عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

هبة قاسم: على العتبة.. قراءة في مجموعة "النزوح نحو الممكن" لميثم الخزرجي

يفتتح ميثم الخزرجي مجموعته القصصية بجملة تختصر مصير كل شخصياتها لاحقاً: "منذ أن طحِنَت مخيلته بذلك اليوم الذي اتسمت ملامحه بالخديعة" (ص 7). خديعة تطحن المخيلة لا تكسرها فحسب؛ وهذا الفارق يفسر لماذا لا تخرج شخصيات هذه المجموعة من محنتها بجرح يندمل، إنما تبقى معلّقة على عتبة لا تفضي إلى الداخل ولا تعيدها إلى الخارج. عتبة الموت في "غصة كونية"، عتبة القبر في "سادن المقبرة"، عتبة الوطن في "النزوح نحو الممكن"، عتبة الباب المغلق في "حكاية قرية". ففي كل قصة من هذه القصص يقف بطل الخزرجي على عتبة، ويظل هناك.

في "غصة كونية"، تلك العتبة حرفية: جماعة تؤمر بالجلوس على الأرض، وينهال عليها الرصاص "ظنًا منهم أننا قد متنا جميعاً" (ص 39). لكن أحدهم لم يمت "أفاق "برئة تتنفس لا تسأل" (ص 41)، وكأن النجاة نفسها كانت خطأً لم يصحَّح. وبعد أكثر من أسبوعين "أظهرت وسائل الإعلام مقاطع فيديوية تظهر فيها إعدامات المسلحين" (ص 41) لمن نجوا معه. بين الرصاصة الأولى وشاشة التلفاز فجوة زمنية كاملة يقفز فوقها النص بلا تفسير فكأن الأسبوعين لم يعاشا، وكأن الجسد الذي أفاق ظل معلقاً في لحظة الرصاص وحدها، بينما الزمن يمضي من دونه في الخارج.

هذا التعليق الزمني له نظير لغوي في "إعلان سمر" ففي مطلع القصة تقدَّم شخصية غارقة في حديث مقتضب، لكن الجملة التي تختصر مأساتها لا تظهر إلا حين تتكرر: "هم الآن بالنهر" (ص 67)، ثم مرة أخرى بعد صفحات: "هم الآن بالنهر، كما أقول لك هم الآن بالنهر" (ص 72). لا اسم يروى لمن هم في النهر ولا سبب ولا وقت محدد، الجملة نفسها هي الحدث وهي التعليق عليه معاً تكرارها ليس عجزاً عن قول المزيد، إنما دليل على أن قائلها لم يبارح تلك اللحظة قط. فمن يقف على عتبة لحظته الأولى لا يملك جملة ثانية.3088 maytham

وفي "حكاية قرية" كانت العتبة عتبة سلطة قبل أن تكون عتبة موت، فنجد محمد السلطان صحاب معمل البلاستك الذي ورثه عن أبيه الإقطاعي جابر السلطان ينشأ "عارياً من الرحمة، شديد المجابهة، معتداً في آرائه حد الوقاحة" (ص 89)، في مدينة يتذكر أهل قريتها المجاورة على بعد أربعة أو خمسة كيلومترات من المعمل "حكايات مأساوية بالغة الشطط" (ص 89) عن بطشه، تبلغ القصة ذروتها عند باب مغلق: فيدخل سلمان المعمل مهرولاً بعدما سمع صراخ استغاثة رقية، فيجد الباب "مغلقة من جهة الدخول" (ص 97)، ولا يفتحه إلا بقضيب حديد وجده مرمياً في إحدى الزوايا، يضرب به محمد السلطان حتى يرديه قتيلاً، فيما رقية تشاهد المشهد "تبكي وتتلوى ممزقة الثياب منهكة القوى" (ص 97). لكن السلطان قبل أن يفارق الحياة يطلق ما تبقى له من رصاص على سلمان فيرديه معه. عتبة الباب المغلق التي كان يجب أن تفصل الجاني عن الاستغاثة تتحول إلى مسرح موت مزدوج: لا أحد يعبرها ناجياً بالكامل، لا الجلاد ولا المنقذ.

سادن المقبرة في القصة التي تحمل اسمه لا يقتحم عليه بابه هو من يختار الوقوف عند عتبته. الرجل الذي ضاق به مكان الأحياء ينتقل بمحض إرادته إلى بيت للموتى، فيبرر اختياره بصوت الراوي: "فمن لم يجدوا لهم مكاناً يتسع لأحلامهم... عليهم أن يلتحقوا بركب الأموات" (ص 103). هنا تنقلب العتبة على نفسها: البيوت التي يفترض أنها للأحياء تطرد ساكنها، والمقبرة التي يفترض أنها للموتى تستقبله. سادن يحرس عتبة لا يريد أحد سواه أن يقف عليها، فيسكنها بدل أن يحرسها فقط.

في "تنقيب" العتبة عتبة الصمت والكلام معاً إذ يوصي أب ابنه: "كن كالأرض لا تبخ سراً لأي كان" (ص 119)، وصية تقول إن الكتمان فضيلة الأرض التي تحفظ ما دفن فيها. لكن الراوي نفسه لا يطيق هذه الوصية فيكتب صفحات كاملة عمّا أوصي بكتمانه ويعترف في السطر التالي: "ما زلت يا غافل أبحث عني كثيراً" (ص 119). فبين الصمت الذي يوصي به الأب والكلام الذي يمارسه الابن، وبين البحث عن الذات وعدم العثور عليها. لا الصمت يكتمل، ولا البحث ينتهي ويبقى الراوي على عتبة الاثنين معاً.

وفي "النزوح نحو الممكن" القصة التي تعير المجموعة عنوانها، العتبة هي الوطن ذاته. يفتتح الراوي بذاكرة طفولة تتلاشى: "قد تنحسر ذاكرتي من الاحتفاظ بتجليات اللعب الفتية التي احتوتها تلك الدرابين الوجلة في حينها" (ص 45)، ليصل في خاتمتها إلى مغادرة لا رجعة فيها: "انسللت من الباب الخلفي للوطن مودعاً صيحات عامل المقهى التي لم يبق منها سوى الرمق" (ص 52). بين الذاكرة المتلاشية والباب الخلفي، تدور القصة حول شخص يدعى حسان غيِّب على إثر جملة كتبها، لا يعرف الراوي "لمن كتبها تحديداً أو ما هو مبتغاها" (ص 52)، لكنه يصفها بأنها كانت جملة بيضاء جداً تكشف عن "دستور آخر للجمال" (ص 52) في وجه ظلام بات سخياً أكثر من اللازم. المغادرة من الباب الخلفي كانت عبوراً صامتاً لعتبة لا يلتفت إليها أحد سوى صيحات عامل مقهى يحتضر في الخلفية.

يجمع الخزرجي بين هذه العتبات الست خيطاً واحداً فلا أحد من شخصياته يعبر عتبته بالكامل. الناجي من الرصاص يفيق برئة فقط. وسادن المقبرة يسكن عتبة الموت طواعية بدل أن يتجاوزها. والأب والابن في "تنقيب" يتبادلان الوصية بالصمت والفشل في تطبيقها. وحين تفتح العتبة في "حكاية قرية"، بقضيب حديد لا بمفتاح، لا يخرج منها أحد حياً. حتى العتبة الأخيرة، عتبة الوطن في القصة التي تحمل عنوان المجموعة، لا تفتح من الأمام ينسل منها الراوي من الخلف، في صمت، تاركاً وراءه صوتاً يخفت.

هذا ما تقوله المجموعة في مجملها عن النجاة: أنها لا تشبه عبور جسر من ضفة إلى أخرى إنما تصف وقوفاً طويلاً على عتبة لا تغلق تماماً ولا تفتح تماماً. من يقرأ هذه القصص السّت لا يجد بطلاً واحداً استعاد حياته كما كانت. يجد بدل ذلك رجالاً ونساء يقيمون على حافة أبوابهم، يسمعون ما وراءها ولا يعبرون، أو يعبرون فيتركون جزءاً منهم عند العتبة نفسها.

***

د. هبة قاسم

 

في المثقف اليوم