عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

نجلاء نصير: الصراع النفسي بين الرفاهية والجوع العاطفي

قراءة في "اللمبة الحمرا" لمنال أمين

في المشهد الأدبي الذي يتناول العلاقات الإنسانية، تظل لحظة تحوّل الاحتياج العاطفي المكبوت إلى سلوك اضطراري من أكثر اللحظات خصوبة بالدراما والتعقيد النفسي. فالعلاقة الزوجية لا تنهار دائمًا بسبب خيانة واضحة أو فقر مادي أو صراع معلن، بل قد تتآكل بصمت حين يغيب التقدير، وتبرد المشاعر، ويتحوّل القرب الجسدي إلى عزلة روحية خانقة.

تأتي قصة "اللمبة الحمرا" للكاتبة منال أمين لتقدم قراءة سيكولوجية نافذة للجفاف العاطفي داخل المؤسسة الزوجية. فهي لا تكتفي برصد الخلافات السطحية أو استعراض مظاهر الجفاء، بل تغوص في تلك اللحظة الفارقة التي يتحوّل فيها الظمأ الشديد للكلمة والحنان إلى حيلة بائسة، قبل أن ترتد تلك الحيلة على صاحبتها، فتصنع لها سجنًا أشد قسوة من القفص الأول.

ومن خلال بنية رمزية متماسكة، توظف الكاتبة الأشياء والمشاهد اليومية توظيفًا دلاليًا عميقًا؛ بدءًا من بريق الذهب، ومرورًا بالمرآة وشبح الأب والكافيه، وصولًا إلى وميض جهاز الرد الآلي. وبهذه الرموز تكشف القصة مأساة امرأة لم تكن تبحث عن خيانة أو نزوة عابرة، بقدر ما كانت تحاول إثبات وجودها الإنساني والأنثوي في عين زوج تحوّل حضوره معها إلى غياب كامل.

العنوان

يحمل عنوان القصة «اللمبة الحمرا» دلالة مركزية لا يمكن فصلها عن بنية النص ومعناه. فاللمبة الحمراء في مستواها الواقعي تشير إلى الضوء الذي يظهر في جهاز الرد الآلي معلنًا وجود رسالة مسجلة. غير أن النص يمنحها وظيفة رمزية أوسع؛ فهي ليست مجرد إشارة تقنية، بل إنذار نفسي واجتماعي داخل العلاقة الزوجية.

إن اللون الأحمر نفسه يحمل إيحاءات متعددة: الخطر، التوتر، الاشتعال، الغيرة، والإنذار. ومن هنا تتحول اللمبة الحمراء إلى علامة على دخول العلاقة مرحلة جديدة من الاضطراب. فقد كانت العلاقة قبلها واقعة تحت وطأة البرود والإهمال، لكنها بعد وميضها تدخل منطقة الشك والريبة.

هكذا يصبح العنوان شديد الذكاء؛ لأنه لا يكشف القصة مباشرة، لكنه يختزن جوهرها. اللمبة ليست ضوءًا صغيرًا في جهاز، بل شرارة رمزية تضيء خرابًا أكبر، وتكشف أن محاولة البطلة استدعاء الحب عبر الغيرة ستتحول إلى بداية انهيار الثقة.

البناء الدرامي

تعتمد القصة على تصعيد درامي هادئ لكنه مؤثر. تبدأ من حالة نفسية داخلية: امرأة تعاني الجفاف العاطفي. ثم تنتقل إلى استرجاع بداية العلاقة، حيث كان الزوج يبدو مختلفًا. بعد ذلك يأتي مشهد المرآة وشبح الأب بوصفه لحظة مواجهة داخلية. ثم تخرج البطلة إلى الشارع والكافيه، فتحدث الشرارة النفسية التي تدفعها إلى التفكير في إثارة غيرة الزوج.

بعد ذلك تتطور الأحداث من موقف عابر إلى خطة متعمدة، ثم إلى نتائج لا يمكن السيطرة عليها. وهذه البنية تمنح القصة قوتها؛ لأن الكارثة لا تأتي فجأة، بل تنمو تدريجيًا من احتياج بسيط إلى سلوك خاطئ، ثم إلى مأزق نفسي واجتماعي.

والقصة لا تحتاج إلى نهاية صادمة أو حدث مأساوي صريح؛ فالنهاية المفتوحة كافية لإحداث الأثر. القارئ يدرك أن البطلة دخلت نفقًا لا تعرف الخروج منه، وأن العلاقة لم تعد كما كانت حتى لو توقفت الرسائل.

البعد النفسي للشخصية

البطلة في القصة شخصية مأزومة، لكنها ليست فاقدة للوعي الأخلاقي. فهي تدرك خطورة فرحها بنظرة الرجل الغريب، وتوبخ نفسها. كما أنها لا تسعى إلى علاقة خارج الزواج، بل تبحث عن استعادة زوجها. غير أنها، تحت ضغط الإهمال والجرح، تلجأ إلى وسيلة خاطئة.

وهذا يجعل الشخصية إنسانية ومعقدة. فهي ليست ملاكًا كاملًا، وليست مذنبة بالمعنى الأخلاقي الحاد. إنها امرأة ضعيفة أمام احتياجها، وقوية بما يكفي لتشعر بجرحها، لكنها لا تمتلك الوعي الكافي لاختيار طريق صحي للخروج من الأزمة.

أما الزوج، فيظهر بوصفه نموذجًا للرجل الذي يخلط بين توفير المادة وتحقيق السعادة. فهو يظن، أو يتصرف كما لو كان يظن، أن الرفاهية تكفي. لكنه يفشل في إدراك أن المرأة التي تعيش معه تحتاج إلى كلمة ونظرة وحضور وجداني، لا إلى بيت ممتلئ بالأشياء فقط.

الصراع النفسي بين الرفاهية والجوع العاطفي

تبدأ القصة من مفارقة موجعة: البطلة تعيش حياة مادية مريحة، لكنها تعاني فقرًا عاطفيًا قاسيًا. لم تكن بحاجة إلى مظاهر الثراء التي قدمها لها زوجها، بل كانت بحاجة إلى رجل يشعر بها، يسمع نبضها، ويعيد إليها إحساسها بأنوثتها.

تقول القصة إنها لم تكن تريد إلا رجلًا يعزف "سيمفونيتها"، ويعلّم قلبها معنى الحنين. هذه العبارة لا تقدم احتياجًا جسديًا مباشرًا بقدر ما تكشف حاجتها إلى التناغم الروحي والعاطفي. فالمرأة هنا لا تبحث عن رفاهية خارجية، بل عن اعتراف داخلي بوجودها.

ومن أقوى الصور التي تعبر عن هذا الصراع قول النص إن قلبها وُضع في "زنزانة مؤصدة بمفاتيح من ذهب". في هذه الصورة تتجاور مفردتان متناقضتان: الزنزانة بما تحمله من قيد وسلب للحرية، والذهب بما يحمله من ثراء وبريق. والنتيجة أن القصة تكشف زيف الاكتمال الخارجي إذا خلا من الدفء الإنساني.

فالزوج الحاضر ماديًا غائب وجدانيًا. وقد استطاع في البداية أن يجذبها بوسامته وكرمه وسيارته الفارهة وموقفه النبيل حين تكفل بعلاج أخيها. لكنه بعد الزواج تحوّل إلى رجل بارد لا يراها إلا كجزء من أثاث البيت. ومن هنا تتولد مأساة البطلة: لقد دخلت بيتًا يبدو من الخارج مكتملًا، لكنها اكتشفت في داخله وحدة قاسية.

البطلة بين الربيع والخريف

تستخدم الكاتبة صورة بالغة الدلالة حين تقول إن البطلة وضعت حياتها على أبواب الخريف وهي ما زالت "بنت الربيع". وتكشف هذه الثنائية عن عمق الانكسار النفسي الذي تعيشه الشخصية.

فالربيع يرمز إلى الشباب، الحيوية، الأنوثة، التفتح، والرغبة في الحب. أما الخريف فيرمز إلى الذبول، البرود، الانطفاء، وفقدان البهجة. وهنا لا يتعلق الأمر بعمر البطلة الجسدي، بل بعمرها النفسي. فهي لا تزال شابة، لكنها تشعر بأن روحها قد دخلت مرحلة الذبول المبكر بسبب الإهمال.

وهذا يعني أن القصة لا تقدم امرأة ضعيفة أو سطحية، بل شخصية مجروحة من الداخل. إنها امرأة لم تفقد أنوثتها حقيقة، لكنها فقدت الشعور بها في عيني زوجها. وهذا ما يجعل نظرة الرجل الغريب في الكافيه مؤثرة جدًا؛ لأنها تعيد إليها، ولو للحظة، إحساسًا كان ينبغي أن تجده في بيتها.

المرآة وشبح الأب: مواجهة الذات والضمير

من أكثر المشاهد رمزية في القصة مشهد وقوف البطلة أمام المرآة ورؤيتها شبح أبيها المتوفى. فالمرآة في هذا السياق ليست أداة زينة أو انعكاس خارجي، بل تتحول إلى مساحة مواجهة داخلية. البطلة لا ترى وجهها المتعب فقط، بل ترى ما وراء الوجه: الندم، الخوف، الذنب، والإحساس بأنها أخطأت الاختيار.

أما شبح الأب، فيحمل دلالات متعددة. فهو أولًا رمز للضمير الداخلي، ذلك الصوت الصامت الذي يلومها على ما آلت إليه حياتها. كما أنه رمز للحماية المفقودة؛ فالأب في الوعي الإنساني كثيرًا ما يرتبط بالسند والأمان والحكمة. وظهوره بعد موته يعكس رغبة البطلة اللاواعية في استعادة هذا السند بعد أن وجدت نفسها وحيدة داخل زواجها.

نظرة الأب الحزينة والغاضبة توحي بأنها لا تشعر فقط بأنها ضحية، بل تشعر أيضًا بأنها شاركت في صنع قفصها حين اختارت هذا الرجل. وهذا يعمق البعد التراجيدي في النص؛ فالبطلة ليست محاصرة من الخارج فقط، بل محاصرة أيضًا بشعور داخلي بالندم.

واختفاء صورة الأب مع بزوغ الفجر يحمل دلالة لافتة. فالفجر عادة رمز للنور والبداية، لكنه هنا لا يحقق خلاصًا حقيقيًا. إنه يبدد الشبح، لكنه لا يبدد الأزمة. وهكذا تبقى البطلة وحدها أمام واقعها، بعد أن انطفأت لحظة المواجهة العابرة.

خامسًا: البيت بوصفه فضاءً للغربة

البيت في القصة لا يظهر بكونه مكانًا للسكينة والدفء، بل يتحول إلى فضاء للغربة النفسية. ففيه تشعر البطلة بأنها أشبه بتحفة من التحف التي تملأ المكان. وهذه الصورة شديدة القسوة؛ لأنها تنزع عنها إنسانيتها وتحولها إلى شيء جميل لكنه صامت ومهمل.

فالزوج يدخل الغرفة، يبدل ملابسه، ويتحدث في الهاتف دون أن يلتفت إليها. وجودها لا يثير انتباهه، وصمتها لا يقلقه، وحزنها لا يستفزه. وبهذا يتحول البيت إلى مسرح للغياب، لا للحضور.

إن الغربة هنا ليست غربة مكانية، بل غربة داخل العلاقة. فهي تعيش مع رجلها في المكان نفسه، لكنها لا تشعر أنه يشاركها حياتها. ومن هنا تأتي رغبتها في الخروج من البيت، لا باعتباره خروجًا جسديًا فقط، بل لتأكيد محاولة للتنفس والنجاة من اختناق داخلي

الكافيه والرجل الغريب

حين تخرج البطلة من بيتها وتسير في الطرقات بلا هدف، فإنها لا تبحث عن مكان معين، بل تبحث عن نفسها. دخولها الكافيه يمثل انتقالًا من فضاء الإهمال إلى فضاء خارجي قد يمنحها شعورًا عابرًا بالوجود.

لقاؤها بالرجل الغريب ليس محورًا عاطفيًا بالمعنى التقليدي، ولا يمكن قراءته كبديل تعويضي للعلاقة. فهو مجرد حادث عابر، لكنه يترك أثرًا عميقًا في نفسها. والسبب أن نظرة الإعجاب التي شعرت بها منه جاءت في لحظة كانت فيها في أمسّ الحاجة إلى أن يراها أحد.

وهنا تكشف القصة هشاشة النفس حين تُحرم طويلًا من التقدير. فنظرة عابرة من غريب تصبح قادرة على ترميم جزء من ثقتها بنفسها. غير أن البطلة لا تستسلم لهذا الشعور دون وعي أخلاقي؛ فهي سرعان ما توبخ نفسها لأنها فرحت بنظرة رجل آخر غير زوجها. وهذا التوبيخ يكشف أن أزمتها ليست أزمة رغبة في الخيانة، بل أزمة حرمان من الاعتراف.

الرجل الغريب إذن ليس شخصية مؤثرة بذاته، بل رمز لوظيفة نفسية: إنه المرآة الخارجية التي أعادت للبطلة صورتها المنسية كامرأة مرغوبة.

السخرية

بعد عودة البطلة إلى المنزل، تحاول أن تستفز اهتمام زوجها بشكل غير مباشر، فتحكي له عن موقف الكافيه، وتبالغ في وصف إعجاب الرجل بها. كانت تتوقع أن يثور أو يغار أو يشعر بأنها ما زالت مرغوبة. لكنها تتلقى ردًا قاسيًا حين يسخر منها ويقول لها:

"يبدو أنك بدأت سن اليأس مبكرًأ"

هذه الجملة تمثل لحظة كسر حقيقية في النص. فالزوج لا يكتفي بإهمالها، بل يطعن أنوثتها مباشرة. إنه لا يرى في حديثها صرخة ألم، بل مادة للسخرية. ولا يتعامل مع احتياجها بكونه نداءً وجدانيًا، بل باعتباره تفاهة تستحق الاستهزاء.

تمثل هذه السخرية نوعًا من العنف الرمزي؛ فهي لا تترك أثرًا جسديًا، لكنها تجرح الهوية الأنثوية والنفسية للبطلة. وقد شبّه النص أثرها بالماء الساخن الذي سُكب فوق رأسها، في صورة تعبر عن الاشتعال الداخلي الذي سببته هذه الكلمة.

ومن هذه اللحظة تنتقل البطلة من محاولة لفت الانتباه بالكلام إلى محاولة أكثر خطورة: صناعة الغيرة عبر الوهم.

جهاز الرد الآلي والصوت المصطنع

يحتل جهاز الرد الآلي مكانة رمزية مهمة في القصة. فهو في الظاهر وسيلة اتصال، لكنه في العمق يكشف فشل الاتصال الحقيقي بين الزوجين. فحين يعجز الحوار المباشر عن أداء دوره، تلجأ البطلة إلى صوت مزيف.

تسجل البطلة رسالة بصوت رجل يقول كلمات حب وغزل، ثم تترك اللمبة الحمراء تومض كي ينتبه الزوج. إنها تصنع مشهدًا كاملًا لاختبار غيرته، وكأنها تكتب سيناريو صغيرًا داخل حياتها الواقعية.

واللافت أن هذا الصوت المجهول ليس مجرد خدعة، بل تعبير مكثف عن حاجتها المكبوتة. فهو يقول ما كانت تتمنى أن تسمعه من زوجها، ويحرّك فيه ما كانت تتمنى أن تراه في عينيه: الخوف عليها، الغيرة، الاهتمام، الاعتراف بأنها لا تزال مرغوبة.

إلا أن القصة تكشف خطورة هذا المسار. فحين يصبح الحب مصنوعًا، وحين تُستدعى الغيرة بالخداع، فإن النتيجة لا تكون استعادة الحميمية، بل إنتاج الشك.

الغيرة بين الدليل على الحب وبذرة الشك

تفرح البطلة في البداية برد فعل زوجها. فهو ينزعج، يسأل، يبقى في المنزل، ولا يخرج مع أصدقائه كالعادة. تظن أنها نجحت في استعادته. لكنها لا تدرك أن ما استعادته ليس الحبيب، بل الرقيب.

هنا تقدم القصة تمييزًا بالغ الأهمية بين الغيرة باعتبارها شعورًا عابرًا قد يدل على الاهتمام، والشك بتمثيله البنية النفسية المدمرة. فالغيرة التي أرادتها البطلة لم تبق في حدود العاطفة، بل تحولت إلى جدار يفصل بينها وبين زوجها.

لقد بدت الحيلة ناجحة في البداية، لكنها كانت نجاحًا وهميًا. فكل رسالة جديدة كانت تضيف لبنة في جدار الشك، حتى أصبحت البطلة سجينة الحيلة التي صنعتها بيديها. كانت تريد أن تهرب من قسوة الإهمال، فإذا بها تقع في قسوة المراقبة.

ومن هنا تتجلى مأساة الشخصية: لقد أرادت زوجًا يشعر بها، فصنعت زوجًا يشك فيه

اللغة والصورة الفنية

تتميز لغة القصة بكثافة عاطفية واضحة، وتميل إلى التعبير المجازي والصور الحسية. فالكاتبة لا تصف الألم وصفًا مباشرًا فقط، بل تمنحه صورًا ملموسة: قلب مجمد، أضلاع كجمر المواقد، دموع كالندى المالح، زنزانة بمفاتيح من ذهب، حياة على أبواب الخريف.

هذه الصور تجعل الحالة النفسية محسوسة للقارئ. فبدل أن تقول إن البطلة حزينة أو مهملة، تجعلنا نرى الحزن في جسدها، في وجهها، في حركتها، في صمتها، وفي علاقتها بالأشياء حولها.

كما أن اللغة تكشف التناقض بين الداخل والخارج؛ الخارج فخم ومضيء، أما الداخل فبارد ومعتم. ومن هذا التناقض تنشأ شاعرية النص ومرارته.

البعد النفسي للشخصية

البطلة في القصة شخصية مأزومة، لكنها ليست فاقدة للوعي الأخلاقي. فهي تدرك خطورة فرحها بنظرة الرجل الغريب، وتوبخ نفسها. كما أنها لا تسعى إلى علاقة خارج الزواج، بل تبحث عن استعادة زوجها. غير أنها، تحت ضغط الإهمال والجرح، تلجأ إلى وسيلة خاطئة.

وهذا يجعل الشخصية إنسانية ومعقدة. فهي ليست ملاكًا كاملًا، وليست مذنبة بالمعنى الأخلاقي الحاد. إنها امرأة ضعيفة أمام احتياجها، وقوية بما يكفي لتشعر بجرحها، لكنها لا تمتلك الوعي الكافي لاختيار طريق صحي للخروج من الأزمة.

أما الزوج، فيظهر بوصفه نموذجًا للرجل الذي يخلط بين توفير المادة وتحقيق السعادة. فهو يظن، أو يتصرف كما لو كان يظن، أن الرفاهية تكفي. لكنه يفشل في إدراك أن المرأة التي تعيش معه تحتاج إلى كلمة ونظرة وحضور وجداني، لا إلى بيت ممتلئ بالأشياء فقط.

فضلا عن ذلك لا تقدم القصة موعظة مباشرة، لكنها تحمل رسالة واضحة عن خطورة الإهمال العاطفي داخل العلاقة الزوجية. فالإهمال لا يترك الطرف الآخر ساكنًا دائمًا، بل قد يدفعه إلى سلوكيات مرتبكة، لا لأنها تعبر عن فساد داخلي، بل لأنها صرخة مشوهة خرجت من ألم طويل.

كما تؤكد القصة أن الغيرة المصنوعة ليست حبًا، وأن الشك لا يمكن أن يكون بديلًا عن الاهتمام. فالعلاقات التي تفتقر إلى الحوار الصادق تتحول إلى مسرح للتأويلات، وحين يغيب الأمان يصبح كل صوت وكل إشارة وكل وميض قابلًا لأن يوقظ الريبة.

القصة أيضًا تنتقد فكرة الاكتفاء بالمظاهر. فليست الحياة الزوجية بيتًا فخمًا وسيارة غالية ونفقات مدفوعة، بل علاقة تقوم على الإصغاء والاحترام والتقدير. وحين يغيب هذا المعنى، يتحول الترف إلى قيد، والبيت إلى زنزانة، واللمبة الصغيرة إلى إنذار خراب.

تتجلى قيمة قصة "اللمبة الحمرا" في كونها تتجاوز النمطية الشائعة في القصص الأسرية، لتتحول إلى مرثية نقدية عن خطر الإهمال المتراكم والعنف الرمزي داخل العلاقات الزوجية. فالمأساة لا تنبع من شح الموارد أو ضيق العيش، بل من امتلاك كفاية المادة مع فقر الروح؛ حيث يتحول البيت الفاره إلى زنزانة بمفاتيح من ذهب، وتغدو الأنوثة معطلة في ربيع العمر.

لقد لجأت البطلة إلى صناعة الشك عبر اللمبة الحمراء لا لأنها كانت تبحث عن خيانة، بل لأنها كانت تصرخ طلبًا للاهتمام. غير أن صرختها خرجت مشوهة، فلم تصل إلى الزوج كنداء حب، بل وصلت إليه باعتبارها دليلًا على خيانة محتملة. وهكذا انتقلت من جحيم التجاهل إلى جحيم الريبة، ومن زوج مستخف لا يراها إلى سجّان يراقبها.

وتبقى النهاية المفتوحة للقصة محملة بالحسرة؛ فهي لا تقدم خلاصًا سريعًا، بل تترك البطلة في نفق نفسي صنعته بيديها تحت ضغط الجوع العاطفي. ومن هنا تؤكد القصة أن الحب لا يُستجدى بالحيل، وأن الغيرة لا تصلح بديلًا عن الحنان، وأن البيوت التي لا تُبنى على التقدير والحوار الصادق قد تشتعل فيها شرارات الشك من أول وميض أحمر.

إنها قصة عن امرأة لم تطلب أكثر من أن تُرى، لكنها حين اختارت الطريق الخطأ، وجدت نفسها محاصرة بين إهمال قديم وشك جديد. ولهذا تظل «اللمبة الحمرا» نصًا إنسانيًا مؤثرًا عن هشاشة الروح حين تُترك طويلًا بلا دفء، وعن الخطر الكامن في العلاقات التي تبدو كاملة من الخارج، بينما تتآكل من الداخل في صمت.

***

د. نجلاء نصير

...................

اللمبة الحمرا

لم تكن بحاجةٍ إلى كلِّ مظاهرِ الحياةِ المترفةِ التي قدمها لها، كانت تريد فقط رجلًا يعزف "سيمفونيتها"، ويعلّم جوادَ أنوثتها كيف يحلق في السماء، ويعلم دقات قلبها كيف يكون الحنين، تغلق عينيها، وتشعر أنها امتلكت الدنيا بين ذراعيه. تتوضأ من نور عينيه ولهًا وعشقًا، تتراقص على كتفيه جدائلها الغجرية. تسمع كثيرًا عن الحب الجميل، تتساءل: هل الحب يملأ حنايا الوجود، ويرسم خارطة الروح؟! هل الحب يغزو العقل أم القلب؟! لطالما حلمت أن تعيش قصص الحب، لكنها شعرت بقهر الروح.. كيف تهرب من بين القضبان التي صنعتها يداها بقبولها هذا الرجل الذي سلمت له قلبها فوضعه في زنزانةٍ مؤصدةٍ بمفاتيحَ من ذهب؟! فتحت عينيها وهي تقبض بيديها على وسادتها التي بجوارها على السرير تزفر بحسرةٍ وألم، تتلمس بيدها قلبها.. شعرت أنها فقدت دقاته التي جمدتها برودة مشاعره، رغم تأجج أضلاعها كجمر المواقد تريد أن تخرج من صمت الاشتياق. كان الفجر على أعتاب المجيء، أخذت تتمنى أن يأتي بنور جديدٍ يضيء حياتها.. حياتها التي وضعتها على أبواب الخريف وهي ما زالت بنت الربيع. نظرت إلى الساعة؛ فقد مرت ساعتان منذ أغمضت عينيها، ولكنها شعرت أنهما دهرٌ من الزمن منذ أن تشاجرا وتركها وخرج. أسندت رأسها على ظهر السرير، تذكرت بدايةَ معرفتهما، كانت كالوردة اليانعة في حديقة منزل والديها، وفتاةَ أحلامِ شبابِ الحي، لكنه جذبها بوسامته ولسانه الحلو، وسيارته الغالية التي كانت سببًا في بدء العلاقة بينهما؛ حيث صدمت أخاها الصغيرَ وقام هو بدفع مصاريفِ العلاج في المشفى، واعتذر بكل أدب عمّا حدث؛ عندها استطاع أن يمتلك قلبها، لم تكن تعلم أنه سيكون سببًا في كسره أيضًا. نهضت من سريرها، وجلست أمام المرآةِ تتفحص قسمات وجهها المتعب؛ فانتفضت في رعب حين رأت شبحَ أبيها المتوفى في المرآةِ ينظر إليها بحزن وغضب، وكأنه يلومها على اختيارها. اِنبثق الفجر وبدأ النور يعم أركان الغرفةِ؛ فتلاشت صورةُ والدها، وكأن رؤيته محرمةٌ عليها حتى في الخيال. ما زالت متسمرة أمام المرآةِ، ودموعها تتساقط كالندى المالحِ على شفتيها الجافتين المتعطشتين للحب والحنان، شعرت بمجيئه إلى المنزل؛ فقفزت مسرعةً إلى السرير، أغمضت عينيها، دخل الغرفةَ وبدَّل ملابسه، وهو يتحدث بالهاتف دون أن يلتفت إليها، كأنما ليس لها وجود في الغرفةِ، لم ينطق بكلمةٍ واحدة، تسارعت دقات قلبها؛ تريد أن تصرخ في وجهه؛ كي يشعر بها شعرت بأنفاسها وقد توقفت  كما توقف كل شيء في حياتها، يقتلها إحساسها أنها صارت مثل إحدى التحف التي تملأ البيت. انتفضت من السرير، وبدَّلت ملابسها، وخرجت مسرعةً تريد أن تتنفس، أن تتحرر، لا تريد شيئًا غيرَ أن تشعر أنها أنثى. تركت سيارتها، وظلت تسير في الطرقات بلا هدف حتى تعبت قدماها، ودخلت (كافيه) لتشرب فنجانًا من القهوةِ.. كان المحل مزدحمًا، وجدت في الركن منضدة فارغة، ولكن يوجد على إحدى مقاعدها (لاب توب). جلست على المقعد المقابل، فتحت (الموبايل) وأخذت تنظر إلى صورها مع زوجها في شهر العسل، كيف كان رقيقًا ودودًا، وتتساءل: ما الذي حدث ليتغير؟! شعرت بأحدٍ يجلس أمامها، وعلى قدميه حقيبة الـ(لاب توب) عقدت جبينها منزعجةً، وسألته: - من أنت؟ وكيف تجلس دون استئذانٍ؟! ضحك الرجل وعرَّفها إلى نفسه، إنه هو صاحب الـ (لاب توب)، وكان يجلس قبلها في المكان. نهضت بعصبيةٍ، سقط (موبايلها) على الأرض؛ فانحنى ومد يده وأخذه، سحبته من يده بغضبٍ، واتجهت نحو الباب دون أن تنطق بكلمةٍ، لفت انتباهَهُ تصرفُها، لكنه وجد نفسه يسير خلفها. رأته وهي تعبر الشارع ينظر إليها عن بعدٍ؛ انتابها شعورٌ مزدوجٌ: الأول: مضايقتها من هذا الرجل الذي يظهر فجأةً، ويريد أن يراقبها. والآخرُ: أنها رأت في عينيه نظرةَ إعجاب. كم كانت تحتاج هذا الشعورَ الذي غاب عنها من فترةٍ طويلةٍ! عادت إلى منزلها وهي سعيدةٌ بهذا اللقاء الذي دام دقائقَ، ولكنه فَرَقَ معها، فقد أشعرها أنها ما زالت أنثى مرغوبة، وقد أعاد لها ثقتَها بنفسها، لكنها سُرعانَ ما وبخت نفسها.. كيف تفرح بنظراتِ رجلٍ آخرَ غيرِ زوجها؟! اِنتابتها فكرة توقعت أنها ستعيد إليها زوجها، وهي محاولةُ إثارةِ غيرتِهِ عليها.. اِتجهت نحو هاتف المنزل، وبه (أنسر ماشين) سجلت عليه رسالةً واردةً، غيرت من صوتها.. كرجل يقول بعض كلام الحب، والمغازلةِ، دخلت غرفتها، وانتظرت زوجها حتى تستكمل (السيناريو)، وضعت بعض المساحيق على وجهها، وصففت شعرها، وعندما جاء الزوج وجدها آيةً من الجمال، وابتسامتها تشع نورا، ابتسم وتحدث عن جمالها وتغير حالها عن الصباح وتساءل ما سبب التغيير هذا. ابتسمت وتنفست بكل ثقة ودلال قائلة إنها أرادت أن تغير مزاجها السيئ وخرجت تشتم الهواء المنعش في الصباح، وقد صادفها موقف لطيف. استدار لها زوجها بعد أن كان مشغولًا (بالموبايل) وتساءل في اندهاش ما هو هذا الموقف اللطيف. تبسمت ثم حكت موقفها مع الرجل في (الكافيه) وأخذت تزيد من الكلام وأنه ظل يسير خلفها ويسمعها كلمات لطيفة ويعاكسها ويطري على جمالها ورشاقتها و..... قاطعها زوجها بضحكة عالية بسخرية وظل يقلل من حديثها، وأنها تافهة هي والرجل الذي تحكي عنه، وهمس في أذنها: - يبدو أنك بدأت سن اليأس مبكرا. وتركها.. وكأنه سكب الماء الساخن فوق رأسها ليشتعل قلبها وروحها غضبًا لسخريته منها. وصلها إحساس قاتلٌ وهو عدم الاهتمام بها.. تُرى ماذا تفعل لتثير اهتمامه؟! جلسا لتناول الغداء، ثم وجد اللمبة الحمراء في (الأنسر ماشين) تضيء وتنطفئ، علم أن هناك رسالةً في (التليفون)، فتحها، سمع صوتًا يهمس: - أحبك يا جميلة.. متى نتقابل؟ أشتاق إليك جدًّا. انزعج لما سمعه، نادى عليها وسألها: - ما هذه الرسالة؟ أسعدتها غيرتُهُ عليها، حاولت أن تمثل الارتباك وأنكرت معرفتها بهذه الرسالة. ظل في المنزل ولم يخرج مع أصدقائه كالعادة؛ شعرت بأنها استعادت زوجها. توالت الأيام وهي تسجل هذه الرسائل، ويسمعها زوجها، واستمر جدار الشك بينهما يعلو كل يوم ليسجنها خلفه.. كل ما أرادته حبيبا يشعر بها وليس سجانا، لم تكن تعلم أنها زرعت بذور الشك في قلبه وأدخلت نفسها نفقا لا تعرف كيف الخروج منه.

***

للكاتبة منال أمين

 

في المثقف اليوم