قراءات نقدية
وسام حسين العبيدي: "الصعلوك" بين المقاومة والتهميش
جدلية السلطة والهامش في شعر أجود مجبل
في ضوء التحولات التي يشهدها الخطاب الشعري العربي المعاصر، لم تعد شخصية «الصعلوك» تُستدعى بوصفها معطىً تاريخيًا أو نموذجًا سرديًا ينتمي إلى سياق الجاهلية وأخبار العرب فحسب، بل غدت بنيةً ثقافية قابلة لإعادة التشكيل والتأويل داخل الحاضر الشعري. إذ يتجاوز هذا التوظيف حدود الاستعادة التمثيلية للشخصية التراثية إلى تحويلها إلى «أرشيف للهامش» العربي، بما يحمله من دلالات الفقر، والتمرّد، والانفصال عن أنساق المركز، وما يتفرع عنها من تمثلات للعنف الرمزي والرفض غير المؤسسي. ومن ثمّ فإن الصعلوك في الشعر الحديث لا يعود كذاتٍ مكتملة المعنى أو بوصفه بطلاً مضادًا بالمعنى التقليدي، بل يتحول إلى كيان إشكالي يعيش توترًا دائمًا بين المقاومة والانكسار، وبين الفعل والإقصاء. وفي هذا السياق، يغدو الصعلوك أقرب إلى استعارة للذات الثقافية المهمَّشة في صورتها المعاصرة، ولا سيما ذات المثقف أو الشاعر الخارج عن مؤسسات الاعتراف والسلطة، بحيث تتقاطع دلالته التراثية مع تمثلات الحاضر في إنتاج صورة مركبة للهامش بوصفه مجالًا للصراع بين الرغبة في التمرد واستحالة اكتماله. ومن هنا، فإن استدعاء الصعلوك في النصوص الشعرية الحديثة لا يُفهم بوصفه إحالة تاريخية، بل بوصفه استراتيجية ثقافية لإعادة قراءة العلاقة بين المركز والهامش، والسلطة والذات، ضمن أفق جمالي ومعرفي يتسم بالتوتر والانفتاح الدلالي.
وفي هذا السياق لا تستعيدُ القصيدةُ الحديثةُ الشخصياتِ التراثيةَ بوصفها عناصرَ زخرفيةً أو إحالاتٍ معرفيةً معزولة، بل بوصفها أنساقًا ثقافيةً قابلةً لإعادةِ التأويلِ داخلَ شروطٍ تاريخيةٍ جديدة. ومن هنا يمكن قراءةُ استدعاءِ شخصيةِ «خِراش» في نصِّ أجود مجبل ضمنَ أفقٍ يتجاوزُ التناصَّ المباشرَ مع التراث، إلى محاولةِ إعادةِ إنتاجِ صورةِ المثقفِ العراقيِّ المعاصر عبر قناعِ الصعلوك العربي. فالصعلكةُ من منظورٍ ثقافي، ليستْ مجرّدَ ظاهرةٍ اجتماعيةٍ ارتبطتْ بالفقرِ أو العنفِ أو التمرّدِ الفردي، بل هي تمثيلٌ مبكرٌ لأزمةِ العلاقةِ بين الفردِ ومنظومةِ المركز؛ أي بين الذاتِ الهامشيةِ والبنيةِ السلطويةِ التي تنتجُ الشرعيةَ والانتماءَ والمعنى. ولهذا فإن الصعلوكَ العربيَّ كان دائمًا كائنًا فائضًا عن النظامِ الرمزيِّ للقبيلة، تمامًا كما يبدو المثقفُ الحديثُ فائضًا عن أنظمةِ السلطةِ السياسيةِ والهوياتِ المغلقةِ في السياقِ العربيِّ الراهن.
ضمنَ هذا التصور، لا يعودُ «خِراش» في نصِّ أجود مجبل شخصيةً تاريخيةً بقدرِ ما يغدو بنيةً رمزيةً تُعيدُ تمثيلَ الذاتِ الثقافيةِ المهشّمةِ في الواقعِ العراقي. ولذلك يبدأُ النصُّ بتقويضِ الوظيفةِ التقليديةِ للصعلوك بوصفهِ صيادًا أو منتجًا للغنيمة:
«خِراشُ السَّواديُّ ما اصطادَ شيئًا
ولمْ تتكاثرْ عليهِ الظِّباء»
إن فعلَ النفي هنا لا يشتغلُ على مستوى الحدثِ فقط، بل على مستوى النسقِ القيميِّ الكامنِ خلفَهُ. فالقصيدةُ تنزعُ عن الشخصيةِ مفهومَ «الظفر» الذي كان يُنتجُ شرعيةَ البطولةِ في المخيالِ القديم. وبهذا المعنى يتحولُ خِراشُ من ذاتٍ فاعلةٍ داخلَ اقتصادِ الغلبةِ إلى ذاتٍ مُقصاةٍ منطقًا وتاريخًا. غير أن النصَّ يعيدُ تعريفَ الغنيمةِ نفسِها حين يقول:
«صحيحٌ هو اصطادَ نافذةً
ومنها أطَلَّ على الأصدقاء»
فالنافذةُ هنا لا تؤدي وظيفةً مكانية، بل تتحولُ إلى استعارةٍ إبستمولوجيةٍ للرؤيةِ وإمكانيةِ الاتصالِ بالعالم. إن خِراشًا لا يربحُ الأرضَ أو السلطةَ أو الامتياز، بل يربحُ «إمكانَ النظر»، أي القدرةَ على الاحتفاظِ بحدٍّ أدنى من الوعيِ داخلَ واقعٍ مغلق. ومن هنا تتبدّى القصيدةُ بوصفها دفاعًا عن الهامشِ الثقافيِّ بوصفهِ آخرَ مساحةٍ ممكنةٍ للحرية. ويزدادُ هذا المعنى وضوحًا في قوله:
«عليهِ تكاثرتِ الطلقاتُ
وكان يُدافعُ عنهُ الهواء»
فالطلقاتُ لا تُقرأُ هنا بوصفها عنفًا ماديًا فحسب، بل بوصفها تمثيلًا مجازيًا لمنظوماتِ الإقصاءِ التي تُمارسُها السلطةُ بمختلفِ أشكالِها: السياسية، والاجتماعية، والأيديولوجية. أما «الهواء» الذي يدافعُ عنه، فيكشفُ هشاشةَ الحمايةِ التي يمتلكُها المثقفُ الحرُّ داخلَ بنيةٍ تُعادي الاختلاف. فالهواءُ، بوصفهِ عنصرًا غيرَ قابلٍ للامتلاك، يتحولُ إلى رمزٍ للحريةِ المجردة؛ تلك الحريةِ التي لا تستندُ إلى مؤسسةٍ أو جماعةٍ أو يقينٍ مغلق. ومن هنا فإن الطعناتِ المتكاثرةَ لا تنتهي بالفناء، بل تُنتجُ شكلًا آخرَ من الوجود:
«فأصبحَ يملكُ هذا العراء»
إن العراءَ في هذا السياق لا يحيلُ إلى الفقدِ وحده، بل إلى انكشافِ الذاتِ خارجَ جميعِ البنى الحامية. وبهذا المعنى يتحولُ العراءُ إلى فضاءِ حريةٍ سلبية؛ أي حريةٍ لا تتحققُ عبر الامتلاك، بل عبر التخلّي القسريِّ عن المركز. وهنا تقتربُ القصيدةُ من التصوراتِ الوجوديةِ التي ترى أن الإنسانَ لا يمتلكُ حقيقتَهُ إلا بعدَ انهيارِ الأوهامِ الجماعيةِ الكبرى.
أما صورةُ الحقيبةِ التي «تتساقطُ منها النساء» فتشتغلُ بوصفها أرشيفًا رمزيًا للذاتِ العاطفيةِ المهشّمة. فالنساءُ هنا لا يمثلنَ حضورًا جسديًا بقدرِ ما يمثلنَ آثارًا لذاكرةٍ شخصيةٍ متشظية، الأمرُ الذي يجعلُ الحقيبةَ استعارةً للمنفى الداخليِّ الذي يحملهُ الفردُ معه أينما ذهب. وتبلغُ القصيدةُ ذروتَها الثقافيةَ حين يتحولُ القبرُ إلى مقهى:
«وبعدَ سنينٍ رأوا قبرَهُ صارَ مقهًى
يلوذُ به الشعراء»
فالمقهى، في الذاكرةِ الثقافيةِ العراقية، ليس فضاءً ترفيهيًا فحسب، بل مؤسسةً رمزيةً بديلةً عن المؤسساتِ الرسميةِ المغلقة؛ إنه فضاءُ الاعترافِ الهامشيِّ وتداولِ الخطاباتِ الممنوعةِ وإنتاجِ المعنى خارجَ السلطة. وحين يتحولُ القبرُ إلى مقهى، فإن الذاتَ الشاعرةَ تتجاوزُ حدودَ الموتِ الفيزيائي لتغدو أثرًا ثقافيًا مستمرًا في الذاكرةِ الجمعية؛ ولهذا تبدو الخاتمةُ منسجمةً مع البنيةِ الرمزيةِ للنص:
«ولكنَّهُ لم يمتْ،
هل يموتُ الذي قلبُهُ عامرٌ بالغناء؟»
فالغناءُ هنا لا يُقرأُ بوصفهِ فعلًا جماليًا فحسب، بل بوصفهِ طاقةً مضادةً للعدم؛ أي قدرةَ الذاتِ على إعادةِ إنتاجِ المعنى في مواجهةِ الخراب. وبذلك ينجحُ أجود مجبل في تحويلِ شخصيةِ «خِراش» من مجرّدِ إحالةٍ تراثيةٍ إلى استعارةٍ ثقافيةٍ للمثقفِ العربيِّ المعاصر؛ ذلك الكائنِ الذي خسرَ علاقتَهُ بالمركز، لكنه ظلَّ يمتلكُ شيئًا أخيرًا: قدرتَهُ على تحويلِ الهامشِ نفسِه إلى فضاءِ مقاومةٍ رمزية. ومن خلاله يُطلُّ الشاعرُ المعاصر بهمومه المعيشة مجسِّدًا من خلال استدعائه شخصية الصعلوك "خراشة" ما يريد قوله بصورةٍ ذكيّة يتحسّسها المتلقّي الذكيّ لسبر مثل هكذا خطاب شعري يأبى أنْ يقدّم إدانته للواقع مثل إفادةٍ باردة لشخص يقف بين يدي محقق يستجوبه فيما يريد. وهذا بحسب ما أراه ويراه غيري من نُقّاد الشعر الحديث، تقنية جدّ مهمة في إنقاذ الشعر العربي بشكله النمطي/ التقليدي، من أوزار التقريرية والخطابية التي ابتُلِي الكثير من الشعراء فيها، ويُمكن أنْ أجازف بالقول: إنَّ أجود مجبل هنا، مارسَ ضربًا من الصعلكة الفنّية، بعد أنْ أشرنا أنها تنطوي على التمرُّد على أنساق المجتمع، فهنا الشاعر يكيّفها لا بما يريد الإفصاح عنه من مضامين وأفكار فحسب، بل بمجمل هذا الاستدعاء الفنّي الذكيّ لشخصية الصعلوك "خراشة"، بل أكثر من ذلك، حين يتمرد على النمطيّ المعتاد عند الشعراء المعاصرين، حين اتّكأوا على أبرز رموز الصعلكة، مثل: عروة بن الورد، أو الشنفرى، أو تأبط شرًّا، ولم ينفضوا الغبار عن رموز أخر تُمثّل هذا الاتّجاه مؤكِّدًا حضوره الواعي في التراثي وبحثه العميق في طياته.
***
د. وسام حسين العبيدي







