عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

عماد خالد رحمة: التبئير في الشعر الحديث

هندسةُ الرؤية وتحوّلُ الذات من القول إلى النظر

لم يعد الشعر الحديث مجرد كلامٍ موزون أو نثرٍ شعري، ولا مجرد انفعالٍ يفيض من ذات الشاعر إلى قارئه، بل أصبح، في أحد أعمق تحولاته الجمالية، طريقةً في رؤية العالم وإعادة تشكيله. فالقصيدة لا تسأل فقط: ماذا يقول الشاعر؟ وإنما تذهب إلى سؤال أكثر خفاءً وعمقاً: من الذي يرى؟ ومن أي موضع يرى؟ وما الذي يختار النص أن يكشفه، وما الذي يتعمد حجبه؟

من هنا يبرز مفهوم التبئير بوصفه إحدى الأدوات النقدية التي تكشف هندسة الرؤية في النص الشعري؛ فهو لا يعني مجرد وجهة النظر، وإنما يدل على مركز الوعي الذي تمر عبره الأشياء والأحداث والانفعالات، وعلى المسافة التي يقيمها النص بين الرائي والمرئي.

وقد ارتبط مفهوم التبئير، في النقد السردي الحديث، بتمييز جيرار جينيت بين الصوت والرؤية: فمن يتكلم ليس بالضرورة هو نفسه من يرى. وهذه التفرقة، وإن نشأت في حقل السرد، تفتح في الشعر الحديث أفقًا بالغ الخصوبة؛ لأن القصيدة المعاصرة كثيرًا ما تفصل بين ذات الشاعر التاريخية وذات المتكلم الشعري، وتستبدل الصوت الواحد بشبكة من الأصوات ومراكز الوعي.

التبئير: حين تصبح القصيدة عيناً:

في الشعر التقليدي كان المتكلم غالباً مركزاً مستقراً للرؤية؛ يقول، ويصف، ويحكم، ويستدعي العالم من موقع يبدو واضحاً. أما الشعر الحديث فقد فكك هذه المركزية، وأصبح العالم الشعري قابلًا لأن يُرى من داخل الذات، أو من خارجها، أو من خلال ذاكرة، أو مكان، أو شخصية، أو أسطورة.

وهكذا لم تعد القصيدة نافذةً يطل منها الشاعر على العالم فقط، بل أصبحت مرآةً تتعدد فيها العيون.

والتبئير، بهذا المعنى، هو هندسة العلاقة بين:

الرائي، والمرئي، والمسافة، والزاوية، والوعي، والقارئ.

فحين تتغير زاوية النظر، يتغير الشيء المنظور؛ وحين يتغير مركز الوعي، يتغير المعنى نفسه.

التبئير الداخلي: العالم كما تراه الذات:

يكون التبئير داخليًا حين تمر الأشياء من خلال وعي الذات وانفعالها وذاكرتها.

فالطريق، مثلًا، ليس طريقًا فحسب إذا رأته ذات فقدت عزيزًا؛ والمدينة ليست مدينةً إذا دخلتها ذاكرة المنفى؛ والبحر ليس ماءً إذا صار في الوعي علامةً على الغياب.

في هذا المستوى لا تقول القصيدة:

هذا هو العالم.

بل تقول:

هذا هو العالم كما انعكس في داخلي.

ومن هنا تتداخل الرؤية مع الذاكرة، ويتحول الخارج إلى داخل، والمشهد إلى حالة نفسية.

التبئير الخارجي: حين يتراجع الشاعر:

وقد تتخذ القصيدة موقعًا خارجيًا، فتصف الإنسان من حركته وهيئته وصمته دون أن تدخل إلى أعماقه.

هنا تصبح الذات الشعرية أشبه بعين تراقب، لا بوعي يفسر.

وهذا النمط يخلق مسافة جمالية بين الشاعر وموضوعه، ويمنح القارئ فرصة المشاركة في إنتاج الدلالة؛ لأن النص لا يقول له ما ينبغي أن يشعر به، بل يضع أمامه العلامات ويترك له مهمة تأويلها.

التبئير وتعدد الأصوات:

من أبرز مظاهر الحداثة الشعرية انهيار مركزية الصوت الواحد.

فالقصيدة الحديثة قد تتكلم بلسان الشاعر، ثم تستدعي صوت الأب، أو الأم، أو الشهيد، أو الغريب، أو المدينة، أو التاريخ، أو الأسطورة.

وقد يصبح صوت الميت حاضرًا أكثر من صوت الحي، أو يتكلم المكان كما لو كان شخصية، أو يتحول التاريخ إلى ذات تستعيد نفسها داخل الحاضر.

وهنا يتحول التبئير إلى تعدد في مراكز الوعي.

وتبرز هذه الظاهرة بوضوح في التجارب الشعرية الكبرى، ومن بينها تجربة محمود درويش؛ إذ كثيرًا ما تتداخل في قصيدته الذات الفردية بالذات الجمعية، والمكان بالتاريخ، والمنفى بالوطن، والحاضر بالذاكرة، بحيث لا يعود الصوت الشعري مجرد «أنا» شخصية، بل يصبح فضاءً تتقاطع فيه ذوات متعددة.

المكان: حين يصبح المرئي رائياً:

لا يشترط التبئير أن يكون الإنسان مركزًا للرؤية.

قد يصبح المكان نفسه بؤرةً شعرية.

فالمدينة قد لا تكون موضوعًا يصفه الشاعر، وإنما تصبح عينًا تنظر إلى سكانها؛ والبيت قد يتحول إلى ذاكرة تراقب الغائب؛ والمنفى قد يصبح مركزًا تُرى منه البلاد لا العكس.

وعند هذه النقطة تنقلب العلاقة بين الرائي والمرئي:

ما كان موضوعًا للرؤية يصبح مصدرًا للرؤية.

وهذا التحول يمنح المكان في الشعر الحديث طاقة رمزية تتجاوز الجغرافيا إلى الوجود والهوية والذاكرة.

الزمن بوصفه بؤرة:

كذلك يمكن أن يكون الزمن نفسه مركزًا للتبئير.

فقد تكتب القصيدة عن الحاضر بعين الماضي، أو تستعيد الماضي من جرح الحاضر، أو تستشرف المستقبل بوصفه احتمالًا للخلاص أو استمرارًا للفاجعة.

وهنا لا يكون الزمن مجرد وعاء للأحداث، وإنما يصبح طريقة في رؤية الحدث.

فالمنفي لا يرى وطنه كما يراه المقيم؛ لأن المسافة الزمنية والجغرافية أعادت تشكيل الصورة في وعيه. والحزين لا يرى الماضي كما يراه السعيد؛ لأن الذاكرة نفسها تتغير بحسب موقع الذات في الحاضر.

ومن ثم:

«لا تتغير الأشياء وحدها بتغير الزمن؛ بل تتغير طريقة رؤيتنا لها.»

التبئير واللغة:

لا يمكن فصل التبئير عن اللغة.

فاللغة ليست وعاءً محايدًا للرؤية؛ إنها التي تحدد زاوية حضور الأشياء.

حين يقول الشاعر:

«المدينة تنام في عينيَّ»

فإنه لا يصف مدينة خارجية، بل ينقلها من فضاء الجغرافيا إلى فضاء الذات. لقد أصبحت العين مكانًا، وأصبح المكان ذاكرة، وتحولت الرؤية إلى إقامة.

وهنا يتداخل التبئير مع الانزياح والاستعارة والتشخيص؛ لأن تغيير طريقة تسمية الأشياء هو في الوقت نفسه تغيير لطريقة رؤيتها.

ولهذا فإن الحداثة الشعرية لا تتمثل في تغيير شكل القصيدة فحسب، بل في تغيير العين التي ترى العالم.

التبئير والقارئ: من المتلقي إلى الشريك

كلما ازداد التبئير تعقيدًا، ازداد دور القارئ.

فالقصيدة الحديثة كثيرًا ما تحذف، وتوحي، وتقطع المشهد، وتنتقل بين الأصوات والأزمنة، وتترك مساحات بيضاء لا يملؤها النص.

وهذه الفراغات ليست نقصًا؛ إنها دعوة إلى القراءة.

فالقارئ لا يتلقى العالم مكتملًا، بل يعيد تركيبه من العلامات المتناثرة.

ومن هنا تتحول القراءة إلى فعل إبداعي:

«الشاعر يبني إمكان الرؤية، والقارئ يحققها بالتأويل.»

التبئير والذات الحديثة:

تكشف دراسة التبئير عن تحول عميق في مفهوم الذات الشعرية.

فالذات الحديثة لم تعد مركزًا صلبًا ومستقرًا، بل أصبحت ذاتًا متشظية، قلقة، متعددة، تعيش بين الذاكرة والحاضر، بين الوطن والمنفى، بين الحقيقة والخيال، وبين ما تعرفه وما تعجز عن قوله.

ولهذا تتعدد في القصيدة مراكز الرؤية بقدر تعدد حالات الذات.

وقد تكون القصيدة في لحظة ما بصوت «أنا»، ثم تنقلب إلى «هو»، ثم إلى «نحن»، دون أن تفقد وحدتها العميقة؛ لأن الوحدة لم تعد في الصوت، وإنما في البنية الخفية للرؤية.

التبئير بوصفه أخلاقًا للرؤية:

لا يخلو التبئير من بعد أخلاقي.

فكل رؤية تتضمن اختيارًا: أن ترى شيئًا يعني أن تضعه في دائرة الانتباه، وأن تحجب شيئًا يعني أن تخرجه من مركز الضوء.

ولهذا يمكن أن نسأل القصيدة:

من تمنحه حق الكلام؟

ومن تجعله موضوعًا للصمت؟

من يظهر في مركز المشهد؟

ومن يبقى في هامشه؟

هنا يتحول التبئير من تقنية جمالية إلى سؤال عن السلطة داخل النص؛ سلطة العين التي تختار، واللغة التي تسمي، والذاكرة التي تستعيد، والقارئ الذي يعيد ترتيب ما رأى.

إن التبئير في الشعر الحديث ليس مصطلحًا تقنيًا مستعارًا من السرد فحسب، بل هو مدخل إلى فهم التحول الجوهري الذي أصاب القصيدة الحديثة: الانتقال من سؤال القول إلى سؤال الرؤية.

فالقصيدة لا تكتفي بأن تقول لنا إن العالم حزين أو جميل أو مأساوي؛ إنها تعيد تشكيل العالم بحيث نراه من زاوية لم نكن نراه منها.

ومن هنا يمكن اختزال التبئير في ثلاثية:

«مَن يرى؟ ومن أي موقع يرى؟ وما الذي يتغير في العالم حين تتغير زاوية الرؤية؟»

إن الشاعر الحديث لا يملك العالم لأنه يصفه، وإنما يكتسب سلطته الجمالية حين يستطيع إعادة ترتيب العالم داخل عين اللغة.

فالشعر في جوهره ليس أن تقول ما رأيت، بل أن تجعل الآخر يرى ما لم يكن قادرًا على رؤيته.

ولهذا فإن أعظم القصائد ليست تلك التي تمنحنا جوابًا نهائيًا عن العالم، وإنما تلك التي تغيّر موضع أعيننا منه؛ إذ تجعلنا نكتشف أن العالم نفسه قد يتغير، لا لأن الأشياء تغيرت، بل لأن العين التي تنظر إليها قد أصبحت شعرًا.

***

بقلم: عماد خالد رحمة ـ برلين 

في المثقف اليوم