في جدل الأبستمولوجيا والاستطيقا وأنطولوجيا اللغة
ليس الشعر ترفاً لغوياً، ولا زخرفةً بلاغية تُضاف إلى الحياة من خارجها، كما أن الفلسفة ليست نسقاً منطقياً مغلقاً يُشيّد أسواره حول الحقيقة. فكلاهما، في جوهره العميق، محاولةٌ للإنصات إلى ذلك النداء الخفي الذي يصدر عن الوجود، حين يعجز العقل المجرد عن الإحاطة بسرّه، وتعجز اللغة المألوفة عن احتواء كثافته. ومن هنا، لم يكن غريبًا أن يلتقي الشعر بالميتافيزيقا عند تخوم السؤال الكوني، حيث تتداخل الرؤيا بالحدس، والوجود بالمعنى، والجمال بالحقيقة.
لقد درج الفكر الفلسفي، منذ أفلاطون وأرسطو، على إقامة تمييز صارم بين المعرفة والشعر، فجعل الحقيقة حكراً على البرهان العقلي، بينما أُحيل الشعر إلى دائرة المحاكاة والانفعال. غير أن هذا الفصل بدأ يتداعى مع تحولات الفكر الحديث، حين أدرك الفلاسفة أن الحقيقة ليست معطىً نهائياً، بل أفقٌ يتجدد مع كل تجربة إنسانية، وأن اللغة ليست مجرد أداة للتعبير، بل هي المجال الذي يتجلى فيه الوجود ذاته.
وهكذا، لم تعد الميتافيزيقا بحثاً فيما وراء الطبيعة فحسب، بل أصبحت بحثًا في إمكانات الوجود، وفي الكيفية التي ينكشف بها العالم للوعي الإنساني. ولم يعد الشعر خطاباً جمالياً فحسب، بل تحول إلى نمط من أنماط المعرفة، وإلى تجربة أنطولوجية تعيد تأسيس العلاقة بين الإنسان والكون.
إن الأبستمولوجيا، بوصفها فلسفة المعرفة، تسعى إلى تشييد اليقين عبر البرهان والمنهج والاستدلال، بينما يتحرك الشعر في الاتجاه المقابل؛ فهو لا يبحث عن يقين مغلق، بل عن دهشة مفتوحة، ولا يقيم الحقيقة على منطق التطابق، وإنما على إمكان الكشف. وبين هذين الأفقين يتشكل ذلك الجدل الخصب الذي يجعل الشعر امتداداً للفلسفة، وتجعل الفلسفة في أرقى تجلياتها شعرًا آخر بلغة المفاهيم.
لقد أدرك مارتن هايدغر أن الميتافيزيقا التقليدية قد استنفدت قدرتها على مساءلة الوجود حين اختزلته في موضوع للمعرفة، ولذلك دعا إلى العودة إلى سؤال الكينونة ذاته، لا من خلال المفهوم، بل عبر اللغة التي تحتضن الوجود. ومن هنا جاءت عبارته الشهيرة: «اللغة بيت الكينونة، والشعر هو السكن الأصيل لهذا البيت.»
إن هذه العبارة لا تمنح الشعر منزلةً جمالية فحسب، بل تمنحه وظيفةً أنطولوجية؛ فالقصيدة ليست وصفاً للعالم، وإنما لحظةٌ ينكشف فيها العالم على نحو جديد. إنها لا تقدم تفسيراً للوجود، بل تجعل الوجود يتجلى في صورته الأولى، قبل أن تروّضه المفاهيم والقوانين والمنطق.
ومن هنا يغدو الشعر مقاومةً دائمةً لدوغمائية العقل، لا لأنه يرفض العقل، بل لأنه يحرره من ادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة. فالحقيقة، كما يرى بول ريكور، ليست معطًى يُستنفد في تفسير واحد، وإنما هي شبكة من التأويلات المتجددة، وكل تأويل يفتح أفقاً جديداً للمعنى دون أن يغلق الآفاق الأخرى.
ولذلك فإن الميتافيزيقا الحقيقية لا تبدأ من اليقين، وإنما من الحيرة. إنها لا تبحث عن الإجابة النهائية، بل عن السؤال الذي يظل قادراً على إنجاب الأسئلة. فالإنسان، كما يقول سورين كيركغور، لا يبلغ حريته إلا حين يعبر قلقه الوجودي، لأن القلق ليس مرضاً في الروح، بل هو الشرط الأول لانفتاحها على الإمكان.
وهنا يتقاطع الفيلسوف مع الشاعر؛ فكلاهما يعي أن العالم أكبر من اللغة، وأن اللغة نفسها أكبر من معجمها. ولذلك لا تكون القصيدة تقريراً عن الواقع، وإنما خلقاً لواقع آخر، أكثر عمقاً واتساعاً، حيث تصبح الاستعارة شكلًا من أشكال الوجود، لا مجرد حيلة بلاغية.
إن الجمال، في هذا السياق، لا يعود صفةً للأشياء، بل يصبح حدثاً وجودياً يبدل وعينا بالعالم. فحين يكتب الشاعر قصيدته، لا يضيف جمالاً إلى الواقع، بل يزيح الحجاب عن جمال كان كامناً فيه، لكنه ظل محجوباً تحت ركام العادة وألفة الإدراك.
ولهذا رأى غاستون باشلار أن الصورة الشعرية ليست امتداداً للذاكرة، بل ولادة جديدة للخيال؛ فهي لا تستعيد العالم، وإنما تعيد خلقه من الداخل. وكل صورة شعرية عظيمة هي انفجار في بنية الإدراك، يجعل الأشياء أكثر قرباً من حقيقتها، وأكثر بعداً عن اعتيادنا لها.
ومن هنا يغدو الانزياح اللغوي حدثاً ميتافيزيقياً، لا مجرد انحراف عن المألوف. فاللغة في الشعر لا تنقل المعنى، بل تخلقه. والكلمات لا تشير إلى الأشياء فقط، بل تفتح إمكانات جديدة لوجودها. ولهذا كان رولان بارت يرى أن النص الأدبي لا يقدم حقيقة جاهزة، بل ينتج احتمالات لا نهائية للمعنى، بحيث يغدو القارئ شريكاً في ولادة النص، لا متلقياً سلبياً له.
ولعل هذا ما يجعل القصيدة عصيةً على الشرح الكامل؛ لأنها ليست بنيةً مغلقة، بل كائناً حياً يتجدد مع كل قراءة. إن القصيدة لا تُستهلك، بل تُعاد ولادتها في كل قارئ، وفي كل زمن، وفي كل تجربة إنسانية جديدة. ولذلك قال باشلار بحق: «القصيدة لا تُفسَّر، بل تُسكن.»
وإذا كانت المعرفة العلمية تقوم على البرهان، فإن المعرفة الشعرية تقوم على الحدس. وإذا كان العقل يطمح إلى السيطرة على العالم، فإن الشعر يسعى إلى الإصغاء إليه. وبين السيطرة والإصغاء تتحدد المسافة الفاصلة بين العقل الأداتي والعقل التأملي؛ الأول يريد امتلاك الحقيقة، والثاني يريد السكن فيها.
إن الشعر، بهذا المعنى، ليس نقيضاً للفلسفة، بل هو أفقها الأكثر رحابة. فالفيلسوف يبني مفاهيمه ليقترب من الوجود، بينما يذهب الشاعر مباشرة إلى قلب الوجود عبر الصورة والإيقاع والرمز. وإذا كانت الفلسفة تفكر في الكينونة، فإن الشعر يجعل الكينونة تتكلم.
ولذلك لم يكن نيتشه مبالغاً حين كتب كتابه «هكذا تكلم زرادشت» بلغة شعرية، لأنه أدرك أن بعض الحقائق لا يمكن أن تُقال بالمفهوم، وإنما تُقال بالاستعارة. وكذلك فعل هايدغر حين وجد في شعر هولدرلين ما لم يجده في كثير من المباحث الميتافيزيقية، لأن الشعر عنده هو الحدث الذي تستعيد فيه اللغة براءتها الأولى، ويستعيد فيه الإنسان علاقته الأصلية بالعالم.
إننا اليوم أحوج ما نكون إلى ميتافيزيقا جديدة، لا تبحث عن يقين مغلق، بل عن معنى مفتوح؛ ميتافيزيقا تتحرر من سلطة النسق، وتستعيد الدهشة بوصفها أصل المعرفة، والحيرة بوصفها أسمى مراتب الحكمة، والجمال بوصفه طريقاً إلى الحقيقة.
فالحقيقة التي يخلو منها الجمال تتحول إلى معادلة باردة، والجمال الذي ينفصل عن الحقيقة يغدو زينة عابرة. أما حين يلتقي الاثنان في القصيدة، فإن الإنسان يستعيد ذاته، ويستعيد العالم، ويستعيد ذلك السؤال الأول الذي وُلد معه: لماذا يوجد شيء بدلًا من ألا يوجد شيء؟
هكذا يغدو الشعر فعلاً ميتافيزيقيًا بامتياز، لا لأنه يجيب عن أسئلة الوجود، بل لأنه يمنحها صوتاً جديداً، ويجعل الإنسان أكثر قدرة على السكن في العالم، وأكثر استعداداً للإنصات إلى الصمت الذي يسبق الكلمات، وإلى الجمال الذي لا يُمتلك، بل يُعاش.
ولعل أعظم ما يقدمه الشعر للفلسفة أنه يذكرها دائماً بأن الحقيقة ليست نهاية الطريق، بل بدايته، وأن الوجود لا يُختزل في المفاهيم، بل يظل أوسع من كل تعريف، وأعمق من كل يقين، وأجمل من كل ما تستطيع اللغة أن تقوله عنه.
***
بقلم: عماد خالد رحمة – برلين








