للأديبة سعاد الراعي
السرد الروائي يستند الى حكاية غريبة في شكلها السريالي العجيب والمدهش، تقول هناك زحف أو غزو من الخنافس الى احدى الاحياء الشعبية، واستغلال سذاجة الاطفال باغرائهم بالحلوى، في رش قطع السكر في زوايا الحي الشعبي في تكاثر هذه الحشرات القذرة والمقززة، من اجل دفع اهل الحي الى الرحيل من ديارهم بالتشريد والهجرة، وهي احد الاساليب الماكرة، لكن معنى الحكاية تحمل ابعاداً رمزية دالة، في المعنى والايحاء، والبعد الفكري، لم يعني هذه الحشرات القذرة بعينها، بل يعني بالخنافس منْ يغمط الحق، منْ يشوه الحياة والانسان والطبيعة والمكان، من يتسلق على السلطة والنفوذ لمآربه المريبة والشريرة، من يسرق رغيف الفقراء وجهد العمر وتعب السنين، من يمارس الاحتيال لمآربه الشخصية، من يعمل على تغييب العقل والوعي لاهداف نفعية ضيقة، من يستخدم السلطة الغاشمة بالإرهاب والاستيلاء، منْ يشرع شريعة الباطل ويغتال شريعة الحق، اي استخدام هذه الحكاية الغريبة منصة في اتجاه الرمزية الواقعية، طالما الحدث السردي يتعامل مع الواقع، وليس التهويم والخيال، ببساطة نحن أمام شفافية الأدب المقاوم أو الادب المكافح، نحن بصدد الصراع بين قوى الخير وقوى الشر، من يلوع ذراع الآخر، البعد الروائي يعتمد على روح الصمود والمقاومة، امام هذا الزحف أو الغزو من الخنافس، الذي يريد يحتل الارض، وطرد السكان من ديارهم (- يريدون طردنا دون ان يطرقوا ابوابنا... لكنهم يجهلون أننا وبيوتنا توأمان.. لا يموت احد التوأمين إلا يموت الآخر) ص25. هذا كنه الصراع القائم من اجل الغزو والاحتلال، طالما يملكون السلطة الغاشمة وصغار الخنافس أدواتهم القمعية (- يأتون بسيارة سوداء، وجوههم محجوبة بالنظارات والكمامات، أكفهم محمية بالقفازات، كأنهم لا يريدون الهواء أن يلمسهم) ص20. هذا الغزو الخبيث والغريب، يمثل آفة ضد الانسان والحياة، يريدون سرقة وجهد العمر وتعب السنين، بحجة ان صاحبها مجهول الهوية، كما يحث في نهب المال العام، بحجة ان صاحبها مجهول الهوية، ولكن دوافعهم الشريرة قتل الأمل، ووضع الإنسان في قفصهم كغنيمة سائبة وسائغة، هذا نذير الشؤم الذي يصيب أهل الحي الشعبي الفقير، ان يقلبوا استقرارهم الحياتي، وشرعية أرض وسكناهم، الى مسألة تجاوز على القانون والشرعية، التي لا تتحقق كما يزعمون إلا بطردهم وتشريدهم، و لذا فأن الصراع الناشب، هو عدالة وقانون وقضاء من يدعم الباطل ويغتال الحقيقية، وبين عدالة السماء وقضائها العادل، وهنا ندخل في جدلية في شأن العدالة، العدالة الاولى تعطي الحق للخنافس في طرد أهل الحي وتشريدهم من ديارهم، والثانية عدالة السماء ومحكمتها، تعيد الحق الى اصحابه الشرعيين، وفي الأخير ينتصر الظلم، طالما هذا يملك السلطة الغاشمة، بدواعي فنتازيا، عدم كفاية الادلة، أو ان اصحاب القضية هم اطفال قاصرين، لا يدركون معنى الحق والحقيقة، لذلك افادتهم مرفوضة، ولكن لم تنتهي قضية شرعية الأرض الى هذا الحد، ولا يمكن للظلم أن يدوم، طالما هناك صمود وتحدي ومقاومة، لان الارض ملك لعشاقها، أو من يعشقها، ولكن (لن ادعهم يسرقون سماءك. لن يقتلعوا ارضك، مادام في عرق ينبض) ص25. ولا يضيع الحق طالما هناك نبض من الأمل ينبض في العروق في مطالبة ارجاع الحق، ولا يمكن لاصحاب الحق ان يستسلموا مهما بلغت درجات الارهاب والظلم، والأرض تظل تنادي لمن يحبها، والقضة الشرعية لا تموت مهما طال الزمن. هذا جوهر الصراع الفكري في بعده في الواقعية الرمزية.
الشخوص المحورية في فصول المتن الروائي:
1 - شخصية ابو عواد: الرجل الطاعن في السن، يملك خبرة طويلة في دروب الكفاح والنضال، زكاتها سنوات زجه في السجون والزنازين، وعندما يخرج يكون أكثر صلابة وتحدي لروح القضايا الشرعية، يخرج اكثر صفاء ونقاء وهمة مضافة في مواصلة الطريق الصعب والشاق، لذا فهو يمثل الإرث النضالي الشعبي، ويملك مكانة محترمة عند سكان الحي، الذي يعتبر القدوة في الدفاع والصمود والمواصلة (تبوأ العم ابو عواد في أفئدة أهل الحي منزلة رفيعة، جبلت من طينة الود الصافي والمهابة المستحقة، اذ ألفوه رجلاً زاهداً في مظهره، تزدحم البساطة في رداءِ كفاحه العنيد) ص 32.
2 - شخصية الشيخ حسين الاسكافي: الكبير في السن يقبع طوال اليوم في حانوته الصغير لبيع وإصلاح الأحذية، في وجهه المحبوب والاليف عند أهل الحي، يطربون لصوته، وهو يغني المقامات التحريضية، التي تدعو الى الدفاع عن الحق والقضية الشرعية، ورفض الظلم بالتحدي، ويقول عن سنوات نضاله (- أنا من زمن كانت فيه الشمس أقرب، والناس اطيب واصدق) ص37. ويقول عن زحف الخنافس (- هذه ليست مجرد حشرات يا ناس.. هذا أمتحان) ص40. وعن الخوف والتردد يقول (- الخوف.. يا أبنائي.. و أول باب يفتحه الظلم، إذا فتحناه، دخل كل شيء بعده)ص41.
3 - شخصية صلاح الاعزب: تخطى العمر الأربعين ولم يتزوج، يملك الوقار واحترام الناس، وهو مدرس اللغة العربية، الطلاب يحبونه ويتعلمون من أدبه الملتزم، فهو المعلم والمربي في الأدب الذي يدافع عن خبز الفقير والأرض، يفتح نوافذ الوعي، ويقف بكل صلابة امام زحف الخنافس، ويدعو الناس الى الوحدة في المجابهة والتحدي، ورفض الزحف الغريب لاهل المحلة، لانها تشوه الحياة والإنسان في قذارتها.
4- شخصية جدعة الخبازة: المرأة المكافحة والطيبة، تملك روح الكبرياء والطيبة، وحب الناس في تقديم الخبز الحار والطازج، وتقول عن مهنتها بشرف ونقاء ووفاء (- بيتي نظيف كقلبي.. لا عندي خنافس، ولا شوائب عندي.. والخبز كما عهدتموه، طاهر من كل آفةٍ) ص51.
5 - شخصية هدى: الصحفية المثابرة في الدفاع عن مشاكل الناس وقضاياهم الشرعية، اهتمت في عملها الصحفي في نقل الحقائق، وتقف بكل عزيمة وارادة امام زحف الخنافس إلى اهل الحي، وتشريدهم دون وجه حق، تقول عن هذا الزحف انه احتلال لا يمكن القبول والرضوخ إليه مهما كانت أدوات الإرهاب والقمع، وتحرض ناس المحلة الى الرفض وعدم المساومة، حتى لو كانت العاقبة السجن وحتى صعود المشنقة.
6 - شخصية الطفلة ياسمين: تمثل براءة الطفولة، والامل الموعود لجيل المستقبل، تقضي أيامها في الاعتناء بزراعة الأشجار والازهار والاعتناء بهما بحب ومثابرة، وتقول (- الآن صار لزاماً علينا أن نزرع شجرة اخرى. كي لا تشعر هذه بالوحدة، فلنزرع شحيرة ياسمين ايضاً) ص24، تستلهم تربية وأخلاق امها الصحفية (هدى).
هذه ملحمة الصمود والصراع، الذي جسده المتن الروائي في الصياغة الشيقة والمتمكنة.
***
جمعة عبد الله








