للشاعر الفراتي الدكتور بسام الشيخ عطيّة
بسام الشيخ عطية، شاعر من ديرالزور.. طبيب صدرية.. يكتب الشعر هواية منذ صغره.. شارك في العديد من الأمسيات الشعريّة في مديرية ثقافة واتحاد كتاب ديرالزور.. امتاز شعره بالرقة والشفافيّة، وحمل مشاعر الحب الذي يصل أحياناً إلى درجة النسيب بالحبيب.
البنية السرديّة أو الحكائيّة للقصيدة:
عندما يلامس الأدب قضايا الناس الحياتيّة بِعُجْرِها وبُجْرِها، فهذا يعني أن هناك أديباً يحمل رسالة إنسانيّة وظف نفسه من أجلها، فراح يسلط الضوء عليها بغية إظهارها على السطح، وإرشاد المتلقي إلى سلبها وإيجابها، وجعلها في المحصلة ظاهرة تحرك عقل وخوالج النفس والروح عند المتلقي ذاته، لا بد من حلها إذا كانت سلبيّة، أو العمل على تعميقها إن كانت إيجابيّة.
في قصيدة الشاعر الفراتي "بسام الشيخ عطيّة"، (في مساءات المدينة). نجد أنفسنا أمام شاعر شغله الهم الإنساني عموم، بل وهموم وطنه بشكل خاص، وبخاصة تلك التناقضات الطبقيّة التي أصبحت فاقعة الحضور، والتي أخذ يسلط عليها الضوء ليكشف لنا كيف يعيش فقراء وأغنياء الوطن اليوم. ففي الوقت الذي تتحول فيه ليالي الأغنياء إلى نهارات يمارس فيها اللهو، حيث (يرقص البعض بخبث وتدور الأغنيات). نرى في الضفة الأخرى من المجتمع، وفي وسط النهار كيف (يصرخ الأطفال جوعا.. ويركض الآباء بحثاً عن طعام حتى في بطون الحاويات لعلهم يجدون بعض فضلات وفتات المتخمون قوتاً لأطفالهم الجوعى.
يقول الشاعر "العطيّة": في مساءات المدينة غابت أضواء القناديل فحلت العتمة في عالم الفقراء، ومع ذلك يجبر الفقر على الركض حفاة بحثاً عن لقمة عيش لأطفالهم الجوعى الذين ينامون عراة غير مبالين ببرد الأمسيات، رغم كثرة الملابس في وجهات المحلات إلا أنها ليست لهم.
في مساءات المدينة.. (لا ينام المتعبون الجائعون.. بل يسهرون ويصلون ويتعبدون... ومع أطفالهم يلعبون) أما المتخمون فيسهرون أيضاً ولكن سهرهم للترف واللهو، وهذا ما جعل الشاعر "العطبّة" يتساءل: ترى هل الأغنياء المتخمون يحسون بظلم وقهر وفقر وجوع المحرومين أم سيبقون في غيهم سادرون.
البنية الفكريّة للقصيدة:
عندما تغيب العدالة في أي مجتمع من المجتمعات، فهذا يعني أن هناك من يعمل على إفساد المجتمع، وعندما يفسد المجتمع يطفوا على السطح الفاسدون بالضرورة، إن كانوا في السياسة أو المجتمع أو الاقتصاد أو الثقافة والفن.. وغير ذلك من مفردات البنى الطبقية للمجتمع. وأهم وأبرز تجليات الفساد هو انتشار الفقر وما يرافقه من تفاوت طبقي بين قلة تملك وكثرة لا تملك. وهنا تتجلى أيضا مظاهر الفقر والغنى كما وصفها الشاعر "بسام الشيخ عطيّة". والأهم من كل ذلك يصبح الدين تجارة لدى الأغنياء، وحاجة ووسيلة للصبر على المعاناة عند الفقراء.
البنية السيمائيّة للعنوان:
يأتي عنوان القصيدة (في مساءات المدينة)، متفقاً تماماً مع البنية السرديّة والفكريّة للقصيدة، ففي المساء تحل الظلمة، ومع حلولها تغيب الملامح الحقيقة لطبيعة ما يمارسه الناس في مفردات حياتهم، إلا أن المتتبع لكيفيّة عيش تلك المفردات في حياة المدينة يكتشف خفاياها، وهذا الشاعر "العطيّة" أحد الذين استطاعوا كشفها وتعرية مفردات أبطالها في قصيدته، مسلطاً الضوء على تلك التناقضات الرهيبة ما بين حياة الفقراء والمترفين. فجاء توصيفه في غاية الدقة والمعقوليّة، الأمر الذي فرض علينا تساؤلات كثيرة ترى ما هي أسباب هذه المفارقات والتناقضات الطبقيّة؟.. ومن هي القوى السياسيّة أو المجتمعيّة التي تكمن وراء قيامها؟، ثم لماذا السكوت عنها وكيفيّة تجاوزها لتحقيق العدل والمساواة ودولة القانون في الدولة والمجتمع. الخ.
البنية الفنيّة في القصيدة:
الصورة في القصيدة:
على الرغم من أهميّة الصورة في العمل الأدبي بشكل عام والشعر بشكل خاص، إن كانت الصورة واقعيّة مباشرة أم تخيليّة، إلا أننا نجد أن الصورة إلى حد كبير قد غابت عن بنية القصيدة عند الشاعر "العطيّة". وربما غيابها جاء بسبب سيطرة مأساة التفاوت الطبقي الحاد في المجتمع، وما تركه من آلام وقهر وجوع عند الفقراء، مقابل حياة الترف عند الأغنياء.. الأمر الذي فرض على الشاعر أن يقوم بتوصيف حالات التناقص تلك أكثر من تصويرها، فجاء توصيفه هنا واقعيّا ومدهشا للمتلقي معا.
(في مساءات المدينة... يصبح الليل نهارا في عقول الأغنياء
يرقص البعض بخبث وتدور الأغنيات...).. أما في الضفة الأخرى من بنية المجتمع يرى الشاعر حياة أخرى يقوم بتوصيفها: (يصرخ الأطفال جوعا.. يركض الآباء بحثاً عن طعام في بطون الحاويات عن بقايا ما رماه المتخمون من طعام وفتات.).
اللغة في القصيدة:
جاءت اللغة بسيطة غير متكلفة وشفافة وصادقة، وكذلك جاءت التراكيب والجمل على غاية من الدقة والقدرة في توصيف حالات التناقض في المجتمع.. الأمر الذي جعل المتلقي يعيش حالات التناقضات الفاقعة في البنية الطبقيّة التي سلط عليه الشاعر مبضعه. حيث يقول: (في مساءات المدينة لا قناديل تنير الليل فيها... رغم أحجار الدروب يركض الناس حفاة وينامون عراة)... ويقول أيضاً: (في مساءات المدينة لا ينام المتعبون الجائعون...يسهرون ويصلون ويتعبدون.. ومع أطفالهم يلعبون..ترى هل الأغنياء المتخمون يفعلون.. أم في غيهم سادرون.).
الموسيقى في القصيدة:
تقع القصيدة في باب شعر التفعيلة (فاعلاتن).. وهذا ما يمنحها رتماً موسيقيّا واضحاً تغنيه شفافيّة اللغة في القصيدة والصياغة الابداعيّة لمفرداتها وتراكيبها، حيث مكنت الشاعر من خلق رتم موسيقي في بنيتها السرديّة نجده عند قراءتنا للقصيدة التي تركنا منطق سردها العقلاني المفعم بالمصداقيّة نلهث وراء دلالات أفكارها دون انقطاع لما تحمله من قهر وبؤس وجوع وحرمان.
يقول الشاعر: (في مساءات المدينة
لا قناديل تنير الليل فيها
رغم أحجار الدروب
يركض الناس حفاة
وينامون عراة
رغم برد الأمسيات
اللباس الحلو ملؤ
الواجهات..).
***
كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا.
...........................
في مساءات المدينة
يصبح الليل نهارا في عقول الأغنياء
يرقص البعض بخبث
وتدور الأغنيات
يصرخ الأطفال جوعا
يركض الآباء بحثاً
عن طعام في بطون الحاويات
عن بقايا ما رماه
المتخمون من طعام وفتات
في مساءات المدينة
لا قناديل تنير الليل فيها
رغم أحجار الدروب
يركض الناس حفاة
وينامون عراة
رغم برد الأمسيات
اللباس الحلو ملؤ
الواجهات
في مساءات المدينة
لا ينام المتعبون الجائعون
يسهرون ويصلون ويتعبدون
ومع أطفالهم يلعبون
ترى هل الأغنياء
المتخمون
يفعلون
أم في غيهم سادرون.
***
بسام الشيخ عطية








