عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

عماد خالد رحمة: الشعر وسؤال الكينونة

حين تعجز الميتافيزيقا عن قول ما تقوله القصيدة

ليس الشعر ضرباً من الترف اللغوي، ولا زينةً بلاغية تُعلَّق على جدار الثقافة، بل هو، في جوهره، أعمقُ أشكال المعرفة الإنسانية، لأنه لا يسعى إلى امتلاك الحقيقة، وإنما إلى ملامسة أفقها المفتوح. وإذا كانت الفلسفة قد انشغلت، منذ بداياتها، ببناء المفاهيم وتشييد الأنساق وتحديد الماهيات، فإن الشعر ظلّ وفياً لقلق الوجود، وللأسئلة التي لا تنتهي، وللأسرار التي لا تُختزل في تعريف أو تُحتجز داخل برهان.

ولذلك، فإن العلاقة بين الشعر والميتافيزيقا ليست علاقة توافقٍ كامل ولا قطيعةٍ مطلقة، وإنما هي علاقة توترٍ خلاق بين رؤيتين للعالم: رؤيةٍ تؤمن بأن الحقيقة نسقٌ مغلق يمكن القبض عليه بالمفهوم، ورؤيةٍ ترى أن الحقيقة إشراقٌ دائم لا يُدرك إلا بالحدس، والإيحاء، والانفعال الجمالي. فالميتافيزيقا تبحث عن يقين الوجود، بينما يبحث الشعر عن دهشة الوجود؛ الأولى تُقيم في المفهوم، والثاني يُقيم في الرؤيا.

لقد شيّدت الميتافيزيقا، منذ أفلاطون وأرسطو، أبنيةً معرفية كبرى، أرادت أن تمنح الكون نظاماً ثابتاً، وأن تجعل من العقل مرجعاً أعلى للحقيقة. ومن هنا نشأت فكرة الجوهر، والعلة الأولى، والغاية، والثبات، والكمال، بوصفها مرتكزاتٍ لفهم الموجودات. غير أن هذا المشروع، على عظمته، كان ميّالاً إلى اختزال العالم في ما يمكن للعقل أن يحدّه ويصنّفه، حتى بدا الوجود وكأنه معادلةٌ قابلةٌ للحل، لا تجربةٌ مفتوحة على اللانهائي.

أما الشعر، فإنه يرفض، بطبيعته، كلَّ يقينٍ مكتمل، لأن اكتمال الحقيقة يعني موت السؤال، وموت السؤال يعني انطفاء القصيدة. فالشاعر لا يقف أمام العالم بوصفه شارحاً أو معلماً أو مشرّعاً، وإنما يقف أمامه بوصفه مندهشاً. والدهشة ليست جهلاً، بل هي أرقى درجات المعرفة؛ لأنها تُبقي الروح يقظةً أمام المعنى المتحوّل، وتمنح الأشياء حقها في الغموض، كما تمنح الإنسان حقه في الحيرة.

ومن هنا كان الشعر أصدق تعبيراً عن الكينونة من كثيرٍ من المقولات الفلسفية؛ لأنه لا يفرض على الوجود لغةً جاهزة، بل يُصغي إلى لغته الداخلية. فالقصيدة لا تُنتج الحقيقة، وإنما تكشف عنها كما ينكشف الفجر من بين طبقات الليل، وكما تتفتح الزهرة دون أن تعرف قانون تفتحها.

إن اللغة ذاتها تتغير حين تدخل فضاء الشعر. ففي الخطاب العقلي تكون اللغة أداةً للإبلاغ والتحديد والتعريف، أما في القصيدة فإنها تتحول إلى كائنٍ حيٍّ يتنفس، ويولد، ويتجاوز معجمه. الكلمة الشعرية لا تشير إلى الشيء فحسب، بل تُعيد خلقه، وتحرره من اعتياده، وتمنحه حياةً ثانية داخل المخيلة الإنسانية.

ولهذا قال اللغويون إن اللغة الشعرية ليست انحرافاً عن اللغة المعيارية، بل هي عودتها إلى طاقتها الأولى، يوم كانت الكلمة حدثاً وجودياً قبل أن تصبح اصطلاحاً اجتماعياً. فاللغة في أصلها لم تكن معجماً، بل كانت دهشةً، وصوتاً، وصورةً، ورجفةً داخل الإنسان الأول وهو يواجه الكون.

ومن هنا تنبع خصوصية الشعر؛ إذ إنه لا يستخدم اللغة، بل يُحررها من استهلاكها اليومي، ويعيد إليها بكارتها الأولى. إن الاستعارة ليست زينةً بلاغية، وإنما طريقة أخرى في التفكير، والصورة ليست زخرفاً لفظياً، وإنما بنيةٌ معرفية تُنتج وعياً جديداً بالعالم. ولذلك فإن أعظم القصائد ليست تلك التي تقول أكثر، بل تلك التي توحي بما لا تستطيع اللغة المباشرة أن تقوله.

والشاعر الحقيقي ليس صانع ألفاظ، بل صانع رؤى. إنه يعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان والزمن، وبين الذات والعالم، وبين المرئي والخفي. وحين يكتب، لا يصف الأشياء كما تبدو، بل كما تُريد الكينونة أن تُرى. ولهذا لا تكون القصيدة مرآةً للواقع، بل نافذةً على إمكاناته التي لم تتحقق بعد.

إن الشعر لا يُلغي العقل، لكنه يحرره من استبداد منطقه الصارم. فالعقل يبني، أما الخيال فيفتح النوافذ. والعقل يفسر، أما الشعر فيوقظ. والعقل يبحث عن الأسباب، بينما تبحث القصيدة عن المعنى الذي يسبق الأسباب جميعاً.

ولهذا لم يكن غريباً أن يرى كبار الفلاسفة أن الشعر يلامس الحقيقة بطريقة تعجز عنها المفاهيم المجردة. فالحقيقة ليست دائماً قضيةً منطقية، بل قد تكون رعشةً جمالية، أو ومضةً وجدانية، أو لحظةَ انكشافٍ داخلي يشعر فيها الإنسان بأن الوجود أصبح أكثر قرباً وأكثر امتلاءً.

ولعل أعظم ما يحققه الشعر أنه يعيد الإنسان إلى إنسانيته. ففي زمنٍ تُختزل فيه الأشياء إلى أرقام، والإنسان إلى وظيفة، والعلاقات إلى مصالح، تأتي القصيدة لتذكّرنا بأن القلب أيضاً وسيلةٌ للمعرفة، وأن الجمال ليس ترفاً، بل ضرورةٌ وجودية، وأن الخيال ليس هروباً من الواقع، بل إعادةُ اكتشافٍ له.

إن القصيدة ليست نصاً يُقرأ فحسب، بل هي حدثٌ كينونيّ يُعاش. إنها ولادةٌ متجددة للغة، وولادةٌ أخرى للإنسان. وكل قصيدة عظيمة هي بداية عالمٍ جديد، لأنها لا تُضيف معنىً إلى العالم، بل تُضيف طريقةً جديدة لرؤيته.

ومن هنا فإن الشعر يتجاوز الميتافيزيقا التقليدية دون أن ينكر سؤالها. فهو لا يهدم فكرة الحقيقة، وإنما يحررها من سجن اليقين المغلق، ويعيدها إلى فضائها الرحب، حيث يصبح الوجود أغنى من كل تفسير، والجمال أوسع من كل تعريف، والإنسان أكبر من كل نسق.

إن الشاعر، في نهاية المطاف، ليس منافساً للفيلسوف، بل رفيقه في الطريق. غير أن الفيلسوف يمضي حاملاً مصباح العقل، بينما يمضي الشاعر حاملاً شعلة الرؤيا. وإذا كان الأول يشيّد خرائط للوجود، فإن الثاني يمنحنا القدرة على السكن فيه.

وهكذا يبقى الشعر أعلى أشكال الحرية اللغوية، وأعمق أشكال المعرفة الجمالية، لأنه لا يبحث عن نهاية السؤال، بل عن بدايته، ولا يطمح إلى امتلاك العالم، بل إلى الإصغاء إلى همسه الخفي. وفي هذا الإصغاء وحده، تستعيد اللغة براءتها، ويستعيد الإنسان دهشته الأولى، وتستعيد الكينونة إشراقها الذي لا ينطفئ.

***

بقلم: عماد خالد رحمة – برلين

في المثقف اليوم