قراءة حداثية في "في انتظار غودو" لصمويل بيكيت
مدخل إشكالي: يحتل النقد المسرحي السائد منذ مارتن إسلين (Esslin, 1961) موقفاً تأسيسياً في تصنيف "في انتظار غودو" (1953) ضمن مسرح العبث، باعتباره تعبيراً عن "عبثية الوجود الإنساني" في عالم ما بعد الحرب. غير أن هذا التصنيف، بالرغم من قيمته التأسيسية، تحوّل إلى قالب تأويلي جاهز يُسقَط على النص من دون مساءلة بنيته الداخلية. يقترح هذا المقال قراءة حداثية تتجاوز المعالجة الموضوعاتية المباشرة (الانتظار كحَدَث، غودو كرمز) نحو مساءلة بنيوية ولغوية وفلسفية أعمق، تكشف أن النص يستبق إشكالات لم تُصَغ نقدياً إلا لاحقاً مع التفكيكية وفلسفة اللغة.
1. الزمن الدائري بوصفه بنية لا حدثاً:
تُجمِع الدراسات النقدية على أن المسرحية تقوم على بنية دائرية لا خطية، إذ يكرر الفصل الثاني أحداث الفصل الأول مع تحويرات طفيفة (الشجرة التي تورق، عمى بوزو) من دون أن يمنحها معنىً تراكمياً. وقد لاحظ النقاد أن هذه البنية تخلو من العرض والعقدة والحل بالمعنى الأرسطي التقليدي، وأن الفعل المسرحي لا يتطور بل يتكرر؛ إذ تقوم مسرحيات مسرح العبث غالباً على بنية دائرية، وتدعم معظم عناصر هذا العمل المسرحي تلك البنية بطريقة أو بأخرى، فالمكان واحد والزمن واحد في كلا الفصلين. وقد عبّر الناقد فيفيان مرسييه عن هذه السمة بصياغته الشهيرة بأن المسرحية "عمل لا يحدث فيه شيء، مرتين"، وهي عبارة تكررت كثيراً في الدراسات اللاحقة إذ تصف الطريقة التي تجد بها الشخصيتان نفسيهما عالقتين في حلقة لا نهائية من الانتظار طوال المسرحية، عاجزتين عن إحراز أي تقدم نحو هدفهما بنهاية أي من الفصلين.
الاستشكال الحداثي هنا يتجاوز رصد التكرار كتقنية أسلوبية إلى قراءته بوصفه إلغاءً جذرياً لمنطق السببية السردية ذاته. فحين يقول فلاديمير: "ماذا نفعل الآن؟" ويجيب إستراغون: "ننتظر"، ثم يتكرر التبادل ذاته بصيغ متقاربة في الفصل الثاني، فإن الحوار لا يخدم تطوراً في الحَدَث بل يثبّت حالة الجمود ذاتها كبنية وجودية دائمة لا عابرة فبعد خلاف حول أمر تافه، يتصالح فلاديمير وإستراغون وتعقب ذلك فترات صمت قصيرة، يسأل فلاديمير بعدها: "ماذا نفعل الآن؟" فيجيب إستراغون بكلمة واحدة: "ننتظر". هذا "الزمن الفارغ من الحدث" - كما تصفه إحدى الدراسات - لا يعكس مجرد رتابة يومية، بل يطرح أطروحة فلسفية مفادها أن الزمن البشري، حين يُجرَّد من غاية، يفقد قدرته على أن يكون "سرداً" بالمعنى الأرسطي، ويتحول إلى تكرار خالٍ من المعنى. فالبنية محورية في فكرة المسرحية، إذ صُمِّمت لتعكس عبثية الحياة وانعدام معناها، وتسهم جميع عناصر المسرحية من شخصيات وموضوعات ومكان وحوار في عكس البنية الدائرية وتأكيدها.
2. اللغة كموضوع للمساءلة لا كوسيط للمعنى:
تصف القراءات التقليدية حوار بيكيت بـ"العبثي" بمعنى انعكاسي: لغة مفككة تعكس عالماً مفككاً. لكن المقاربة الحداثية تقلب هذه العلاقة: اللغة ليست وسيلة تمثيل بل هي موضوع المساءلة بذاتها. فالعبارات المتبادلة بين الشخصيتين ("لنذهب" / "لا يمكننا") لا تحمل معلومة بل تؤدي وظيفة بديلة هي ملء الفراغ وتثبيت وجود الذات عبر فعل الكلام لا عبر مضمونه - وهذا يقترب مما طرحته لاحقاً فلسفة اللغة عند فيتجنشتاين المتأخر (Wittgenstein, 1953) من أن المعنى يكمن في الاستعمال لا في الإحالة، غير أن بيكيت يذهب أبعد إذ يُظهر إمكان انفصال اللغة كلياً عن أي استعمال ذي غاية.
تبلغ هذه المساءلة ذروتها في مونولوج "لاكي" المتدفق من دون ترقيم، الذي يبدأ بافتراض وجود إله شخصي وينتهي بصورة جمجمة متحجرة فارغة، حيث تختلط فلسفات متعددة (التوماوية، الديكارتية، الهيغلية) في خطاب يفقد منطقه واتساقه تدريجياً.
ومن منظور الاتساق والمنطق، فإن الخطاب ينتهي عند تلك النقطة من دون أن تُستخلص نتيجته المنطقية أو يُعطى استنتاج، إذ يضيع المعنى النهائي في متاهة من اللامعقولية والتفكك. فهذا المونولوج ليس انهياراً عرضياً بل نقد بنيوي لخطاب المعرفة الغربي ذاته، إذ يستبق - بنيوياً لا منهجياً - ما ستطرحه التفكيكية لاحقاً مع جاك دريدا (Derrida, 1967) حول استحالة اكتمال المعنى وتأجله الدائم؛ فلاكي يجسّد حرفياً عملية "الإرجاء" بوصفها انهياراً عضوياً لا قدرة فلسفية على الوقوف.
3. غودو كآلية بنيوية لا شخصية مؤجلة:
استنفد النقاد إجابات عدة حول هوية غودو: الله (ثورية محتملة على Godot/God)، الموت، المعنى، الأمل. والاستشكال الحداثي يقترح أن غودو ليس شخصية مؤجلة الحضور بل "دالّ فارغ" يحرّك السرد بقوة غيابه لا بوعد حضوره؛ فموضوع المسرحية الحقيقي هو حالة عدم اليقين ذاتها، وحاجة الشخصيتين الدائمة إلى طمأنة وجودهما الذي تظل أدلته الحسية موضع شك. إذ يمثل الموضوع الأساس في انتظار غودو حالة عدم اليقين، فكل من فلاديمير وإستراغون يريدان طمأنة وجودهما الذي لا يشعران بثقة تامة بشأنه أصلاً، لأن أدلة حواسهما مريبة للغاية، فهما في حاجة دائمة إلى طمأنة. ولعل المفارقة الكاشفة في هذا السياق أن بوزو، حين يعود في الفصل الثاني أعمى، لا يتذكر لقاءه الأول بهما، وهو ما يعمّق إحساس الشخصيتين بعدم استقرار الذاكرة والهوية في عالم فقد إحداثياته. فهما لا يحصلان أبداً على تلك الطمأنينة حين يظهر بوزو من جديد في الفصل الثاني عاجزاً عن تذكر لقائه بهما من قبل. من هذا المنطلق يمكن قراءة النص بوصفه نقداً مبكراً لمنطق "السرديات الكبرى" - الدين، الإيديولوجيا، الخلاص الفلسفي - التي ستهاجمها لاحقاً ما بعد الحداثة، بوصفها وعوداً مؤجلة تنظّم الزمن البشري دون أن تتحقق، بل ربما لا تحتاج إلى التحقق لتؤدي وظيفتها التنظيمية.
4. الجسد المعطوب والفكاهة السوداء كمقاومة وجودية:
من زاوية أخيرة، يستحق الجسد في النص وقفة: الأحذية الضيقة، الحاجة الملحّة للتبول، الجوع، الإعياء، وعجز بوزو الجسدي المتصاعد. هذه التفصيلات الجسدية، حين تُقرأ في ضوء النظرية الجسدية المعاصرة، تكشف أن بيكيت لا يطرح فلسفة عبثية مجردة بل يجذّرها في المعاناة الجسدية اليومية، وكأن الجسد هو آخر معقل للواقع حين تنهار اللغة والزمن والمعنى. إذ تُبرز الأحذية والقبعات والحبل والأمتعة وغيرها من الأغراض المعاناة الجسدية التي تلازم الشخصيتين طوال المسرحية. والفكاهة السوداء (مشاهد القبعات، السقوط، الحوارات الهزلية القصيرة) ليست استراحة كوميدية بل شكل من أشكال المقاومة الوجودية: الضحك في وجه العبث ليس إنكاراً له بل اعترافاً واعياً به مقروناً بإصرار على الاستمرار، وهو ما يقترب من مفهوم "التمرد" عند كامو (Camus, 1942) أكثر من اقترابه من العدمية الخالصة.
خاتمة:
إن قراءة "في انتظار غودو" بوصفها مرآة بسيطة للقلق الوجودي ما بعد الحربي تُسطّح عمق النص وتُحنّطه في لحظته التاريخية. القراءة المقترحة هنا تكشف نصاً يفكك الزمن السردي عبر بنيته الدائرية، ويعري اللغة من وظيفتها الإحالية عبر مونولوج لاكي، ويحوّل الشخصية الغائبة (غودو) إلى آلية بنيوية لا إلى لغز يُحل، ويجذّر العبث في الجسد لا في التجريد الفلسفي فحسب. بهذا تصبح المسرحية نصاً يستبق الأسئلة التفكيكية وما بعد الحداثية حول اللغة والمعنى والسرديات الكبرى، ويستحق أن يُقرأ اليوم بوصفه تجربة نصية تُسائل أسس المسرح والسرد والمعنى ذاتها، لا بوصفه وثيقة مغلقة عن "عبثية الوجود".
***
آمال بن الطاهر
..............................
المراجع المعتمدة:
- Beckett, S. (1954). Waiting for Godot. Grove Press.
- Camus, A. (1942). Le Mythe de Sisyphe. Gallimard.
- Derrida, J. (1967). De la grammatologie. Les Éditions de Minuit.
- Esslin, M. (1961). The Theatre of the Absurd. Doubleday.
- Wittgenstein, L. (1953). Philosophical Investigations. Blackwell.
- Frag, A. N. "The Circular Structure of Samuel Beckett's Waiting for Godot."
مجلة كلية التربية الأساسية.
- Mercier, V. (1956). "The Uneventful Event." The Irish Times.








