حين يبتسم الضاد وتخلع القصيدة عباءة الوقار، قراءة أدبية ولغوية في أحد أكثر الفنون الشعرية العربية طرافة وذكاء
ليس الضحك في الأدب نقيضاً للحكمة، كما أن السخرية ليست وجهاً آخر للهزل الفارغ. فكثيراً ما حملت الابتسامة من المعاني ما عجزت عن حمله الخطب الرنانة، وكانت المفارقة الساخرة أكثر قدرة على فضح الزيف من أشدّ المقالات جدية. ومن هنا جاء الشعر الحلمنتيشي بوصفه ظاهرة أدبية عربية فريدة، استطاعت أن تجعل من الضحك فعلاً جمالياً، ومن السخرية موقفاً ثقافياً، ومن المفارقة وسيلةً لإعادة قراءة الواقع والتراث معاً.
إنه شعر لا يخاصم العربية، بل يداعبها، ولا يثور على الموروث، بل يحاوره بذكاء، ولا يهدم القصيدة العمودية، بل يعيد تشكيلها في مرآة ساخرة تكشف ما استجدّ في الحياة من تناقضات ومفارقات. ولذلك فإن الشعر الحلمنتيشي ليس خروجاً على الشعر العربي، وإنما هو أحد وجوهه الحديثة التي أثبتت أن اللغة العربية تملك من المرونة والثراء ما يجعلها قادرة على أن تضحك ببلاغة، وأن تنتقد بجمال، وأن تبتسم دون أن تفقد وقارها.
أصل التسمية ونشأة الفن:
يرجع الفضل في إطلاق مصطلح «الشعر الحلمنتيشي» إلى الشاعر المصري حسين شفيق المصري، الذي يُعدُّ الرائد الحقيقي لهذا الفن، حتى لُقِّب بـ «فارس الشعر الحلمنتيشي». ثم جاء بيرم التونسي ليمنح هذا اللون بعداً اجتماعياً وسياسياً أعمق، فصارت السخرية عنده أداةً لمقاومة الظلم وكشف التفاوت الاجتماعي.
وقد ارتبطت تسمية «الحلمنتيشي» – في الغالب – بفرقة فكاهية مصرية كانت تُعرف باسم «حلمنتيش»، فأصبح الاسم علماً على هذا النمط الشعري الذي يقوم على المحاكاة الساخرة، والتوليد اللغوي، والمعارضة الشعرية، والمفارقة الفنية.
ومن مصر انتقل هذا الفن إلى السودان، حيث وجد بيئة خصبة تتقبل السخرية اللاذعة، ثم امتد تأثيره إلى أنحاء مختلفة من العالم العربي، حتى أصبح لوناً أدبياً قائماً بذاته، له جمهوره وكتابه ونقاده.
بين الفصحى والعامية... مصالحة لغوية:
لعل أبرز ما يميز الشعر الحلمنتيشي أنه يقيم جسراً فنياً بين الفصحى والعامية، فلا يجعل العامية بديلاً عن العربية، ولا يجعل الفصحى سجناً مغلقاً أمام التعبير الشعبي.
فالقصيدة الحلمنتيشية تبدأ غالباً بديباجة فصيحة ذات جرس تراثي، ثم يفاجأ القارئ بكلمة عامية أو تعبير شعبي يأتي في موضع بالغ الدقة، فيحدث ذلك التوتر الفني الذي يولّد الضحك.
وهذا المزج ليس عفوياً، بل يقوم على وعي لغوي عميق؛ إذ يعرف الشاعر موضع المفارقة، ويختار اللفظة الشعبية لأنها الأقدر على إنتاج الدلالة الساخرة، لا لأنها أسهل تداولاً.
ومن هنا تتجلى عبقرية العربية؛ فهي لغة قادرة على استيعاب مستويات متعددة من الخطاب، دون أن تفقد انسجامها أو موسيقاها.
المحاكاة الساخرة... احترام التراث لا هدمه:
من أهم تقنيات الشعر الحلمنتيشي المعارضة الشعرية الساخرة؛ إذ يعمد الشاعر إلى قصيدة مشهورة، فيحافظ على وزنها وقافيتها وبنيتها الإيقاعية، ثم يقلب موضوعها من الجِد إلى الهزل، ومن البطولة إلى الحياة اليومية.
ومن أشهر النماذج ما كتبه حسين شفيق المصري في «المشعلقات»، وهي معارضات فكاهية للمعلقات الجاهلية، حافظ فيها على المعمار الشعري القديم، لكنه استبدل الفروسية بمشكلات الحياة الحديثة، والناقة بالحافلة، والسيف بالبيروقراطية، والرحلة الصحراوية بزحام المدينة.
إنها ليست سخرية من المعلقات، بل احتفاء بها؛ لأن الشاعر لا يستطيع أن يعارض نصاً عظيماً إلا إذا كان يحفظه، ويفهم أسراره، ويعي بنيته الإيقاعية والبلاغية.
السخرية بوصفها نقداً اجتماعياً:
لم يكن الشعر الحلمنتيشي مجرد وسيلة للإضحاك، بل كان مرآة ناقدة للمجتمع.
لقد سخر من الفساد الإداري، وغلاء الأسعار، والبيروقراطية، والبطالة، وتعقيدات الحياة اليومية، كما تناول العلاقات الاجتماعية والسياسية بلغة خفيفة الظل، لكنها عميقة الأثر.
ومن هنا فإن الضحك في هذا الفن ليس غاية، بل وسيلة للوصول إلى الحقيقة.
فالقصيدة الحلمنتيشية تشبه المرآة المحدبة؛ فهي تكبر العيوب حتى يراها الجميع، وتبالغ في تصويرها لتكشف حقيقتها.
البلاغة في الشعر الحلمنتيشي:
يظن بعض القراء أن هذا الفن يقوم على الارتجال، بينما هو في حقيقته من أكثر الفنون اعتماداً على المهارة البلاغية.
فهو يوظف:
التورية لإخفاء المعنى الحقيقي خلف معنى قريب.
المفارقة التي تصنع المفاجأة الفنية.
التضمين باستدعاء النصوص التراثية.
الاقتباس من القرآن الكريم والحديث الشريف والشعر القديم في حدود الأدب والاحترام.
التناص مع القصائد الخالدة.
المحاكاة الساخرة التي تقوم على إعادة إنتاج النص بروح جديدة.
ولهذا فإن كتابة قصيدة حلمنتيشية ناجحة أصعب بكثير مما يتصوره البعض؛ لأنها تتطلب ثقافة لغوية واسعة، وإحاطة بالعروض، وإلماماً بالتراث، وحساً فكاهياً رفيعاً.
أبرز شعراء هذا الفن:
إذا كان حسين شفيق المصري هو الأب المؤسس للشعر الحلمنتيشي، فإن بيرم التونسي قد منحه بعده الاجتماعي والإنساني، وجعل السخرية أداة مقاومة.
ثم جاء شعراء آخرون أسهموا في تطويره، ومنهم:
١- أحمد قنديل.
٢- عبد العليم القباني.
٣- مصطفى رجب.
٤- شوقي أبو ناجي.
٥- ياسر قطامش، الذي يُعد من أبرز ممثلي هذا الفن في العصر الحديث، لما يمتلكه من قدرة لافتة على معارضة القصائد العربية المشهورة مع المحافظة على موسيقاها وروحها.
ومن أشهر نماذجه معارضته الساخرة لقصيدة «الأطلال» لإبراهيم ناجي، حيث يقول:
يا فؤادي لا تسل أين الجنيهُ
إنَّه ماتَ فقفْ وابكِ عليهِ
اسقني واشربْ على أطلالهِ
قهوةً من أدمعي أو نسكافيهِ
فهنا تتحول مأساة الحب إلى مأساة اقتصادية، ويتحول البكاء على الحبيبة إلى البكاء على انهيار العملة، دون أن يختل الوزن أو البناء الموسيقي.
رؤية نقدية:
لم يسلم الشعر الحلمنتيشي من اعتراض بعض النقاد الذين رأوا فيه لوناً من العبث أو الاستهانة باللغة، غير أن هذا الحكم يبدو متعجلاً؛ لأن هذا الفن لا يهدم العربية، بل يكشف عن طاقتها التعبيرية.
فاللغة التي تستطيع أن تكتب المعلقات، وتبدع في المقامات، وتنتج الشعر الصوفي، قادرة أيضاً على أن تبتكر شعراً ساخراً رفيع المستوى.
بل إن الشعر الحلمنتيشي يبرهن على أن الفصحى ليست لغة رسمية جامدة، وإنما كائن حي يتنفس مع المجتمع ويتفاعل مع تحولاته.
الشعر الحلمنتيشي بين الأمس واليوم:
في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، انتشرت النصوص الساخرة انتشاراً واسعاً، لكن معظمها يفتقر إلى المقومات الفنية للشعر الحلمنتيشي الحقيقي.
فالفكاهة وحدها لا تكفي، كما أن السخرية العفوية لا تصنع قصيدة.
إن الشعر الحلمنتيشي الأصيل يحتاج إلى شاعر يجمع بين ثقافة اللغوي، وذائقة الأديب، وخفة ظل الفنان، وحكمة الناقد.
ومن هنا ينبغي التمييز بين الشعر الحلمنتيشي بوصفه فناً أدبياً قائماً على الوزن والبلاغة والمعارضة، وبين النكات الشعرية السريعة التي تنتشر في وسائل الإعلام الرقمية.
خاتمة:
يبقى الشعر الحلمنتيشي أحد أكثر التجارب الشعرية العربية أصالةً وابتكاراً؛ لأنه أثبت أن الضحك ليس نقيض الجمال، وأن السخرية ليست خصماً للبلاغة، وأن القصيدة تستطيع أن تكون عميقة وهي تبتسم، وناقدة وهي تضحك.
لقد أعاد هذا الفن الإنسان إلى قلب القصيدة، وأنزل الشعر من أبراجه العاجية إلى الشارع، دون أن يفرط في موسيقاه أو لغته أو تراثه. ومن ثم فهو ليس انحرافاً عن الشعر العربي، بل امتداد له في صورة جديدة، تُثبت أن العربية لغة تتسع للوقار كما تتسع للطرافة، وللحكمة كما تتسع للابتسام، وأن الضاد، حين تخلع عباءة الرهبة، لا تفقد جلالها، بل تكتشف وجهاً آخر من وجوه عبقريتها؛ وجهاً يؤمن بأن الضحك، إذا أحسن الشاعر صناعته، قد يكون أبلغ من الخطب، وأعمق أثراً من كثير من المواعظ.
***
بقلم: عماد خالد رحمة – برلين








