عرس فینیکس نصوص مفتوحة دونتها الکاتبة عالیة میرزا بمداد ابی ان یجف وقلم لا یزال حارسا لتلک النصوص. یبدوا ان الکاتبة ارادت ان لا تبعد القلم عن المحبرة لتدون به صرخات تلك الآلام التي لا تهدأ والجروح لا تلتئم وتصف بە خلجات تلك الجروح. بل قصدت ان تبقي النص مفتوحا وذلک لغایة في نفس یعقوب. وان کان النص مقاما یروي حكاية الجروح وهي تدرك بان للجرحات فم. وفوق کل جرح لافتة تحمل اسما، فمنها "عرس فينيكس ومنها قیثارة وجع وذاکرة القرنفل، انانا هي امي، البحث عن اله في قبو السجن وغیرها من الأسماء" منذ ان تخطیت عتبة الکتاب فاستوقفنی "عرس فينيكس" أمام مفارقة دلالية مقصودة: العرس، بما يحمله من احتفاء وميلاد، مقترنًا بطائر الفينيكس الذي لا يبعث بعد فنائه إلا من رماد احتراقه. هذه المفارقة هي المفتاح الذي تُدار عليه النصوص المفتوحة، والتي تنتمي إلى ما يمكن تسميته "أدب الشهادة"، حيث يتحول الجسد المصاب إلى نص، والذاكرة المؤلمة إلى فعل مقاومة عبر الكتاب.
تنطلق الساردة من لحظة الإفاقة بعد التخدير، حين تصف كيف "أعود وأغيب عن الوعي لمدة تتساوى بالصفر عندي" (ص١٧)، في مشهد يتقاطع فيه الزمن السريري مع زمن الذاكرة الغائمة. اختارت الكاتبة أن تبدأ من هذه النقطة، لا من لحظة الحادثة نفسها، خيار فني لافت: فهو يضع القارئ في موقع الشخصية تماما، في حالة استرجاع مشوّش لا في موقع الراوي العليم. الجسد هنا يتحول إلى نص صريح حين تقول الساردة: "لقد أضعتُ خارطة جسدي" (ص١٦)، فتتحول الجروح إلى لغة موازية للسرد اللفظي، والفقدان الجسدي إلى فقدان في تحديد الذات.
اختراق الجسد الجمعي والفردي
تستدعي الكاتبة مفردات الاعتداء الجسدي والجنسي لتصف بها اختراق الجسد الجمعي بالسلاح الكيميائي، إذ تصرّح بأن "الاغتصاب هو كل فعل يمارَس ضد جسد الآخر وبأية وسيلة اختراق" (ص١٤)، سواء كانت الأداة "قضيبًا ذكريًا أو خنجرًا أو حتى دبوسًا" (ص١٤)، أو غازًا ساماً كان "يُستخدم لمكافحة البعوض... في العراق" (ص١٥). هذه المعادلة الرمزية بين العنف الجنسي والعنف السياسي مشحونة بخصوصية كوردية-ضمن جغرافیة محاطة بأربعة جدران تمنحها ثقلًا مضاعفًا: الجسد الأنثوي استعارة للوطن الجريح، والعكس صحيح أيضًا. ويُترجم هذا الاختراق جسديًا حين تصف الساردة كيف "اخترقته عدة طعنات من الزمن المتجذّر في العدم" (ص١٤)، فتمزج بين الألم الفيزيقي والزمني في آن.
الكابوس كصورة للاعتداء
يتخذ الرعب في النص شكل استعارة حيوانية كثيفة، إذ تستغيث الساردة: "احمِني من هذا السرير القاحل المحتل بآلاف من جحور الثعابين والعقارب" (ص١٣)، وتصف كيف "تلف صدري بوحشية المغتصِب" (ص١٣). هذا التماهي بين الكابوس والاعتداء الفعلي يكشف عمق الجرح النفسي وراء الاستعارة الجسدية، بينما يتحول الجسد من جهة أخرى إلى "قلعة منيعة تحصّن نفسها" (ص١٣) في مواجهة الخطر - توازٍ بين الحصانة والانكشاف يختزل مأساة الناجية.
الأمومة تحت التهديد
يشكّل الحوار بين الأم وابنها أحد أكثر مقاطع النص حرارة إنسانية. يتكرر نداء الطفل: "ماما افتحي عينيك لا تنامي... ابقي معي لا تنامي" (ص١٦)، في محاولة يائسة لشد أمه إلى الحياة. وحين يخاطبها لاحقًا باللغة السويدية "du är jävligt stark, mamma" (أنتِ قوية جدًا يا أمي) (ص١٨)، يتضح أن اللغة المكتسبة ليست أداة تواصل عابرة، بل وسيط نفسي آمن بين الطفل والهول الذي عاشه، ودالة على انتقال أثر الصدمة عبر الأجيال بلغة مغايرة للغة الأم الأصلية.
تعدد الأزمنة والأصوات
تعتمد الكاتبة تقنية تعدد الأزمنة والحالات: من الإفاقة الطبية، إلى فضاء "لا ينتمي لأي مكان وزمان" (ص١٦) تتقاطع فيه لغات متعددة حول السرير، إلى ظهور امرأة تتمتم باللغة الکوردیة "استغفري الله" (ص١٦) في مشهد يحمل إدانة مجتمعية مضمرة للضحية، ترد عليها الساردة بحسم: "أنا لا ذنوب لي" (ص١٦). هذا التعدد اللغوي ليس زخرفًا شكليًا، بل تجسيد بنيوي لحالة التشظي الهوياتي الذي عاشته الشخصية، وربما مدينة كركوك نفسها.
عودة الأب ورمزية الهوية
في مشهد استعادة الهوية وسط الانكسار، يحضر طيف الأب "يرتدي نفس الملابس الكوردية الكاكية اللون" (ص١٧)، ينظر إليها "حزينًا... هادئًا جميلًا ومتماسكًا" (ص١٧) دون أن ينبس بحرف، ثم يغادر تاركًا خلفه "رائحة القرنفل المجفف" (ص١٧) - تفصيل حسي بسيط يمنح المشهد الحلمي واقعية مؤثرة ويربط الحاضر المصاب بإرث الأب الرمزي.
خاتمة: الموت والبقاء
يُغلق المقطع على مفارقة وجودية عميقة، إذ تقرّ الساردة بأن "الموت ليس مخيفًا كما نعلمه، لكن الأصعب هو أن ترى من يحبونك يتألمون لأجلك" (ص١٨)، وتصرّح بثبات عقائدي: "لم أذنبْ، ولن أطلب العفو من كائن من كان" (ص١٨)، لتختتم بحكمة تختزل فلسفة الكتاب كله: "الذين تربطنا بهم حالات وجدانية يرحلون عنّا بأجسادهم لكن ذبذبات أرواحهم تظل قريبة منّا للأبد" (ص١٨).
يمكن قراءة "عرس فينيكس" في سياق أدب الناجيات الكورديات اللواتي حوّلن تجربة الحرب والتهجير إلى فعل كتابة، لتضيف عالية ميرزا صوتًا أدبيًا يوثّق بجرأة نادرة تقاطع الجسد الأنثوي مع جسد الوطن الجريح. "عرس فينيكس" نص يواجه تحدياً مزدوجاً: أن يكون شهادة على عنف تاريخي محدد، وأن يتجاوز في الوقت ذاته حدود الشهادة إلى أفق إنساني وفلسفي أرحب حول معنى النجاة والذنب والغفران. ويضاف إلى هذا التحدي بُعد آخر لا يقل إيلاماً: أن تُكتب هذه الشهادة الكوردية بلسان عربي، لا عن اختيار حر خالص بالضرورة، بل لأن اللغة الأم نفسها ظلت طويلاً مقيّدة الحضور في الفضاءات الرسمية والتعليمية التي نشأت فيها الكاتبة، بفعل سياسات کبت تاريخية عرفتها المنطقة على مدى عقود. هكذا تحمل كتابة ميرزا بالعربية مفارقة لافتة بامتياز: التعبير بلغة أخرى عما خلّفته تلك السياسات ذاتها من جراح، في مفارقة تكشف كيف يمكن للغة، وإن لم تكن اللغة لغة الأم، أن تتحول إلى أداة تعبير وشهادة، حين تُستخدم لفضح أثر تلك السياسات التي أضعفت حضور اللغة الأصلية. من خلال هذا النص المختار، يبدو أن ميرزا نجحت في تحويل هذا التحدي اللغوي إلى فعل كتابة يستحق أن يُقرأ لا بوصفه وثيقة عن مأساة فحسب، بل بوصفه نصاً أدبياً يعيد صياغة لغة الألم ذاتها، حتى وهي تستعير لساناً آخر غير لسانها الأم لتقول ما تريد قوله.
***
ستار بزیني
......................
تعریفة للکاتبة عالية ميرزا مع غلاف الکتاب:
فهي من مواليد 1957 في مدينة كركوك / العراق
تخرجت فى جامعة صلاح الدين قسم علم الاجتماع في مدينة أربيل عملت بعد التخرج في مجال التدريس وكذلك البحث الاجتماعي في محكمة أحداث كركوك.
هاجرت الى السويد نهاية 1985
درست الترجمة باللغتين العربية والكوردية (السورانية) الى اللغة السويدية.
ساهمت في زيادة عدد سكان هذا الكوكب بثلاثة أولاد.








