عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

آمال بن الطاهر: حين يهرب الميت من نسيانه

قراءة في "حكاية الميت الأخير يهرب من لحده المنسي في مقبرة العشيرة" للأديب عبد الرحمن بوطيب

1. عتبات النص، أو حين يخون العنوانُ متنه

العنوان في أي نص أدبي ليس زخرفة تسبق الكلام، بل عقد أول بين الكاتب والقارئ، وعدٌ ضمني بنوع القراءة المطلوبة. وهنا يستحق العنوان وقفة متأنية قبل الولوج إلى المتن، لأنه يحمل في طياته أكثر من مستوى دلالي. المستوى الأول يكمن في وصف "الأخير": هذا الميت ليس ميتًا عاديًا بين أموات كثر، بل هو آخر من تبقّى، آخر شاهد على مقبرة توشك أن تفرغ من الذاكرة كما فرغت من الزوّار. صفة "الأخير" تحمل حزنًا مضاعفًا: فهي لا تعني فقط أنه توفي، بل أنه سيكون آخر من يُتذكَّر أو يُدفَن أو يُروى عنه؛ أي إنه يحمل على كتفيه عبء نهاية سلالة كاملة من الحكايات.

أما المستوى الثاني فيكمن في الفعل "يهرب"، وهو فعل يفترض إرادة ووعيًا وقدرة على الاختيار، وهذه صفات نُسندها عادة للأحياء لا للموتى. حين يمنح الكاتب لميّته القدرة على الهروب، فإنه يقلب المعادلة المنطقية للوجود: الموتى هنا أكثر حيوية وفاعلية من الأحياء الذين نراهم في متن النص يمارسون طقوسهم اليومية بآلية شبه غيبية، بينما هذا الميت وحده يملك جرأة الرفض والحركة. وهذه المفارقة الأولى -أن يكون الميت هو الفاعل الحقيقي الوحيد في عالم من الأحياء الخاملين- هي المفتاح الذي يفتح بقية النص ويمنحه عمقه الفلسفي.

لكن هذا الوعد العنواني يصطدم بواقع مغاير حين نقرأ المتن: فالنص لا يقدّم لنا حكاية سردية متتابعة عن ميت يهرب فعليًا من قبره، بل يقدّم نصًّا تأمليًا شذريًّا، أقرب إلى تيار وعي رجل مسنّ في طريقه إلى المقهى، لا حبكة فيه بالمعنى التقليدي ولا حدثًا خارقًا واحدًا يمكن الإمساك به. هذا التفاوت بين وعد العنوان الدرامي وواقع المتن التأملي الهادئ يطرح سؤالًا مشروعًا ومُلحًّا: هل تعمّد الكاتب هذا الانزياح البنيوي ليجعل "الهروب" نفسه مجازًا عن فعل الكتابة ذاته -أي إن الكتابة هي الهروب من قبر النسيان- فيكون العنوان تلخيصًا رمزيًّا لا سرديًّا؟ أم أن العنوان أُلحق بالنص لاحقًا، كإطار جذّاب وتسويقي لتجربة شذرية لا تحتمل أصلًا عنوانًا سرديًّا صريحًا كهذا؟ الإجابة عن هذا السؤال تحدد كيف نقرأ النص بأكمله: كحكاية مؤجَّلة، أم كقصيدة نثرية تتنكّر في زيّ قصة.

2. البنية، أو سرد بلا حكاية

حين ننتقل من العتبة إلى المتن، نلاحظ أن النص لا يسير وفق خط قصصي كلاسيكي يقوم على بداية وعقدة وحل، بل يتقدّم بمنطق "تيار الوعي" المرتبط عضويًّا بطقس يومي متكرر: رجل مسنّ يخرج كعادته منتصف النهار إلى مقهى شعبي في زقاق قديم، وهناك، بمجرد أن يجلس أو حتى قبل أن يجلس، تنفتح شهيته الذهنية على سلسلة من التأملات المتفرّعة والمتشابكة -رائحة القهوة وطعمها، الجرائد المكدّسة التي لا تُقرأ، ذكرى المقبرة وقبورها المهجورة، نقد الصحافة المستنسخة، مساءلة الكتابة والشعر وجدواهما. هذه التأملات لا تُرتَّب بمنطق سببي (هذا يؤدي إلى ذاك) بل بمنطق تداعٍ حر، حيث تستدعي كل صورة صورة أخرى بحكم القرب الحسي أو الرمزي لا بحكم التسلسل الزمني.

هذا الخيار البنائي منطقي فنيًّا إلى حد بعيد، لأن الطقس اليومي المتكرر -فنجان القهوة نفسه، المقهى نفسه، الجريدة التي تشبه سابقتها- هو بالضبط ما يستدعي التأمل في فكرة التكرار والاندثار والنسيان. فالشكل هنا يخدم المضمون بدل أن يكون منفصلًا عنه: كون النص نفسه "متكررًا" في إيقاعه يعكس الموضوع الذي يتمثله، وهو رتابة الأيام وتشابهها حتى تصبح كلها قبرًا واحدًا مؤجَّلًا. ولو اختار الكاتب حبكة تقليدية بأحداث متصاعدة، لكان قد خان جوهر فكرته عن الزمن الدائري الذي لا يتقدّم بل يلتف على نفسه.

لكن هذا الخيار الفني له ثمن لا بد من الاعتراف به: القارئ يفقد تدريجيًّا خيط "من يحدث الفعل ولماذا" لصالح "بم يُفكَّر ولأي غاية"، وهذا الانتقال من فعل السرد إلى فعل التأمل هو مقصد واعٍ ومشروع في هذا الجنس من الكتابة المعروف بالنص الشذري أو التأملي، لكنه يفرض على الكاتب عبئًا مضاعفًا لا يُستهان به: أن تكون الجملة نفسها، بمفردها، هي التي تحمل التوتر الدرامي الذي كانت الأحداث تحمله في السرد التقليدي. فبينما كانت القصة الكلاسيكية تراهن على "ماذا سيحدث لاحقًا؟" ليشد القارئ، يراهن هذا النص على "ماذا ستقول الجملة التالية؟" وحدها. والسؤال الذي يستحق أن يُطرح بجدية هنا هو: هل نجحت الجملة، بكثافتها الاستعارية العالية وتراكمها اللغوي، في تحمّل هذا العبء الثقيل حتى النهاية، أم أن هذه الكثافة نفسها أرهقت القارئ في منتصف الطريق بدل أن تشدّه إلى آخر سطر؟ الإجابة، على الأرجح، ليست مطلقة، بل تتفاوت من مقطع إلى آخر داخل النص نفسه.

3. المفارقة المركزية — نص يهاجم التكرار وهو مبنيّ على التراكم

من أكثر ما يستوقف المتأمل في هذا النص، ويستحق تفكيكًا خاصًا به، أنه يخصص جزءًا كبيرًا وملحوظًا من مساحته لنقد الكتابة الاستنساخية والصحافة التي تكرر نفسها إلى ما لا نهاية، ولمديح صريح لـ"الأفكار البِكر" في مقابل إدانة "الكتابة المستهلَكة" التي تجترّ العبارات الجاهزة. هذا الخط النقدي داخل النص واضح ومتكرر الحضور: حديث عن الجرائد المنسية المكدّسة في صناديق خلف واجهات المحلات، عن كتّاب يستعملون الجملة المفتوحة نفسها منذ زمن طويل، عن قرّاء أوراق الجرائد لا يشترونها ولا يقرؤونها فعليًا بل يتصفحونها بحكم العادة.

غير أن المفارقة اللافتة هي أن أسلوب النص ذاته، في بنيته العميقة، يعتمد استراتيجية تراكمية تكرارية بامتياز: جملة تلو جملة تصف الشيء نفسه من زاوية مقاربة، وصفًا فوق وصف يضيف صفة إلى صفة سابقة من دون أن يقطع معها جذريًّا، ونعوتًا متلاحقة تتزاحم جميعها على المعنى الواحد بدل أن تتوزع على معانٍ متعددة. هذه الملاحظة ليست "تهمة" بالضرورة، فالتكديس اللغوي أسلوب معروف ومُنظَّر له في الكتابة الشذرية العربية الحديثة، وله جذور في الشعر الصوفي والنثر التأملي الذي يعتمد التكرار كأداة تعميق لا كعيب أسلوبي. وقد يكون هذا التكديس مقصودًا هنا كمرآة واعية: النص يُحاكي بشكله بالضبط ما ينتقده بمضمونه، أي إنه يجسّد فعليًّا فكرة "تكديس الجرائد المنسية" التي يتحدث عنها صراحة، فيصبح النص نفسه، في لحظة وعي ذاتي عالية، صندوقًا من "المواد الأولية" غير المصفّاة التي يتحدث عنها متنه.

لكن هذا التأويل التسامحي، بالرغم من وجاهته، يفتح إشكالًا نقديًّا حقيقيًّا لا يمكن تجاوزه بسهولة: متى بالضبط يتحول التكرار من أداة جمالية واعية -تكرار يُحاكي موضوعه ويخدم فكرته الكبرى عن الرتابة والاندثار- إلى مجرد عادة أسلوبية تُثقل النص وتُفقده القدرة على المفاجأة والدهشة؟ الفارق بين الاثنين رفيع جدًّا، بل شعرة تفصل بينهما، ولا يمكن الحكم عليه حكمًا عامًّا شاملًا على النص كله، بل يحتاج تمييزًا دقيقًا في كل مقطع على حدة: فبعض التكرارات هنا تخدم المعنى فعلًا وتُراكم دلالة جديدة مع كل تكرار، بينما بعضها الآخر يبدو استرسالًا لغويًّا يمكن حذفه من دون أن يفقد النص شيئًا جوهريًّا من رسالته.

4. القبر والقهوة — رمزان يتقاسمان النص

إذا انتقلنا من مستوى الأسلوب إلى مستوى الرمز، نجد أن النص يتنازعه رمزان مركزيان متقابلان في الظاهر: المقبرة من جهة، بما تحمله من ثبات وسكون ونسيان وماضٍ مطمور تحت التراب لا يُستعاد؛ والمقهى أو فنجان القهوة من جهة أخرى، بما يحمله من طقس يومي متكرر وحضور آني وإصرار صامت على الاستمرار بالرغم من كل شيء. هذان الرمزان يبدوان للوهلة الأولى نقيضين تامّين: الموت الساكن في مقابل الحياة المتحركة، الصمت الأبدي في مقابل ضجيج المقهى اليومي.

لكن العجيب حقًّا، وهو ما يمنح النص عمقه الأكبر عند التأمل الدقيق، أن الكاتب لا يديرهما كضدّين بالمعنى المطلق والحاسم، بل يديرهما تدريجيًّا كوجهين لعملة واحدة لا تنفصل. فالمقهى نفسه، بجرائده المكدّسة التي لا تُقرأ، وزبائنه المكرَّرين الذين يشبه بعضهم بعضًا في حركاتهم اليومية، وصمته الصباحي الثقيل قبل أن تبدأ الحركة، يتحول تدريجيًّا أمام أعيننا إلى مقبرة أخرى موازية: مقبرة للأخبار التي لم تُقرأ قط، ومقبرة للكتابة التي لم تُنجَز أبدًا، ومقبرة صغيرة يومية يدفن فيها الرواد وقتهم من دون وعي منهم بذلك. بهذا المعنى العميق، فإن "هروب الميت من لحده" الذي يعد به العنوان يمكن أن يُقرأ لا كحدث خارق يخرق قوانين الطبيعة، بل كاستعارة كبرى لكل فكرة أو ذكرى أو رغبة ترفض أن تُدفن نهائيًّا في روتين النسيان اليومي القاتل -وهو بالضبط ما يفعله الراوي الشيخُ نفسه حين يجلس كل صباح في المقهى ويقاوم، ولو بصمت وبلا إعلان صريح، اندثار الأشياء من حوله واحدة تلو الأخرى.

هذه القراءة الرمزية تمنح النص تماسكًا أعمق بكثير مما يبدو للوهلة الأولى من قراءة سريعة تكتفي بالعرَضِ، إذ تربط بين العنوان الغرائبي الظاهر والمتن الواقعي اليومي بخيط رمزي خفي متين. غير أنها تظل، وهذا تحفظ لا بد منه، قراءة يقترحها القارئ نفسه ويبنيها من مواد النص المتناثرة، أكثر مما يوضحها النص بجسور صريحة ومباشرة بين مقاطعه المختلفة؛ فالانتقال من حديث القهوة إلى حديث المقبرة ثم إلى حديث الصحافة يبقى انتقالًا ضمنيًّا يحتاج جهدًا تأويليًّا من القارئ أكثر مما يقدّمه الكاتب له جاهزًا.

5. أسئلة يستحق النص أن تُوجَّه إليه

الأسئلة الآتية ليست اعتراضات بقدر ما هي دعوة لحوار أعمق مع النص، ونقاط يمكن أن يُبنى عليها نقاش أوسع حول خيارات الكاتب:

السؤال الأول يتعلق بـ"العشيرة" الحاضرة في العنوان بقوة والغائبة تقريبًا في المتن: هل هي مجرد خلفية جغرافية-اجتماعية تمنح المقبرة سياقها التاريخي والقبلي من دون أن تحتاج حضورًا فعليًّا في السرد، أم أن غياب أي تفصيل حقيقي عنها -باستثناء إشارات عابرة وخاطفة- يجعلها عنصرًا وُعِد به القارئ في العتبة الأولى ولم يتحقق هذا الوعد في المتن؟ فالعشيرة بما تحمله من دلالات الانتماء الجماعي والهوية المشتركة كانت تستحق، من الناحية البنائية، حضورًا أوسع يوازي حضورها في العنوان.

السؤال الثاني يتعلق بموقع الراوي وصوته: فهو يتحرك بمرونة، أحيانًا مقلقة، بين ضمير الغائب السردي التقليدي والتأمل شبه المقالي الصريح -كنقد الصحافة ونقد الشعر ومساءلة جدوى الكتابة نفسها. فهل هذا التعدد في الأصوات مقصود بعناية ليخدم فكرة كبرى مضمرة عن "من يملك حق الحكي أصلًا؟"، أي إن تشظي الصوت هو تجسيد فني لتشظي الحقيقة نفسها؟ أم أنه انزلاق غير محسوب من فعل القص الخالص إلى فعل المقالة النقدية، بحيث يفقد النص تدريجيًّا هويته الجنسية الواضحة ويصبح مزيجًا هجينًا غير مستقر بين القصة والمقال؟

السؤال الثالث يتعلق بكثرة الجمل الاستفهامية المتناثرة في متن النص، والتي تُستخدم كأداة بلاغية فعّالة لفتح النص على القارئ وإشراكه في عملية التفكير بدل تلقينه إجابات جاهزة. غير أن كثرة هذه الأسئلة، حين لا تقابلها ولو إجابات ضمنية أو تلميحات كافية، قد تحوّل الاستفهام تدريجيًّا من أداة تفكير حقيقية مثيرة للقلق المعرفي، إلى مجرد عادة أسلوبية مريحة يلجأ إليها الكاتب كلما أراد إنهاء فقرة من دون التزام صريح بموقف واضح منها.

6. خلاصة تركيبية

وإجمالا؛ هذا نص طموح بامتياز، يقف بوعي على تخوم جنسين أدبيين متجاورين -القصة القصيرة جدًّا من جهة، والمقالة التأملية النثرية من جهة أخرى- ويراهن بجرأة على كثافة اللغة والرمز أكثر بكثير من رهانه على الحدث والحبكة التقليدية. قوته الحقيقية والأصيلة تكمن في المفارقة الذكية التي يبنيها منذ العنوان بين حيوية الموتى المفارِقة وسُبات الأحياء المتكرر، وفي قدرته على جعل الطقس اليومي البسيط -فنجان القهوة، جلسة المقهى، تصفح الجريدة- مسرحًا فلسفيًّا حقيقيًّا لسؤال كبير عن النسيان والاندثار والزمن الدائري الذي لا يتقدم.

أما موضع الحذر والتأمل النقدي فيه، فهو الكثافة الأسلوبية العالية التي قد تتحول أحيانًا، في بعض المقاطع أكثر من غيرها، من أداة كشفٍ فعّالة تُضيء المعنى، إلى حجاب كثيف يُبعد القارئ عن لحظة التماس المباشر والصافي مع الفكرة المركزية للنص. وهذا نص، في المحصلة، يستحق أن يُقرأ مرتين على الأقل: مرة أولى لملاحقة المعنى وتتبع خيوطه الرمزية المتشابكة، ومرة ثانية أعمق لتقصّي كيف يخون شكلُه الأسلوبي مضمونَه العميق في بعض اللحظات، بينما يخدمه ويعمّقه بإخلاص في لحظات أخرى -وهذا التوتر بالذات بين الشكل والمضمون هو ما يجعل النص، بالرغم من كل ملاحظاته النقدية، تجربة كتابية جديرة بالمناقشة الجادة لا بالمرور العابر.

***

الدكتورة آمال بن الطاهر

باحثة وناقدة من المغرب

في المثقف اليوم