عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

عماد خالد رحمة: الجهة الخامسة للأدب.. رسلان عودة

تفكيك الجغرافيا الرمزية وبنية القمع في خطاب الجسد

تنهض قصة "الجهة الخامسة" للكاتب رسلان عودة بوصفها نصاً سردياً يتجاوز حدوده الحكائية المباشرة، ليتحوّل إلى بنية دلالية مفتوحة، تتقاطع فيها السلطة بالجسد، والمقدّس بالمدنّس، والحرية بالقمع. إنها قصة بسيطة في ظاهرها—رجل يبحث عن مكان لقضاء حاجته—غير أنّها في عمقها نصّ كينونيّ احتجاجيّ يعرّي بنية المجتمع حين تتحوّل الجهات إلى محظورات، والوجود إلى مطاردة.

أولاً: ملخص مركز للنص

تدور القصة حول شخصية الراوي الذي يترجل من الحافلة في منطقة نائية، بدافع حاجة بيولوجية ملحّة. يحاول أن يقضي حاجته، لكنّه يُمنع في كل مرة من قبل قوى مختلفة:

رجل يحرّمه بدعوى "قصر المبجّل"

فلاح يتهمه بالإساءة إلى مقام ديني

رجل آخر يمنعه بدعوى "القبلة"

جماعة سياسية تتهمه بمعاداة الحزب

وأخيراً يواجه صنماً رمزياً

تنتهي القصة بانفلات الجسد من كل القيود، حين يخلع الراوي ثيابه جزئياً، ويقضي حاجته متحدياً الجميع، في مشهد يحمل دلالة تحررية عميقة.

ثانياً: تحليل البنية السردية

١. الحدث والحبكة:

الحبكة تقوم على تكرار حدث واحد (محاولة قضاء الحاجة) ضمن سياقات مختلفة، وهو ما يمنح النص طابعاً دائرياً تصاعدياً.

البداية: حاجة طبيعية

الوسط: سلسلة من المنع والقمع

العقدة: استحالة تحقيق الفعل البسيط

الذروة: إدراك تعدد "الجهات الممنوعة"

الحل: التمرّد الجسدي

٢. التفكيك البنيوي:

البنية تقوم على:

تكرار - اختلاف: نفس الفعل، مبررات مختلفة

تصاعد القمع: من فردي إلى جماعي

تفكك المعنى: تعدد المرجعيات (دينية، سياسية، اجتماعية)

ثالثاً: تحليل الشخصيات: (نفس-رمزي)

١. الراوي (الذات)

يمثل الإنسان الطبيعي في صراعه مع منظومات القمع.

وفق منظور معظم علماء النفس وعلى رأسهم عالم النفس السويسري كارل يونغ، يمكن اعتباره:

تمثيلاً لـ"الأنا" في مواجهة "الظل" الجمعي (القمع الاجتماعي)

٢. الشخصيات الأخرى:

رجل القصر: سلطة سياسية

الفلاح- المزار: سلطة دينية شعبية

صاحب السبحة: سلطة فقهية

جماعة الحزب: سلطة أيديولوجية

الصنم: سلطة رمزية مطلقة (الأيديولوجيا المتحجرة)

جميعهم تمثلات لـ"الأنا العليا القمعية" التي تفرض حدوداً على الجسد.

رابعاً: الزمن والمكان: لم يغفل الأديب رسلان عودة الزمن والمكان لأهميتهما

١. الزمن

زمن خطي ظاهري

لكنه زمن نفسي متوتر، يتمدد مع اشتداد الحاجة، تتخلله استرجاعات (الطفولة)

٢. المكان:

المكان هنا ليس جغرافياً فقط، بل خريطة قمع:

كل جهة تساوي سلطة

الفضاء المفتوح يتحول إلى فضاء مغلق رمزياً

خامساً: اللغة والأسلوب:

١. اللغة

لغة النص:

حية، ساخرة، مشحونة

تمزج بين الفصيح والدارج أحياناً

تعتمد على المفارقة

٢. الصور

مثل:

"أعصر فخذيَّ ببعضهما وأتلوى كأنني في مخاض"

صورة تحوّل الفعل البيولوجي إلى تجربة وجودية.

٣. الإيقاع

إيقاع متسارع

يعكس التوتر الداخلي

يتصاعد مع تصاعد القمع

سادساً: الرموز والدلالات

١. "الجهات"

ليست جغرافية، بل:

الدين

السياسة

المجتمع

الأيديولوجيا

(الخامسة): الحرية - الذات

٢. الجسد

يمثل: ١- الحقيقة الأولى، ٢- الطبيعة

ما لا يمكن قمعه نهائياً

٣. البول (الماء)

رمز: التطهير، الانفجار، التحرر

سابعاً: توظيف المناهج النقدية

١. المنهج البنيوي

يكشف: تكرار البنية، العلاقات بين العناصر، نظام التضاد (حرية-قمع)

٢. المنهج النفسي

النص يعكس:

صراع الأنا مع السلطة الجمعية

انبثاق "الظل" في صورة القامعين

لحظة التحرر = تكامل نفسي

من جهة المقاربة الهيرمينوطيقية (التأويلية) فالنص بوصفه انفتاحاً دلالياً. في المنظور الهيرمينوطيقي، لا يُختزل النص في معناه الظاهر، بل يُفهم بوصفه بنية مفتوحة على تعددية التأويل. وقصة "الجهة الخامسة" تقدم نفسها منذ البداية كـ"لغز تأويلي":

"ألحَّ نداء الطبيعة على طبيعتي..."

هذه الجملة لا تحيل فقط إلى حاجة جسدية، بل إلى نداء كينوني، حيث "الطبيعة" هنا تتجاوز البيولوجي لتغدو استعارة عن الأصل الإنساني غير المروَّض.

وتأويل "الجهات" بوصفها أنساق معنى

الجهات الأربع في النص ليست جغرافية، بل أنظمة تأويل مغلقة:

جهة القصر: تأويل سياسي للوجود

جهة المزار: تأويل ديني شعبي

جهة القبلة: تأويل ديني تقنيني

جهة الحزب: تأويل أيديولوجي

كل جهة تمثل نظاماً يفرض معنى واحداً للعالم، ويرفض أي انحراف عنه.

أما "الجهة الخامسة"، فهي:

أفق تأويلي متمرّد، يرفض الانغلاق، ويعيد المعنى إلى أصله: الجسد.

٣. المنهج التفكيكي:

النص يهدم:

ثنائية المقدس- المدنس

الشرعية- الانحراف

النظام - الفوضى

ثامناً: البعد الفلسفي

القصة تطرح سؤالاً وجودياً:

هل يمكن للإنسان أن يعيش طبيعته في عالمٍ مُؤدلج؟

هي نقد لـ:

١-تسييس الجسد

٢- تقديس القمع

٣- تحويل الحياة إلى محظورات

وتنتمي إلى أفق:

الوجودية (الحرية الفردية)

ما بعد الحداثة (تفكيك السلطة)

تاسعاً: جدلية الثنائيات

١- الجسد - السلطة

٢- الحرية - القمع

٣- الطبيعة - الثقافة

٤- الفرد - الجماعة

٥- المقدس - المدنس

النص لا يحل هذه الثنائيات، بل يفجّرها.

عاشراً: خاتمة تقييمية

تنجح قصة "الجهة الخامسة" في أن تكون نصاً سردياً مكثفاً يحمل طاقة رمزية عالية، حيث تتحول واقعة بسيطة إلى مأساة وجودية ساخرة. إنّها قصة عن:

إنسانٍ حاصرته الجهات الأربع… فاخترع الخامسة: التمرّد.

اللغة مشحونة، البنية متماسكة، والدلالة عميقة.

وقد استطاع الكاتب أن يكتب نصاً يعرّي الواقع دون خطاب مباشر، معتمداً على جسدٍ يقول ما تعجز عنه الأيديولوجيات.

في "الجهة الخامسة"، لا يبحث البطل عن مكانٍ ليقضي حاجته، بل عن مكانٍ، ليكون إنساناً.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

.......................

الجهة الخامسة

1- ألحَّ نداء الطبيعة على طبيعتي، فطلبتُ من سائق الحافلة أن ينزلني على الطريق في هذه المنطقة النائية، فالمسافة المتبقية إلى قريتي ليست بالبعيدة.. ومن غضب القدر أن جعل هذه القرية على حزام المدينة، فلا هي تمدنت، والمدينة تريفت.

هرولتُ مسرعاً إلى أسفل الإسفلت ويداي تفكَّان حزام بنطالي.. أدرتُ وجهي للريح عملاً بوصية الأعرابي لابنه، هممتُ بنزع سحَّاب نافذة الحشمة، لكنَّ يداً ضربت كتفي وبصوت غاضب قال صاحبها قبل أن أراه:

- ألا تعلم بأن قصر المبجل أمامك يا مواطن؟..

أتلفتُ حولي، أحرف بصري إليه مغمض العينين خجلاً وأنا أتحول إلى آلة شفط:

- والله لا علم لي!.. ثم أن القصر يا هذا، هناك على جبل يخاصر المدينة؛ بيني وبين أسواره مسافة مسير يوم لحمار أعرج.. وما سمعتُ يوماً، وأنا ابن هذه الديرة أن أحداً مرَّ بقرب السور قاصداً أو تائهاً وعاد إلى بيته!..

صاح الغضب في صوته: أنا لست هذا، يا نكرة!. أقسم بالمبجل العظيم، لولا أن فتحة سروالك سبقت كلامك؛ ما كنتَ لتعودَ إلى بيتك يا بعر الإبل!.. مسحتُ عصير الرعب عن جبيني وهو يرفع يده عن مسدسه: اغرب عن وجهي يا أهبل..

2- شرَّقتُ، أتهبلُ مهرولاً حتى وجدتني ألهثُ بين رجمين من أحجار بيض وسود، وما إن وصلتْ أصابعي إلى قفل السحَّاب حتى نادى عليَّ من بعيد فلاح أصلع الرأس، طويل الذقن، ترك المحراث وركض نحوي:

- قاتلك الله أيها الماجن الكافر.. كان هذا سلامه عليَّ، ثم أردف كأنه شرطي البلدية

- أتفعلها في وجه سيدنا ومولانا قدَّس الله سره.. ألم ترَ قبة المزار الخضراء يا بني آدم؟!.

صاح منادياً سيده ومولاه أن يسخطني قرداً.. كلباً.. ثوراً يفلح له أرض الوقف..

اعتذرتُ ويدي تخفي بعضاً مني وهو لا يهتم، فأخبرته بجهلي بوجود أي مقام في هذا الاتجاه.. قلت وظهري له: لكنني يا عبد المزار، رأيت قبل قليل كلباً رفع قائمته الخلفية لمستوى ظهره، وفعلها بذات الاتجاه!

تركته يبربر ويحكي ما أفهمه وما لا أفهمه، فحالتي لا تسمح لي بالفهم كثيراً!.. تمنيتُ لو أصبح ثوراً لأقضي حاجتي أينما أريد.. هربتُ بعيداً عنه، أهرول عكس الاتجاه، أبحث في السهل

الفسيح وفي ثنيات التلال الجرداء، (أتفركش) بخطاي ساقاً على ساقٍ، وقدماً تتعثر بأختها، أحصر مائي وأكز على أسناني.. أغني وأخلط العتابا بالدلعونا! هكذا سمعت مرة أن إشغال الذاكرة يخفف من عناد الحاجات الملحة.

3 - جال بصري هذه المرة بحذر في الجهات كلها.. لم ألحظ أحداً.. تنفستُ الصعداءَ وزفير مائي المكتوم يخنق أحشائي، فأعصر فخذيَّ ببعضهما وأتلوى كأنني في مخاض.. أجرُّ بأصابعي المرتجفة السحاب إلى نصفه، لكن وجهاً بشع الملامح لرجل غريب الهندام يرفع سرواله ضيق الساقين، وفوقه ثوب كأنه مريول عاملة جلي الصحون في مطعم المدينة.. برز لي من جانبي الأيمن وبيده سبحة بطوله، نهرني واتهمني بالكفر والإلحاد مرة أخرى، استفسرت منه عن السبب! فأجاب:

الآن أيقنت بكفرك.. رجل بمثل سنك لا يعرف يمينه من شماله؟!.. والله لا يفعلها باتجاه القبلة إلا شيطان.. ارحل من هنا قبل أن ينزل غضبي وغضب الله عليك.

(قلت في نفسي: ليت غضب الله ينزل!..) أدرت وجهي عنه ونظرت إلى المكان الذي سأهرب إليه، نسيتُ لبرهة تلاطم الموج في أسفل بطني على رجم صاحب السُبحة بأحجار لا تصل إليَّ.

تفكَّرتُ بالجهات الثلاث الممنوعة وتذكرت أيام الطفولة حين كنا نرشق ماءنا جماعة ونحن لا نعرف الشرق من الغرب.. نصطف إلى جانب بعضنا البعض والدنيا غروب، نتحدى من منا يصل ماؤه أبعد من الآخر؟.. وكثيراً ما كنا نرسم نجوماً ودوائر واسعات ونحن ندور في مكاننا مثل ذبابة هوَت عليها كف جدي.. لا تهمنا جهة ولا نهتم لعابر طريق.. نضحك ملء أفواهنا ونصفق للرابح فينا، إلَّا برهوم ابن الفرَّان كان يقف على بعد خطوات منا خجولاً مكتئباً، فهو لا يشاركنا لأن (الصفوري) لم يختنه بعد!.. مرة واحدة ربحتُ بعد أن شربت كثيراً وحصرتُ الماء في جسدي لساعة اللقاء والتحدي!.

4 - اتجهتُ إلى الجهة الرابعة وأنا أتساءل: لا يُعقل أن يكون في هذه الجهة ما يمنع تلبية نداء الطبيعة؟!.

جثوتُ على ركبتيَ كي لا يراني أحد، وأنا الذي اعتاد على فعلها واقفاً، فما زال صوت أمي في رأسي حين وبختني ذات مرة، وكنا في البرية والموسم حصاد.. يومها أخذتُ القرفصاء بعيداً عنها، فصاحت بي: قف يا (بنوتة).. لا تفعلها مثل البنات!.

سحل بنطالي الذي لم يعد يطيق خصري إلى ما فوق الركبتين بقليل، زفرت نفساً طويلاً مع بدء انهيار السد.. لكن أحداً رفعني من كتفي ورماني أرضاً، كانوا أكثر من شخص.. قال واحد منهم وكان بعيداً:

- ارموه في حفرة النفايات.. هناك أسفل التلة السوداء.

توقف شلال السد فجأة، وكأن للجسد كوابحَ قطارٍ سريع!؟

لم أهتم لسحلهم إياي بقدر ما كنت مهتماً برفع بنطالي وستر ما تحته.. سألت صاحب الشارب الكثيف عن سبب طردي؟ فرد الرجل البعيد:

- ألم ترَ هناك لهيب شعلة حزب الكادحين، أيها البورجوازي العميل؟.

أذكر أنني رأيتُ في المدينة؛ تمثالاً أسود لرجل يرتدي شروالاً وفي قبضة يده شعلة كئيبة فوق رأسه، لا تُضيء!.

نكزني لأصحو من ذاكرتي المعتمة قائلاً:

- من أرسلك؟.

أصرخ مع كلِّ ركلة ورفسة: لا علم لي.. أبي فلاح وأنا طالب جامعي، أعمل عتالاً أمام الفنادق!. لو كنت أعلم لوقفتُ على بابكم شاكياً!؟.

زحفتُ إلى أبعد من ظل جبل، أترنح متثاقلاً، أتهجَّى الجهات الممنوعة.. لم أعد قادراً على معاندة تصريف السموم من جسدي.. ركضتُ إلى رأس التلة على أربع؛ كتيسِ صاحب عيون المها!.. انتصبتُ على طولي..

فانتصبَ أمامي صنم بطول شجرة سرو هرمة، يرفع يده، يُحيي مدينةً أعلى ما فيها يصل إلى ركبتيه.. سألت سحابة عابرة: هل لغير الأشجار من أحدٍ يعلو فوقها؟!

أتلفت حولي وأدور حول قاعدة الصنم العملاق.. كلهم تركوا الجهات كلها، وجاؤوا إليَّ يتراكضون، عرفوا أنني كافر ملعون لا أعبد ما يعبدون!.. وعرفتُ الآن بعد شك أن خمس جهات لهذا البلد؟! ضاقت بي الجهات، فخلعتُ عني نصفي المبلول، وتركتهم يركضون ورائي حافياً نصف عارٍ، ومائي الأصفر المخنوق يركض أمامي حراً طليقاً..

ينظرون إليَّ بوقاحة.. أرمقهم بدمع الخلاص.. ومع آخر قطرة أصابتني الرجفة إياها فلكأن للجسد رقصةَ خلاصٍ بعد انحباس!؟..

***

رسلان عوده

كانون ثاني2020