عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

عماد خالد رحمة: هندسة الانكسار وجماليات التشظّي الخلّاق

مقاربة بلاغية وأسلوبية وسيميائية وذرائعية ونفسية في قصيدة «هندسة الانكسار» للشاعرة الفلسطينية ماتيلدا عوّاد

ينتمي الشعر العربي المعاصر إلى مرحلة تجاوز فيها الوظيفة الإنشادية المباشرة، ليغدو فضاءً فلسفياً يعيد مساءلة الوجود والذات والهوية. ولم يعد النص الشعري مجرد بناء لغوي، بل أصبح بنيةً معرفيةً تُنتج أسئلتها بقدر ما تنتج صورها، وتستثمر الانزياح والرمز والإيحاء لبناء خطاب يتجاوز حدود القول إلى أفق التأويل.

وتندرج قصيدة «هندسة الانكسار» للشاعرة الفلسطينية ماتيلدا عوّاد ضمن هذا النسق الشعري التأملي؛ فهي لا تتناول الانكسار بوصفه هزيمة، وإنما تعيد هندسته ليغدو طاقةً لإعادة تشكيل الذات. ومن هنا تتحول القصيدة إلى خطاب وجودي يرى أن الإنسان لا يولد كاملاً، وإنما يكتمل عبر تشققات التجربة وآلامها.

مكانة الشاعرة ماتيلدا عوّاد:

تُعدّ ماتيلدا عوّاد من الأصوات الفلسطينية التي تميل إلى القصيدة التأملية القائمة على الاقتصاد اللغوي وكثافة الدلالة. وهي لا تعتمد الخطابة أو المباشرة، بل تؤسس نصوصها على المفارقة الفكرية والصورة الفلسفية، فتغدو اللغة عندها وسيلةً لاكتشاف الإنسان أكثر من كونها أداةً لوصف الواقع.

وفي هذه القصيدة يتراجع الحدث الخارجي ليبرز الحدث الداخلي؛ إذ تتحول التجربة النفسية إلى موضوع شعري قائم بذاته، وهو اتجاه ينسجم مع كثير من تجارب الحداثة الشعرية العربية.

مناسبة القصيدة وعلاقتها بعنوانها:

يحمل عنوان «هندسة الانكسار» مفارقة سيميائية لافتة؛ فالهندسة تحيل إلى النظام والبناء والدقة، بينما يدل الانكسار على التشظي والانهيار. ومن اجتماع الضدين تتولد الفكرة المركزية للنص: الانكسار ليس نهاية البناء، بل بدايته.

فالعنوان ليس تسمية خارجية، وإنما مفتاح تأويلي يسبق النص، ويؤسس منذ اللحظة الأولى لرؤية ترى أن الإنسان يعيد تصميم ذاته بواسطة ما ظنه سبب سقوطه.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية:

سلامة اللغة:

تتميز القصيدة بلغة سليمة، خالية من التعقيد، تقوم على الجمل القصيرة المكثفة، مثل:

«لا تكتمل الذات إلا حين تتصدع.»

فالجملة خبرية، لكنها تؤدي وظيفة الحكمة، وتختزل رؤية النص كلها.

ولعل الملاحظة اللغوية الوحيدة تتمثل في قولها:

«ليس مجرد غياب»

والأفصح: «ليس مجردَ غيابٍ» بتنوين المضاف إليه.

وكذلك خاتمة النص:

«وأطول ظلا»

والأدق إملائياً: «وأطولَ ظلًّا».

عدا ذلك، فاللغة متماسكة، محافظة على نسقها التأملي.

بنية الأسلوب:

يقوم الأسلوب على المفارقة الفكرية أكثر من اعتماده الزخرفة البلاغية.

ففي قولها:

«الفراغ المتروك في أثر الهزيمة ليس مجرد غياب، بل هو المساحة الوحيدة التي يتنفس فيها المعنى.»

يتحول الفراغ من قيمة سلبية إلى فضاء ولادة، وهو انزياح دلالي يمنح النص بعداً فلسفياً.

الانزياح اللغوي والتركيبي:

يكاد النص كله يقوم على الانزياح.

فالذات «تتصدع لتكتمل»، والجرح «يصير مادة خام»، والنجاة «اختراق بطيء للتاريخ الشخصي».

وهذه الصور لا تنتمي إلى المنطق الواقعي، وإنما إلى منطق الشعر.

كما يظهر الانزياح التركيبي في حذف الروابط، مثل:

«النجاة اختراق بطيء للتاريخ الشخصي

أن تطوي المسافة...»

وكان يمكن أن يقال: «هي أن تطوي المسافة...»، غير أن الحذف أسهم في تكثيف الإيقاع وإشراك القارئ في إكمال المعنى.

فصاحة اللفظ:

تعتمد الشاعرة معجماً معاصراً، لكنه فصيح، يجمع بين ألفاظ الوجود:

١- الذات.

٢- المعنى.

٣- التاريخ الشخصي.

٤- الامتداد.

٥- المحو.

وبين ألفاظ الألم:

١- الحطام.

٢- الجرح.

٣- الإعصار.

٤- الانكسار.

وهذا التقابل يصنع الحقل الدلالي للقصيدة.

ثانياً: الإيقاع والمعمار الصوتي:

تنتمي القصيدة إلى قصيدة النثر؛ ومن ثم فهي لا تخضع لبحور الخليل أو التفعيلات المنتظمة، وإنما تعتمد الإيقاع الداخلي.

الموسيقى الداخلية:

تنبع الموسيقى من التوازي التركيبي، كما في:

«بين الامتداد والمحو

بين صمت الانتظار

وجسارة الوقوف...»

ويقوم الإيقاع أيضاً على التقابل بين الألفاظ.

بؤرة التوتر:

تبدأ القصيدة بالتصدع، ثم تنتقل إلى الجرح، فالحطام، فالإعصار، ثم تنتهي بالظل.

وهذا التصاعد يخلق توتراً نفسياً متنامياً حتى الخاتمة.

التكرار:

يتكرر حرف النفي:

١- لا تكتمل

٢- لا ننجو

٣- لا نعيد

وهو ليس نفياً للوجود، وإنما نفي للأوهام.

كما يتكرر حرف «بل» ليعلن انتقالاً دائماً من السلب إلى الإيجاب.

الجناس:

لا نجد جناساً تقليدياً، لكننا نجد تقارباً صوتياً بين:

١- الحطام - الخام.

٢- الامتداد - المحو.

٣- العمق - الغموض.

وهو ما يخلق انسجاماً صوتياً خفياً.

التوازي:

من أجمل مظاهر البناء قولها:

١- أكثر عمقاً

٢- وأشد غموضاً

٣- وأطول ظلاً

إذ يقوم المقطع على توازٍ نحوي وصوتي يرسخ المعنى.

الحروف المهيمنة:

تهيمن حروف الصاد والضاد والطاء:

١- تتصدع.

٢- الحطام.

٣- الظروف.

٤- الظل.

وهي حروف ذات جرس قوي يناسب موضوع الانكسار.

أما حروف الميم والنون فتمنح النص شيئاً من السكينة:

المعنى.

الامتداد.

المحو.

الوقفات والإيقاع النفسي:

اعتمدت الشاعرة ماتيلدا عوّاد البياض بين المقاطع، فصار الصمت جزءاً من الموسيقى، وأصبحت الوقفات تعادل لحظات التأمل.

ثالثاً: البنية الفنية والجمالية:

بلاغياً، تقوم القصيدة على الاستعارة الكلية.

فالانكسار ليس كسراً مادياً، بل بناء جديد.

والجرح يتحول إلى مادة للبناء.

والفراغ يصبح مكاناً يتنفس فيه المعنى.

وهذا التحول يمنح النص طاقة رمزية عالية.

القراءة السيميائية:

يولد النص من شبكة رموز متقابلة:

١- الذات - الفراغ.

٢- الجرح - البناء.

٣- الامتداد - المحو.

٤- الحافة - الوقوف.

وهذه الثنائيات لا تتصارع، بل تتكامل.

فالوجود لا يتحقق إلا باجتماع النقيضين.

القراءة الذرائعية:

وفق المنهج الذرائعي، يحقق النص وظيفة معرفية واضحة؛ فهو لا يصف تجربة فردية، بل يدعو القارئ إلى إعادة تفسير الفشل بوصفه لحظة تأسيس.

وبذلك يتحول النص إلى خطاب نفسي وثقافي يغيّر طريقة النظر إلى الألم.

القراءة النفسية:

تكشف القصيدة عن آلية نفسية تعرف في علم النفس بـإعادة البناء بعد الصدمة؛ إذ لا تدعو إلى إنكار الجرح، وإنما إلى تحويله إلى قوة.

ومن هنا يصبح قولها:

«لا نعيد ترميم الذات لنعود كما كنا.»

رفضاً للحنين المرضي إلى الماضي.

أما خاتمتها:

«بل لنصير شيئاً آخر.»

فتؤكد ولادة هوية جديدة، أكثر نضجاً ووعياً.

خاتمة:

تمثل «هندسة الانكسار» نموذجاً للشعر التأملي الذي يزاوج بين الفلسفة والجمال، ويستثمر اللغة المكثفة لبناء رؤية وجودية ترى أن الإنسان لا يُقاس بما نجا منه، بل بما صنعه من آثار انكساراته.

وقد نجحت ماتيلدا عوّاد في تحويل المفردات اليومية: الجرح، الحطام، الفراغ، الظل إلى علامات رمزية تحمل دلالات إنسانية واسعة، فجاء النص متماسك البناء، عميق الرؤية، متوازن الإيقاع، ثرياً بالانزياحات البلاغية والسيميائية، ومفتوحاً على قراءات متعددة.

إنها قصيدة لا تحتفي بالانكسار لذاته، وإنما تحتفي بقدرة الإنسان على أن يجعل من الشروخ نوافذ، ومن الهزيمة بدايةً أخرى للحياة، وهي بذلك تؤكد أن الشعر الحقيقي لا يصف العالم كما هو، بل يعيد تخيّله كما ينبغي أن يكون.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

.......................

هَنْدَسَةُ الانْكِسَارِ

لا تكتملُ الذاتُ إلا حين تتصدّع

فالفراغُ المتروكُ في أثرِ الهزيمةِ

ليس مجردَ غياب

بل هو المساحةُ الوحيدةُ

التي يتنفسُ فيها المعنى

**

نحنُ لا ننجو بالهربِ من الحطام

ولا بالوقوفِ الأعزلِ أمامَ الإعصار

بل باستحالةِ الجرحِ إلى مادةٍ خام

**

النجاةُ اختراقٌ بطيءٌ للتاريخِ الشخصي

أن تطوي المسافةَ

بين ما كنتَهُ وما أُجبرتَ على أن تكونَه

دون أن تسقطَ من يدِكَ

بوصلةُ السؤال

**

الوجودُ ليس ثباتاً يترسّخ

بل حركةٌ دؤوبةٌ بين الامتدادِ والمحو

بين صمتِ الانتظارِ

وجسارةِ الوقوفِ على الحافة

**

حين تكسرُنا الظروف

لا نُعيدُ ترميمَ الذاتِ لنعودَ كما كنّا

بل لنصيرَ شيئاً آخر…

أكثرَ عمقاً

وأشدَّ غموضاً

وأطولَ ظلاّ

***

ماتيلدا عواد

في المثقف اليوم