عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

منير محقق: البنيوية التكوينية وآفاق تجديد النقد الأدبي

من سوسيولوجيا الأدب إلى تحليل البنية الدالة

على سبيل الافتتاح: شهد النقد الأدبي خلال النصف الثاني من القرن العشرين تحولات معرفية عميقة أسهمت في إعادة النظر في طبيعة النص الأدبي ووظيفته وآليات إنتاجه للمعنى، فلم يعد النص ينظر إليه بوصفه بنية لغوية مغلقة أو انعكاسا مباشرا للواقع الاجتماعي، وإنما أصبح فضاء تتقاطع فيه الأبعاد الجمالية والفكرية والتاريخية والثقافية. وقد أفرز هذا التحول ظهور مناهج نقدية متعددة سعت إلى تجاوز محدودية المناهج التقليدية، ومن أبرزها البنيوية التكوينية التي ارتبطت بالمفكر والناقد الفرنسي لوسيان غولدمان، الذي حاول إقامة مصالحة معرفية بين التحليل البنيوي والدراسة الاجتماعية للأدب.

وانطلقت البنيوية التكوينية من رؤية نقدية تؤكد أن العمل الأدبي ليس انعكاسا آليا للواقع، ولا مجرد بناء لغوي مستقل عن سياقه، وإنما هو بنية دالة تتجسد فيها رؤية جماعة اجتماعية للعالم، يعيد المبدع تشكيلها في قالب فني متماسك. ومن ثمّ، فإن فهم النص لا يكتمل إلا بالجمع بين تحليل بنيته الداخلية والكشف عن امتداداته الاجتماعية والتاريخية والثقافية، وهو ما جعل هذا المنهج يمثل مرحلة متقدمة في تطور النقد الاجتماعي، متجاوزا النزعة الانعكاسية التي اختزلت الأدب في كونه مرآة مباشرة للواقع.

وقد أسهم غولدمان في إغناء هذا التصور عبر بناء جهاز مفاهيمي متكامل يقوم على مفاهيم مركزية، مثل: رؤية العالم، والبنية الدالة، والفهم والتفسير، والوعي الفعلي، والوعي الممكن، وهي مفاهيم مكنت من إعادة صياغة العلاقة بين الأدب والمجتمع على أساس جدلي يراعي استقلالية الإبداع الفني من جهة، وارتباطه بالشروط التاريخية والاجتماعية من جهة أخرى. وبهذا تجاوزت البنيوية التكوينية كثيرا من الثنائيات التقليدية، مثل ثنائية الشكل والمضمون، والفرد والجماعة، والنص والسياق، لتقدم تصورا أكثر شمولا لعملية الإبداع الأدبي.

وتتجلى أهمية هذا المنهج في قدرته على الجمع بين الصرامة المنهجية والانفتاح الفكري، إذ يبدأ بتحليل النص من داخله للكشف عن بنيته الدالة، ثم ينتقل إلى تفسير هذه البنية في ضوء الوعي الجمعي الذي تنتمي إليه الجماعة المنتجة للنص، وهو ما يمنح القراءة النقدية بعدا معرفيًا يتجاوز الوصف إلى تفسير آليات إنتاج المعنى ودلالاته الحضارية.

ورغم ما تعرضت له البنيوية التكوينية من مراجعات وانتقادات، فإنها لا تزال تحتفظ بمكانة مرموقة في الدراسات الأدبية المعاصرة، لأنها قدمت نموذجا نقديا استطاع أن يوازن بين استقلالية النص وارتباطه بالواقع، وأن يجعل من الأدب وثيقة ثقافية تكشف عن تحولات المجتمع ورؤيته للعالم، دون أن تفقد خصوصيتها الجمالية.

وانطلاقا من ذلك، تسعى هذه الدراسة إلى إعادة قراءة مشروع لوسيان غولدمان في ضوء تطورات النقد الأدبي الحديث، من خلال الوقوف عند أسسه النظرية، وتحليل أبرز مفاهيمه الإجرائية، وبيان إسهامه في تجديد المنهج الاجتماعي، مع تقويم أهم منجزاته وحدوده المعرفية، وصولا إلى إبراز مكانة البنيوية التكوينية باعتبارها واحدة من أكثر المناهج النقدية قدرة على تفسير العلاقة المركبة بين الإبداع الأدبي والبنية الاجتماعية.

إشكالية الدراسة:

تمثل البنيوية التكوينية إحدى أبرز المحطات في تاريخ النقد الأدبي الحديث، إذ استطاعت أن تقدم تصورا نظريا جديدا للعلاقة بين الأدب والمجتمع، قائما على تجاوز الثنائية التقليدية التي تفصل بين التحليل الشكلي للنص والدراسة الاجتماعية لمضامينه. فقد سعى لوسيان غولدمان إلى بناء منهج نقدي يجمع بين البنية الداخلية للنص والظروف التاريخية والاجتماعية التي أنتجته، مستندا إلى رؤية جدلية تجعل الإبداع الأدبي تعبيرا عن رؤية جماعية للعالم أكثر من كونه انعكاسا مباشرا للواقع أو تعبيرا عن تجربة فردية معزولة.

ورغم المكانة التي احتلتها البنيوية التكوينية في الفكر النقدي المعاصر، فإنها ما تزال تثير العديد من الأسئلة المرتبطة بفاعلية مفاهيمها الإجرائية، وحدود قدرتها على تفسير الظاهرة الأدبية، ومدى نجاحها في تحقيق التوازن بين خصوصية النص الأدبي وبين ارتباطه بالبنيات الاجتماعية والتاريخية. كما أن التطورات التي عرفتها المناهج النقدية الحديثة تفرض إعادة قراءة هذا المشروع للكشف عن عناصر قوته، ورصد جوانب القصور فيه، واستجلاء مدى راهنيته في قراءة النصوص الأدبية المعاصرة.

ومن هنا تنطلق هذه الدراسة من الإشكالية الآتية:

إلى أي حد استطاعت البنيوية التكوينية عند لوسيان غولدمان أن تؤسس منهجا نقديا متكاملا يجمع بين التحليل البنيوي والدراسة الاجتماعية، وأن تقدم تصورا جديدا لفهم العلاقة بين النص الأدبي والواقع التاريخي والاجتماعي؟

وتتفرع عن هذه الإشكالية مجموعة من الأسئلة الفرعية:

ما الظروف الفكرية والمعرفية التي أسهمت في نشأة البنيوية التكوينية؟

ما المرتكزات الفلسفية والمنهجية التي يقوم عليها مشروع لوسيان غولدمان؟

كيف أسهمت مفاهيم الفهم والتفسير، والبنية الدالة، والوعي الممكن، ورؤية العالم في بناء هذا المنهج؟

ما أوجه الاختلاف بين البنيوية التكوينية والبنيوية الشكلية والمناهج الاجتماعية التقليدية؟

ما القيمة العلمية التي أضافتها البنيوية التكوينية إلى النقد الأدبي الحديث؟

وما أبرز الملاحظات والانتقادات التي وُجهت إليها في ضوء تطور الدراسات النقدية المعاصرة؟

فرضيات الدراسة:

تنطلق الدراسة من جملة من الفرضيات، لعل من أهمها:

أن البنيوية التكوينية تمثل تطورا نوعيا في مسار النقد الاجتماعي؛ لأنها تجاوزت التفسير الانعكاسي المباشر للأدب.

أن مفهوم البنية الدالة يشكل حجر الزاوية في المشروع النقدي الغولدماني، ويمنح النص استقلاليته الجمالية دون فصله عن سياقه التاريخي والاجتماعي.

أن الجمع بين مرحلتي الفهم والتفسير أتاح قراءة أكثر شمولا للعمل الأدبي، تربط بين بنيته الداخلية ورؤيته الفكرية.

أن البنيوية التكوينية، رغم أهميتها، لا تخلو من حدود منهجية تجعلها مشروعا مفتوحا للتطوير والمراجعة.

أهداف الدراسة:

تروم هذه الدراسة إلى تحقيق مجموعة من الأهداف، لعل من أبرزها ما يلي:

التعريف بالبنية الفكرية والمنهجية للبنيوية التكوينية عند لوسيان غولدمان.

إبراز الأسس الفلسفية والاجتماعية التي يقوم عليها هذا المنهج النقدي.

تحليل أهم المفاهيم الإجرائية المؤسسة للبنيوية التكوينية وبيان وظائفها في قراءة النصوص الأدبية.

الكشف عن طبيعة العلاقة بين الإبداع الأدبي والبنية الاجتماعية من منظور غولدمان.

تقويم القيمة العلمية للبنيوية التكوينية، وإبراز إسهامها في تطوير النقد الأدبي الحديث.

الوقوف عند أبرز الملاحظات النقدية التي وُجهت إلى هذا المنهج في ضوء التحولات المعرفية المعاصرة.

أهمية الدراسة:

تتجلى أهمية هذه الدراسة في كونها تعيد قراءة أحد أكثر المناهج النقدية تأثيرا في الدراسات الأدبية الحديثة، وهو المنهج الذي نجح في تجاوز التقابل التقليدي بين الشكل والمضمون، وبين النص والواقع، ليؤسس رؤية متكاملة تجعل العمل الأدبي بنية دالة تتفاعل فيها الأبعاد الجمالية والاجتماعية والفكرية.

كما تستمد الدراسة أهميتها من سعيها إلى تقديم قراءة علمية تجمع بين التأصيل النظري والتحليل النقدي، بما يسهم في تعميق الوعي بالمناهج النقدية الحديثة، وإبراز القيمة المعرفية للبنيوية التكوينية في فهم الظاهرة الأدبية وتفسيرها، مع بيان حدودها وإمكانات الإفادة منها في قراءة النصوص الأدبية العربية والمعاصرة.

البنيوية التكوينية: النشأة والمرجعيات الفكرية والأسس المنهجية:

نشأة البنيوية التكوينية وسياقها الفكري:

لم تظهر البنيوية التكوينية في فراغ معرفي، بل جاءت ثمرةً لتحولات فكرية ومنهجية شهدتها الساحة النقدية الأوروبية خلال القرن العشرين، حين بدأت المناهج التقليدية تعجز عن تقديم تفسير شامل للظاهرة الأدبية. فقد انقسم النقاد آنذاك بين اتجاهين متعارضين، أولهما البنيوية الشكلية التي حصرت اهتمامها في البنية الداخلية للنص وعدّت العمل الأدبي نسقا لغويا مستقلا عن سياقه الاجتماعي والتاريخي، وثانيهما المناهج الاجتماعية ذات النزعة الانعكاسية التي نظرت إلى الأدب بوصفه مرآة مباشرة للواقع، فاختزلت قيمته الجمالية في وظيفته الاجتماعية.

وفي ظل هذا التباين المنهجي برز مشروع لوسيان غولدمان بوصفه محاولة جادة لتجاوز هذا الانقسام، حيث سعى إلى إقامة حوار معرفي بين البنيوية والمنهج الاجتماعي، مستفيدا من الفلسفة الجدلية والمادية التاريخية، دون أن يقع في النزعة الحتمية التي ميزت بعض القراءات الماركسية التقليدية. فقد رأى أن النص الأدبي لا يمكن أن يُفهم بمعزل عن المجتمع، كما لا يجوز اختزاله في ظروف إنتاجه الخارجية، لأن له نظاما داخليا يفرض آلياته الخاصة في إنتاج الدلالة.

ومن هنا نشأت البنيوية التكوينية باعتبارها منهجا يسعى إلى الكشف عن العلاقة الجدلية بين البناء الفني للنص وبين البنيات الفكرية والاجتماعية التي أنتجته، بحيث يغدو العمل الأدبي تعبيرا عن رؤية جماعية للعالم، يعيد المبدع تشكيلها في صورة فنية تمتلك استقلالها الجمالي.

 المرجعيات الفكرية للبنيوية التكوينية:

استندت البنيوية التكوينية إلى مجموعة من المرجعيات الفكرية التي شكلت بنيتها النظرية، ويمكن إجمالها في ثلاثة روافد أساسية:

أولها الفلسفة الجدلية، التي أكدت أن الظواهر الإنسانية لا تدرس في عزلة، وإنما في إطار العلاقات المتبادلة التي تربط عناصرها داخل نسق متحرك ومتطور. وقد انعكس هذا التصور على رؤية غولدمان للأدب، فاعتبر النص بنية حية تتفاعل باستمرار مع محيطها الاجتماعي والتاريخي.

أما المرجعية الثانية فتتمثل في المادية التاريخية، غير أن غولدمان لم يتبنها بصيغتها الحتمية، بل أعاد توظيفها بما يجعل الأدب تعبيرا عن الوعي الجمعي للجماعات الاجتماعية، لا مجرد انعكاس ميكانيكي للبنية الاقتصادية. فالعمل الأدبي عنده يكتسب قيمته من قدرته على تمثيل رؤية فكرية تتجاوز الفرد إلى الجماعة التي ينتمي إليها.

وتتمثل المرجعية الثالثة في البنيوية، إذ استفاد غولدمان من اهتمامها بتحليل العلاقات الداخلية المكونة للنص، لكنه رفض تحويل البنية إلى نظام مغلق منفصل عن التاريخ، مؤكدا أن كل بنية أدبية هي بنية متحركة تتشكل داخل سياق اجتماعي وثقافي معين.

الأسس المنهجية للبنيوية التكوينية:

يقوم المنهج البنيوي التكويني على جملة من المبادئ التي تمنحه خصوصيته داخل المناهج النقدية الحديثة.

أول هذه المبادئ أن النص الأدبي وحدة متكاملة لا تقرأ من خلال عناصرها الجزئية فحسب، وإنما من خلال العلاقات التي تربط تلك العناصر داخل نسق دلالي منسجم. ولذلك يبدأ التحليل من داخل النص قبل الانتقال إلى تفسير علاقته بالعالم الخارجي.

وثانيها أن الإبداع الأدبي ليس إنتاجا فرديا خالصا، بل هو تعبير فني عن رؤية جماعية للعالم، يمثل فيها الكاتب الوسيط الذي يمنح الوعي الجمعي صياغة جمالية قادرة على تجاوز حدود التجربة الشخصية.

أما المبدأ الثالث فيتمثل في العلاقة الجدلية بين الفهم والتفسير، فالفهم يعني الكشف عن البنية الداخلية للنص، في حين يهدف التفسير إلى ربط هذه البنية بالشروط الاجتماعية والتاريخية التي أسهمت في تشكلها. وبهذا يتحول النقد من مجرد وصف للنص إلى تحليل يفسر آليات إنتاج معناه.

ويؤكد غولدمان كذلك أن الناقد لا ينبغي أن يتوقف عند المستوى اللغوي أو الأسلوبي، بل يتعين عليه البحث عن الرؤية الفكرية الكامنة خلف البناء الفني، باعتبارها العنصر الذي يمنح النص وحدته الدلالية ويكشف موقعه داخل البنية الثقافية للمجتمع.

خصوصية البنيوية التكوينية في النقد الأدبي:

تتجلى خصوصية البنيوية التكوينية في قدرتها على الجمع بين التحليل البنيوي والدراسة الاجتماعية دون أن يطغى أحدهما على الآخر. فهي لا تذيب النص في الواقع، كما لا تفصله عن شروط إنتاجه، وإنما تنظر إليه بوصفه بناء فنيا يعبر عن تجربة جماعية تتجسد في رؤية للعالم ذات أبعاد تاريخية وفكرية وثقافية.

ولهذا استطاعت البنيوية التكوينية أن تقدم تصورا أكثر توازنا للعلاقة بين الأدب والمجتمع، وأن تؤسس قراءة نقدية تتجاوز التفسير الأحادي للظاهرة الأدبية، لتجعل من النص فضاء تتفاعل فيه البنية الجمالية مع الوعي الاجتماعي في إطار جدلية مستمرة. ومن هذا المنطلق احتلت مكانة بارزة في الدراسات الأدبية الحديثة، وأصبحت إحدى أهم المحطات في مسار تطور النقد الاجتماعي المعاصر، لما أتاحته من إمكانات جديدة لفهم العمل الأدبي وتحليل بنياته العميقة في ضوء سياقه الحضاري والفكري.

 المفاهيم المركزية في البنيوية التكوينية:

إذا كانت البنيوية التكوينية قد استطاعت أن تفرض حضورها داخل حقل النقد الأدبي الحديث، فإن ذلك يعود أساسا إلى الجهاز المفاهيمي الذي شيده لوسيان غولدمان، والذي أتاح تجاوز القراءات الاختزالية للنص الأدبي. فقد بنى غولدمان منهجه على شبكة مترابطة من المفاهيم الإجرائية، لا تعمل بصورة منفصلة، وإنما تتكامل فيما بينها لتفسير العلاقة الجدلية بين البنية الأدبية والواقع الاجتماعي. ويأتي في مقدمة هذه المفاهيم: رؤية العالم، والبنية الدالة، والوعي الفعلي، والوعي الممكن، ثم ثنائية الفهم والتفسير، وهي مفاهيم أصبحت تمثل الأساس النظري الذي تقوم عليه البنيوية التكوينية.

رؤية العالم:

يعد مفهوم رؤية العالم أكثر المفاهيم مركزية في مشروع غولدمان، حيث ينطلق من أن كل عمل أدبي مهم يجسد تصورا متكاملا للإنسان والوجود والمجتمع، وليس مجرد تعبير عن انفعالات ذاتية أو مواقف فردية عابرة. فالنص الأدبي، في نظره، يحمل رؤية فكرية تنتمي إلى جماعة اجتماعية معينة، ويقوم الكاتب بإعادة صياغتها في صورة فنية تتسم بالوحدة والانسجام.

ولا يقصد غولدمان برؤية العالم مجموع الأفكار التي يصرح بها الكاتب بصورة مباشرة، وإنما يقصد النسق العميق الذي يحكم العلاقات الداخلية للنص، ويمنحه وحدته الدلالية. ولذلك فإن مهمة الناقد لا تقتصر على تحليل اللغة أو الأسلوب، بل تمتد إلى الكشف عن هذه الرؤية الكامنة التي تنتظم مختلف عناصر العمل الأدبي.

وتنبع أهمية هذا المفهوم من كونه يفسر قدرة الأدب على تجاوز التجربة الفردية ليصبح معبرا عن هموم جماعة اجتماعية بأكملها، وهو ما يجعل النص الأدبي وثيقة ثقافية تعكس مستوى الوعي الذي بلغته تلك الجماعة في مرحلة تاريخية محددة.

 البنية الدالة:

يرى غولدمان أن العمل الأدبي ليس تجمعا عشوائيا للعناصر اللغوية أو الفنية، وإنما هو بنية دالة تتحدد قيمتها من خلال العلاقات التي تربط بين مكوناتها المختلفة. فالمعنى لا يكمن في عنصر منفرد، وإنما يتولد من شبكة العلاقات التي تؤلف النص وتمنحه وحدته الداخلية.

ومن هذا المنطلق، لا يكتفي الناقد بوصف الصور أو الشخصيات أو الأحداث، وإنما يسعى إلى اكتشاف النظام الذي يحكم ترابطها، لأن هذا النظام هو الذي يكشف الرؤية الفكرية الكامنة وراء العمل الأدبي. وهكذا تصبح البنية وسيلة لإنتاج الدلالة، لا مجرد إطار شكلي لتنظيم المادة الأدبية.

ويمثل مفهوم البنية الدالة نقطة التقاء بين البنيوية والمنهج الاجتماعي؛ فهو يحافظ على استقلالية النص من خلال تحليل بنيته الداخلية، وفي الوقت نفسه يربط هذه البنية بالشروط الفكرية والاجتماعية التي أفرزتها، دون الوقوع في التفسير الحتمي أو الاختزال الإيديولوجي.

الوعي الفعلي والوعي الممكن:

يميز غولدمان بين مستويين من الوعي داخل الجماعات الاجتماعية، هما: الوعي الفعلي والوعي الممكن.

فالوعي الفعلي هو مستوى الإدراك الذي تعيشه الجماعة في واقعها اليومي، بما يحمله من تناقضات وصراعات وحدود تفرضها الظروف التاريخية والاجتماعية. أما الوعي الممكن فهو الصورة التي يمكن أن يبلغها هذا الوعي إذا استطاع تجاوز تلك القيود وتحقيق قدر أكبر من الانسجام الفكري والاجتماعي.

ويؤكد غولدمان أن الأدب لا يقتصر على تصوير الواقع كما هو، وإنما يستشرف إمكاناته الكامنة، ولذلك فإن الكاتب المبدع يستطيع أن يعبر عن الوعي الممكن لجماعته أكثر مما يعبر عن وعيها الفعلي. ومن هنا يكتسب الأدب بعده الاستشرافي، لأنه لا يكتفي بوصف العالم، بل يفتح آفاقا جديدة لتغييره وإعادة بنائه.

ولهذا لا يمثل النص الأدبي انعكاسا مباشرا للواقع، وإنما يعيد تشكيله في ضوء رؤية نقدية تستحضر ما يمكن أن يكون، لا ما هو كائن فقط، وهو ما يمنح الإبداع الأدبي طابعه الإنساني والحضاري.

 الفهم والتفسير:

اعتمد غولدمان منهجا يقوم على مرحلتين متكاملتين هما الفهم والتفسير، وعدّ الفصل بينهما سببا رئيسا في قصور كثير من المناهج النقدية.

ويقصد بالفهم تحليل البناء الداخلي للنص، والكشف عن العلاقات التي تربط بين عناصره المختلفة، وصولا إلى تحديد البنية الدالة التي تمنحه وحدته الفنية والفكرية. ويمثل الفهم مرحلة داخلية تنطلق من النص نفسه دون الاستعانة بالعوامل الخارجية.

أما التفسير، فيأتي بعد ذلك، ويتمثل في ربط هذه البنية بالسياق الاجتماعي والتاريخي الذي نشأت فيه، والكشف عن رؤية العالم التي تعبر عنها الجماعة الاجتماعية التي ينتمي إليها المبدع.

وبهذا تتحقق القراءة العلمية المتكاملة، إذ لا يتحول النص إلى وثيقة اجتماعية مجردة، ولا يبقى في الوقت نفسه بناءً لغويا مغلقا، وإنما يصبح ظاهرة ثقافية تتداخل فيها الأبعاد الجمالية والفكرية والتاريخية.

 تكامل المفاهيم في بناء المنهج:

تكشف المفاهيم السابقة عن أن البنيوية التكوينية ليست مجرد مجموعة من المصطلحات المتفرقة، وإنما هي نسق نظري متكامل يقوم على الترابط بين عناصره." فرؤية العالم " تمنح العمل الأدبي وحدته الفكرية، و " البنية الدالة " تكشف تنظيمه الداخلي، ويمثل " الوعي الممكن " الأفق الذي يتجاوزه النص نحو المستقبل، بينما يوفر "الفهم والتفسير " الآلية المنهجية التي تسمح بقراءة النص قراءة تجمع بين التحليل البنيوي والتفسير الاجتماعي.

ومن ثم، استطاع غولدمان أن يقدم نموذجا نقديا يجمع بين دقة التحليل البنيوي وعمق الرؤية الاجتماعية، مؤسسا بذلك أحد أكثر المناهج تأثيرا في النقد الأدبي المعاصر، وهو منهج لا يزال يحتفظ بقيمته العلمية لما يتيحه من إمكانات واسعة لفهم العلاقة المركبة بين الإبداع الأدبي والبنية الحضارية للمجتمع.

 القيمة العلمية للبنيوية التكوينية وحدودها النقدية:

شكلت البنيوية التكوينية منعطفا بارزا في تاريخ النقد الأدبي الحديث حيث لم تقتصر على تطوير المنهج الاجتماعي، بل أعادت صياغة العلاقة بين الأدب والمجتمع وفق رؤية معرفية جديدة تجمع بين التحليل البنيوي والتفسير الاجتماعي. وقد أكسبها هذا التصور مكانة متميزة بين المناهج النقدية، وجعلها أحد أكثر المشاريع الفكرية تأثيرا في الدراسات الأدبية خلال النصف الثاني من القرن العشرين. غير أن هذا المنهج، شأنه شأن سائر المناهج النقدية، لم يسلم من المراجعات والانتقادات التي كشفت عن حدوده النظرية والتطبيقية.

 القيمة العلمية للبنيوية التكوينية:

تتمثل أولى الإضافات التي قدمتها البنيوية التكوينية في تجاوزها الثنائية التقليدية التي كانت تفصل بين الشكل والمضمون، حيث أثبتت أن البناء الفني للنص لا ينفصل عن دلالته الفكرية والاجتماعية، وأن القيمة الجمالية للعمل الأدبي تتولد من العلاقات التي تربط بين عناصره الداخلية، لا من موضوعه أو لغته وحدهما. ومن ثم، أصبح النص يقرأ باعتباره نسقا متكاملا تتفاعل فيه الأبعاد الجمالية والفكرية والتاريخية في آن واحد.

كما أسهم هذا المنهج في تجديد النقد الاجتماعي، من خلال رفضه للتفسير الانعكاسي الذي كان يعد الأدب صورة مباشرة للواقع. فقد أكد غولدمان أن الإبداع الأدبي لا يعكس المجتمع بصورة آلية، وإنما يعيد بناء الواقع وفق رؤية فكرية وجمالية تجعل النص قادرا على تجاوز حدود اللحظة التاريخية إلى أفق إنساني أكثر شمولا.

ومن أبرز إسهامات البنيوية التكوينية أيضا أنها منحت مفهوم رؤية العالم مكانة مركزية في التحليل الأدبي، وهو ما أتاح للناقد الانتقال من دراسة الجزئيات إلى البحث عن النسق الفكري الذي ينتظم العمل الأدبي بأكمله. وبهذا لم يعد الاهتمام منصبا على تحليل الشخصيات أو الأحداث أو الصور البلاغية في حد ذاتها، وإنما على الكشف عن العلاقات العميقة التي توحدها داخل بناء دلالي متكامل.

وقد ساعد هذا التصور على تطوير أدوات القراءة النقدية، إذ أصبح الناقد مطالبا بالانتقال من الوصف إلى التفسير، ومن تحليل البنية الظاهرة إلى استكشاف بنيتها العميقة، وربطها بالوعي الجمعي للجماعة الاجتماعية التي يمثلها النص. وبذلك تجاوز النقد الأدبي حدود التحليل اللغوي ليصبح أداة لفهم الظواهر الثقافية والحضارية.

ومن الجوانب التي أكسبت البنيوية التكوينية قيمتها العلمية أيضا أنها قدمت تصورا متوازنا للعلاقة بين الفرد والجماعة؛ فهي لا تنكر خصوصية المبدع وإبداعه، لكنها ترى أن العبقرية الأدبية الحقيقية تكمن في قدرة الكاتب على التعبير عن تطلعات جماعته، وصياغة رؤيتها للعالم في صورة فنية تتجاوز حدود التجربة الفردية.

 أثر البنيوية التكوينية في النقد الأدبي:

أثرت البنيوية التكوينية تأثيرا واضحا في كثير من الاتجاهات النقدية اللاحقة، ولا سيما الدراسات السوسيولوجية والثقافية التي سعت إلى الجمع بين تحليل النص وتحليل أنساقه الاجتماعية والفكرية. كما أسهمت في توسيع مفهوم القراءة النقدية، فلم يعد النص يدرس بمعزل عن سياقه الحضاري، ولا أصبح السياق وحده كافيا لتفسير النص، بل غدت العلاقة بينهما علاقة تكامل وجدلية مستمرة.

وقد انعكس هذا التأثير في عدد كبير من الدراسات الأدبية المقارنة، وفي بحوث سوسيولوجيا الأدب، وفي النقد الثقافي، التي استفادت من مفاهيم غولدمان، خاصة مفهوم " رؤية العالم " ومفهوم " البنية الدالة "، مع إعادة توظيفها بما ينسجم مع التحولات المعرفية التي عرفتها العلوم الإنسانية.

 حدود البنيوية التكوينية والانتقادات الموجهة إليها:

على الرغم من القيمة العلمية الكبيرة للبنيوية التكوينية، فإنها تعرضت لعدد من الانتقادات، كان أبرزها أنها منحت الجماعة الاجتماعية دورا محوريا في إنتاج المعنى، الأمر الذي أدى حسب رأي بعض النقاد إلى تقليص مساحة الإبداع الفردي، وإضعاف خصوصية التجربة الذاتية للمبدع. كما رأى بعض الباحثين أن مفهوم " رؤية العالم " يتسم بدرجة من العمومية تجعل تحديده داخل النصوص الأدبية أمرا غير يسير، خاصة في الأعمال التي تتعدد فيها الأصوات والرؤى الفكرية، أو التي تقوم على التناقض والتشظي بدل الوحدة والانسجام.

وانتقد المنهج أيضا لأنه يفترض وجود قدر كبير من التماسك داخل البنية الاجتماعية، في حين أن المجتمعات الحديثة تعرف تعددا في المرجعيات الثقافية والإيديولوجية، مما يجعل الحديث عن رؤية جماعية واحدة للعالم أمرا يحتاج إلى كثير من التمحيص.

ومن جهة أخرى، رأت الاتجاهات البنيوية المتشددة أن غولدمان لم يقطع بصورة نهائية مع المناهج الاجتماعية، بينما اعتبرت بعض الاتجاهات الماركسية أنه ابتعد عن الأساس الاقتصادي الذي يشكل، في نظرها، المنطلق الرئيس لفهم الظواهر الثقافية. وهكذا وجد مشروعه نفسه في منطقة وسطى بين اتجاهين متعارضين، وهو ما جعله عرضة للنقد من الطرفين.

كما أن ظهور مناهج جديدة، مثل التفكيكية، ونظرية التلقي، والنقد الثقافي، وتحليل الخطاب، أسهم في إعادة النظر في عدد من مسلمات البنيوية التكوينية، دون أن يلغي قيمتها التاريخية أو أثرها في تطور الفكر النقدي.

 راهنية البنيوية التكوينية:

على الرغم من هذه الانتقادات، فإن البنيوية التكوينية ما تزال تحتفظ بحضورها في الدراسات الأدبية المعاصرة، لأنها تقدم نموذجا نقديا قادرا على الجمع بين التحليل الجمالي والتفسير الاجتماعي، دون الوقوع في الاختزال أو التبسيط. كما أن مفاهيمها الأساسية لا تزال صالحة للإفادة منها في قراءة النصوص الأدبية، خاصة تلك التي تعبر عن تحولات المجتمع وقضاياه الفكرية والثقافية.

ومن ثم، يمكن القول إن القيمة الحقيقية للبنيوية التكوينية لا تكمن في كونها منهجا مغلقا يقدم أجوبة نهائية، وإنما في كونها مشروعا فكريا مفتوحا أسهم في تجديد أدوات النقد الأدبي، وأرسى أسس قراءة تجمع بين العمق النظري والدقة المنهجية، وهو ما يفسر استمرار حضورها في كثير من الدراسات الأكاديمية المعاصرة.

على سبيل الختام:

تبين هذه الدراسة أن البنيوية التكوينية لم تكن مجرد تطوير للمنهج الاجتماعي في النقد الأدبي، وإنما مثلت مشروعا معرفيا متكاملا أعاد النظر في طبيعة العلاقة بين النص الأدبي والواقع الاجتماعي، من خلال تجاوز المقاربات التي اختزلت الأدب في كونه انعكاسا مباشرا للواقع، أو تلك التي فصلته عن سياقه التاريخي والثقافي. فقد نجح لوسيان غولدمان في بناء تصور نقدي يقوم على جدلية النص والمجتمع، ويمنح العمل الأدبي استقلاليته الفنية دون أن يعزله عن الشروط الحضارية التي أسهمت في إنتاجه.

وقد بينت الدراسة أن القوة المنهجية للبنيوية التكوينية تكمن في قدرتها على الجمع بين التحليل البنيوي والتفسير الاجتماعي، وذلك من خلال جهاز مفاهيمي متماسك يرتكز على مفاهيم رؤية العالم، والبنية الدالة، والوعي الفعلي، والوعي الممكن، وثنائية الفهم والتفسير. وقد أسهمت هذه المفاهيم في تطوير آليات القراءة النقدية، حيث لم يعد النص يدرس بوصفه مجموعة من العناصر اللغوية أو الأسلوبية، وإنما باعتباره نسقا دلاليا يعبر عن رؤية فكرية تتجاوز الفرد إلى الجماعة، وتربط الإبداع الأدبي بالسياق الحضاري الذي نشأ فيه.

كما أوضحت الدراسة أن البنيوية التكوينية أسهمت في ترسيخ تصور أكثر شمولا للنقد الأدبي، يقوم على التكامل بين البنية الداخلية للنص وظروف إنتاجه، وهو ما جعلها من أكثر المناهج قدرة على تفسير الأعمال الأدبية التي تتسم بعمقها الفكري وارتباطها بقضايا المجتمع والإنسان. وقد انعكس هذا الإسهام في عدد كبير من الدراسات السوسيولوجية والثقافية التي أفادت من أدواتها ومفاهيمها، مع إعادة توظيفها بما ينسجم مع التحولات التي عرفتها العلوم الإنسانية.

ومع ذلك، فإن هذا المنهج لا يخلو من حدود معرفية، إذ إن تركيزه على الوعي الجمعي ورؤية العالم قد يؤدي أحيانًا إلى التقليل من خصوصية التجربة الإبداعية الفردية، كما أن بعض مفاهيمه، وعلى رأسها مفهوم " رؤية العالم " ، تظل قابلة لتعدد التأويلات، الأمر الذي يستدعي توظيفها بقدر من المرونة المنهجية، خاصة عند دراسة النصوص الحديثة التي تتسم بالتشظي والتعدد الدلالي.

وعلى الرغم من هذه الملاحظات، فإن البنيوية التكوينية ما تزال تحتفظ بمكانتها في الدراسات النقدية المعاصرة، لأنها تقدم نموذجا معرفيا متوازنا يجمع بين الدقة المنهجية والانفتاح الفكري، ويمنح الباحث أدوات فعالة لفهم العلاقة المركبة بين الأدب والمجتمع. ومن ثم، فإن قيمتها الحقيقية لا تكمن في تقديم أحكام نهائية، وإنما في فتح آفاق جديدة أمام البحث النقدي، وتشجيع القراءات التي تتعامل مع النص الأدبي بوصفه بنية جمالية وثقافية وحضارية في آن واحد.

نتائج الدراسة:

أسفرت الدراسة عن جملة من النتائج، لعل من أبرزها ما يأتي:

أثبتت البنيوية التكوينية قدرتها على تجاوز التعارض التقليدي بين المناهج البنيوية والمناهج الاجتماعية، من خلال الجمع بين التحليل الداخلي للنص والتفسير الخارجي لسياقه.

يعتبر مفهوم " رؤية العالم " الركيزة الأساسية التي يقوم عليها المشروع النقدي للوسيان غولدمان، حيث يربط بين البناء الفني للنص والوعي الجمعي للجماعة الاجتماعية.

تمثل " البنية الدالة " الأداة الإجرائية التي تتيح الكشف عن العلاقات العميقة التي تنتظم عناصر النص، بعيدا عن القراءة الجزئية أو الوصفية.

أسهمت ثنائية " الفهم والتفسير " في بناء منهج نقدي متكامل يجمع بين التحليل الجمالي والتفسير الاجتماعي.

لم تنظر البنيوية التكوينية إلى الأدب بوصفه انعكاسا ميكانيكيا للواقع، بل عدّته إعادة بناء فنية للخبرة الإنسانية في ضوء رؤية فكرية وجمالية.

ما تزال البنيوية التكوينية تمتلك قدرة تفسيرية مهمة، خاصة في دراسة النصوص التي تعكس التحولات الفكرية والاجتماعية والحضارية.

توصيات الدراسة:

في ضوء النتائج المتوصل إليها، توصي الدراسة بما يأتي:

تشجيع الدراسات العربية التي تعيد قراءة المناهج النقدية الحديثة في ضوء التحولات المعرفية الراهنة.

الإفادة من مفاهيم البنيوية التكوينية في تحليل الرواية العربية والشعر الحديث، مع مراعاة خصوصية النصوص والسياقات الثقافية.

إجراء دراسات مقارنة بين البنيوية التكوينية ومناهج نقدية أخرى، مثل النقد الثقافي، ونظرية التلقي، وتحليل الخطاب، للكشف عن نقاط الالتقاء والاختلاف بينها.

العناية بترجمة أعمال لوسيان غولدمان ودراساته الأساسية ترجمة علمية دقيقة، بما يسهم في تعميق حضورها في البحث النقدي العربي.

توظيف المنهج البنيوي التكويني في دراسة النصوص الأدبية المغربية والعربية، بما يبرز تفاعل الإبداع مع التحولات الاجتماعية والفكرية والثقافية.

وبذلك يتبين أن البنيوية التكوينية لم تكن مرحلة عابرة في تاريخ النقد الأدبي، بل شكلت منعطفا معرفيا أسهم في إعادة بناء العلاقة بين الأدب والإنسان والمجتمع، ورسخت تصورا نقديا ما يزال قادرا على إغناء البحث الأدبي، واستلهام قراءات جديدة تستجيب لتطور النصوص وتحولات الفكر الإنساني.

***

بقلم د. منير محقق - كاتب وناقد وباحث في الأدب والفكر والتاريخ السياسي والحضاري

في المثقف اليوم