيرة لا يجعله قصيدة نثر. فالأسطر ليست هي الشعر، كما أن البياض ليس هو الشعر. إنهما وسائل تنظيمية لا تكتسب قيمتها إلا من ضرورة جمالية تحكم استخدامها.

ومن ثم يمكن القول إن السؤال الحقيقي ليس: «هل هذا النص موزون؟»، بل: «ما الذي يجعل هذا النص شعريًا؟»

وهذا السؤال ينقل النقد من مراقبة الشكل الخارجي إلى البحث عن الطاقة الداخلية للنص.

الشعرية بين اللغة والرؤيا:

الشعر في جوهره ليس كلامًا موزونًا فحسب، ولا كلامًا جميلًا فحسب؛ إنه طريقة أخرى في رؤية العالم.

والشاعر لا يكتفي بأن يقول إن الليل مظلم، بل يعيد تشكيل الليل بحيث يصبح علامة على العزلة أو الموت أو الانتظار أو المنفى. ولا يصف المطر بوصفه ظاهرة طبيعية فحسب، بل قد يحوله إلى ذاكرة أو غياب أو خلاص.

هنا تتجلى وظيفة الانزياح الشعري: أن تنقل اللغة الأشياء من مألوفها إلى احتمالات جديدة.

لكن الانزياح إذا تحول إلى غموض مجاني فقد يفقد قيمته. فالغموض الشعري ليس إغلاقًا للمعنى، وإنما توسيع له. القصيدة الجيدة لا تعطي قارئها معنى واحدًا جاهزًا، لكنها لا تتركه أيضًا في صحراء من الكلمات المتجاورة بلا روابط.

الشعر العظيم يفتح باب التأويل، لكنه لا يهدم البيت الذي يقف فيه التأويل.

نازك الملائكة ومسؤولية الحداثة:

تظل نازك الملائكة واحدة من أهم الأصوات التي أدركت مبكرًا أن التجديد لا يكتسب شرعيته بمجرد التمرد على القديم. لقد كانت حداثتها واعية بأصولها، ولذلك دافعت عن الشعر الحر بوصفه نظامًا جديدًا، لا بوصفه سقوطًا للنظام.

وهذه الرؤية تكشف مفارقة عميقة في تاريخ الحداثة: أن أكثر التجارب تجديدًا قد تكون أكثرها وعيًا بالمسؤولية الفنية.

فالشاعر الذي يعرف القاعدة يستطيع أن يخالفها بوعي، أما الذي يجهلها فقد يظن عجزه عن الالتزام بها ثورة عليها.

وليس المقصود هنا إعادة الشعر إلى سلطة القوالب القديمة، ولا مصادرة حق التجريب، وإنما الدفاع عن مبدأ جوهري: لا إبداع بلا معرفة، ولا حداثة بلا وعي، ولا حرية فنية بلا مسؤولية جمالية.

الشعر الحر وقصيدة النثر: اختلاف الطريق ووحدة الغاية:

قد تختلف قصيدة التفعيلة عن قصيدة النثر في أدوات البناء، لكنها تلتقي معها في البحث عن شكل أكثر قدرة على التعبير عن الإنسان الحديث.

الشعر الحر حرر القصيدة من وحدة البيت والقافية الموحدة، لكنه أبقى على جوهر الإيقاع العروضي.

أما قصيدة النثر فقد ذهبت أبعد في مساءلة مفهوم الوزن نفسه، واستبدلت بالإيقاع الخارجي شبكة من العلاقات الداخلية التي تمنح النص تماسكه وشعريته.

وفي الحالتين، تظل الغاية واحدة: أن تصبح اللغة أكثر قدرة على حمل التجربة الإنسانية.

فليست قيمة القصيدة في مقدار ما تخالف به التراث، ولا في مقدار ما تلتزم به، وإنما في مقدار ما تستطيع أن تضيفه إلى اللغة والوعي والخيال.

 ليست القضية أن نكسر القيد، بل أن نعرف لماذا:

إن مستقبل الشعر لا يتحدد بالعودة إلى العمود، ولا بالانتصار للتفعيلة، ولا بإعلان قصيدة النثر ملكًا نهائيًا للمشهد الشعري. فالشعر أكبر من الأشكال التي يتخذها، وأبقى من المعارك التي تنشأ حولها.

المشكلة ليست في الوزن، ولا في غيابه؛ المشكلة في غياب الشعر

قد يكون النص موزونًا ولا يكون شعرًا، وقد يكون نثريًا ولا يكون إلا نثرًا، وقد تكون قصيدة النثر بلا تفعيلة ومع ذلك تبلغ من الموسيقى والشعرية ما لا تبلغه قصائد موزونة.

إن القصيدة الحقيقية هي التي تمتلك ضرورة وجودها؛ التي لا يمكن أن تُكتب إلا بالطريقة التي كُتبت بها. وحين يصبح حذف كلمة منها إخلالًا بإيقاعها، أو تغيير صورة منها انتهاكًا لبنيتها، نكون أمام نص امتلك شروطه الجمالية الخاصة.

لهذا تبقى عبارة نازك الملائكة درسًا يتجاوز الشعر الحر إلى مفهوم الإبداع كله: الحرية ليست نقيض النظام، بل أرقى أشكاله حين تنبع من وعيٍ به.

فالشاعر لا يتحرر حين يهدم كل القواعد، وإنما حين يعرف القواعد، ثم يمتلك من الوعي والموهبة ما يسمح له بأن يصنع من داخلها، أو من خارج بعضها، قانونًا جماليًا جديدًا.

وهكذا، فإن قصيدة النثر ليست قصيدة بلا قواعد، كما أن الشعر الحر ليس شعرًا بلا وزن؛ كلاهما بحث عن نظام آخر، عن موسيقى أخرى، وعن طريقة جديدة تجعل اللغة قادرة على أن تقول ما عجزت الأشكال القديمة عن قوله.

وفي النهاية، لا يبقى من القصيدة شكلها وحده، ولا وزنها وحده، ولا نثرها وحده؛ يبقى أثرها: ذلك الوميض الذي تتركه في الذاكرة، وذلك السؤال الذي توقظه في الروح، وذلك القدر من الجمال الذي يجعل اللغة، ولو للحظة، أكثر اتساعًا من الحياة.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

في المثقف اليوم