يُطلُّ علينا أدب الرسائل كشرفةٍ عتيقة تطلُّ على حدائق الوجدان، نطلُّ منها على خبايا النفوس وصراعات العقول، بعيدًا عن جفاف التقارير وتكلف الدراسات. إنه الفنُّ الذي ظلَّ لقرونٍ يمثل غسل الروح بدموع الصمت، كما وصفه (مكسيم غوركي)، ووسيلة التواصل الأرقى التي امتزج فيها الحبر بدم الشوق، والورق بنبضات الحنين. لكننا اليوم، ونحن نقف على أعتاب عصر السيولة الرقمية، نجد هذا الفنَّ يقف على حافة الاندثار، مهددًا بالتحول إلى ذكرى متحفية تشبه فن المقامة الذي طواه النسيان.
إنَّ تراجع أدب الرسائل في عصرنا الراهن ليس مجرد مصادفة تقنية، بل هو أزمة إحساس في المقام الأول. فالرسالة في جوهرها تقتاتُ على المسافة وتتغذى على الغياب. وكما يشير المتأملون في هذا الشأن، فإنَّ الأدوات الحديثة سحقت مسمى الاغتراب؛ فالعين إذا ألِفت النظر، فقدَ القلبُ توهجه. عندما كان (جبران خليل جبران) يكتب لـ(مي زيادة) من مغارب الأرض إلى مشارقها، كانت السبعة آلاف ميل والبحار المنبسطة هي التي تمنح الكلمات قدسيتها، وهي التي جعلت تلك العاطفة تدوم عشرين عامًا دون لقاء جسدي، مكتفيةً بعالم الفكر والخيال الضبابي. اليوم، ومع الواقع الافتراضي، بات الجميع معنا في أدق تفاصيل حياتهم، فخمدت جمرة القلب، وخرج المسطور فاقدًا للحياة، منزوع الحنين.
ولعلَّ أجمل ما في هذا الفن هو قدرته على توثيق حالات الحب من طرف واحد أو العشق الممتنع. نجد ذلك في رسائل (ولي الدين يكن) إلى (مي زيادة)، وهو الذي كان يضع قبلة هي أجمل زهرة في ربيع الأمل تحت قدميها، رغم يقينه أن قلبها معلق بـ(جبران) المجتبى البعيد. ونجدها في "أوراق الورد" للـ(رافعي)، الذي لم يرد من الحب إلا الفن، مؤمنًا بأن الهجر هو الوقود الحقيقي للإبداع. إن الرسائل هنا ليست مجرد أخبار، بل هي استنزاف شعوري يحول الألم الشخصي إلى نص كوني، كما فعل (شكسبير) في سونيتاته، أو (تشيخوف) في رسائله العائلية التي كشفت عن إنسانٍ يصارع الضعف واليأس بصدقٍ عارٍ.
لكنَّ هذا البوح الصادق يثير إشكالية أخلاقية وأدبية: هل يجوز نشر الرسائل الشخصية؟ هناك من يرى في ذلك خيانة، كما فعلت (غادة السمان) حين نشرت رسائل (غسان كنفاني)، معتبرين أن الرسالة التي تُكتب وفي نية صاحبها النشر مسبقًا تفقد عفويتها وتلقائيتها وتصبح نصًا متكلفًا. وفي المقابل، هناك من يرى فيها كنزًا إنسانيًا وتوثيقيًا لا يجوز إخفاؤه. ومن الأمثلة المشرقة في عصرنا الحديث، ما قامت به الأديبة (رنا أبو حنا)، حين نشرت رسائل والدها الكاتب (أنيس رشيد أبو حنا) إلى والدتها، وهي رسائل تطفح بالعشق والجمال، وتنقل صورة حية للعلاقات الاجتماعية في حقبة زمنية مضت، مؤكدة أن الرسالة هي نبض مشاعر وجيشان عاطفة.
وعلى الرغم من طغيان الشاشات المضيئة التي تجمد الإحساس، لا تزال هناك محاولات واعدة لإحياء هذا الفن. نجد ذلك في تجربة الأديب (محمد بركات) الذي يسعى لاستثارة مكامن الجمال عبر رسائله للأدباء، وفي كتاب "رسائل من القدس وإليها" للأديب (جميل السلحوت) والكاتبة (صباح بشير). هذا الكتاب يمثل نموذجًا للرسائل كبوح وتوثيق، حيث امتزجت فيه السيرة الذاتية بالقضايا الوطنية والاجتماعية. فبينما كشف (السلحوت) بجرأة عن تفاصيل حياته ورحلاته إلى بلاد العم سام منتقدًا ثقافة الهبل وتقديس الجهل، ركزت الكاتبة (صباح بشير) على وصف النفس الإنسانية وعشق الكتابة، مما جعل من الرسائل مرآة للهوية والوجع الفلسطيني المعاصر.
إنَّ أدب الرسائل ليس مجرد ترف فكري، بل هو ضرورة إنسانية. إنه العمل المرهق الذي يمنح لذة لا تفوقها لذة، كما وصفه (ميخائيل نعيمة). فمجرد الانحناء على ورقة بيضاء في دجى الليل، واختيار الكلمات بعناية لتصل إلى قلبٍ ينتظر، هو فعلُ مقاومة ضد سرعة العصر وسطحيته. إن الرسائل "المشعوطة" التي نتبادلها اليوم عبر وسائل التواصل تفتقر إلى رائحة الورق وهيبة القلم.
ختامًا، إنَّ إنقاذ أدب الرسائل من الاندثار هو إنقاذٌ لجزء من إنسانيتنا. علينا أن ندرك أن القلم هو السلطان الحقيقي، وأن في الرسائل متعة لا تضاهى، فهي التي تحفظ وجدنا وتوقنا في عالم بات يضج بالضجيج الفارغ. وكما قال (جورج صيدح) حين وصلته رسالة صديق: الحروف لها شفاهٌ تُشتهى. فهل نملك الجرأة اليوم لنمسك بالقلم، وننبذ ملذات العالم الرقمي السريعة، لنكتب رسالة حقيقية تعيد للقلب توهجه؟ إن المحاولة تستحق، لأننا متى أدركنا مجد القلم، هانت لدينا كل أمجاد الأرض.
***
رمزي ميركاني








