عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

غالب المسعودي: انطولوجيا الذاكرة وتحولات المتخيل السردي

البنية والتفكيك في المنجز الإبداعي لـ "المكتبة المعمدانية" للروائي جاسم عاصي

مدخل سياقي: المثقف الموسوعي ورهانات الجيل الستيني

يجسّد الروائي والناقد العراقي جاسم عاصي (المولود في مدينة الناصرية العام 1945) نموذجاً استثنائياً ومعرفياً للمثقف الموسوعي الذي أفلح باقتدار في ردم الفجوة القائمة بين الممارسة الإبداعية السردية وبين الوعي النقدي التنظيري. إن مسيرته الأدبية التي استهلت في منتصف الستينات، وتحديداً في العام 1965، تضعه في صلب "الجيل الستيني" العراقي؛ ذلك الجيل الإشكالي الذي اجترح مسارات حداثية مغايرة في بنية السرد العربي، مدفوعاً بالتحولات الوجودية والسياسية والاجتماعية الكبرى التي عصفت بالمنطقة العربية والعراق على وجه الخصوص.

إن عمل عاصي في سلك التعليم لأكثر من أربعة عقود (منذ العام 1964 وحتى 2008) لم يكن مجرد مسار وظيفي رتيب أو مهنة عابرة، بل كان بمثابة مختبر اجتماعي وأنثروبولوجي حيّ، أتاح له رصد التحولات العميقة في سيكولوجية الشخصية العراقية واستبطان الذاكرة الشعبية الجمعية، التي تحولت لديه لاحقاً إلى مادة خام لصياغة مخياله الروائي والقصصي. تتسم تجربته بثراء معرفي يتجاوز حدود السرد التقليدي نحو آفاق الميثولوجيا، والأنثروبولوجيا، والنقد الجمالي المقارن. وقد توجت هذه المسيرة الحافلة بجوائز إبداعية رفيعة، منها جائزة الإبداع الروائي لعام 2010 عن روايته «انزياح الحجاب ما بعد الغياب»، وجائزة الإبداع النقدي لعام 2014 عن كتابه «العصا والضوء»، مما يبرهن على أن أعماله الروائية ليست مجرد حكايات، بل هي تطبيقات جمالية واعية لذاتها، ومنظومة نقدية متكاملة ترفعه إلى مرتبة "المفكر الأدبي" الذي يقرأ العالم عبر عدسة السرد.

التفكيك الدلالي لـ "المكتبة المعمدانية" وعتبة "المجاورة"

يشكّل عنوان المجموعة القصصية «المكتبة المعمدانية: قصص المجاورة» (الصادرة عن دار توليب) عتبة نصية باذخة بالدلالات الرمزية والتاريخية العميقة. فالمكتبة في متخيل جاسم عاصي تتجاوز كونها مجرد مستودع فيزيائي للكتب، لتغدو فضاءً أنطولوجياً واسعاً للأرشفة، والتدوين، وصون الذاكرة من التآكل. أما صفة "المعمدانية" الملحقة بها، فهي تحيل مباشرة إلى إرث الصابئة المندائيين (أهل التعميد) الذين يمثلون جزءاً أصيلاً من نسيج جنوب العراق، مما يشير بوضوح إلى مسعى الكاتب لتقديم نص يمارس فعل "التعميد المعرفي" للذاكرة العراقية المثقلة بأوزار الحروب، والخراب، والنسيان المتعمد.

في الأطر البنيوية العميقة لهذا العمل، يبرز مفهوم "المجاورة" كبراديغم فلسفي وسردي مركزي. المجاورة هنا لا تقف عند حدود المعنى المكاني السطحي، بل تتسع لتشمل المجاورة المعرفية والإنسانية الكونية؛ إنها تعني تداخل النصوص (Intertextuality)، وتجاور الأفكار المتناقضة وتقارب المسافات الجمالية بين الواقعي اليومي والأسطوري الغابر، وبين التاريخي الموثق والمتخيل المبتكر. المجاورة هي فعل "حوارية" (بالمفهوم الباختيني) مستمرة بين الأنا والآخر، وبين النص المرجعي الأصيل والنص المبتكر الحديث، مما يحول المكتبة من مجرد رفوف صامتة إلى كيان حيّ، نابض، يتنفس عبر التفاعل الخلاّق بين هذه المكونات المتعددة.

يبرز هنا تأصيل مصطلح "المجاورة" كمنهجية فلسفية وسردية ترفض الإقصاء؛ فهي ليست مجاورة مكانية فحسب، بل هي "مجاورة معرفية" وتناصّية كبرى. المجاورة عند عاصي تعني أن تتعايش النصوص في حيز واحد دون أن يلغي أحدها الآخر. تطرح «المكتبة المعمدانية» رؤية استثنائية للفعل السردي بوصفه عملية "جرد وترميم" شاملة. فالعملية التقنية الدقيقة الموصوفة داخل النص (من عزل الكتب، وتبخيرها، وتعقيمها، ثم تصنيفها وترميم غلافاتها) ما هي إلا استعارة كبرى لفعل نقدي وفكري يسعى عبره جاسم عاصي لتنقية الذاكرة الثقافية من "العوالق" الأيديولوجية و"الفطريات" الظلامية التي علقت بها جراء عقود من الإهمال، أو التزييف التاريخي، أو القمع الثقافي.

الأطر البنيوية: جدلية "المحسوب وغير المحسوب" والأثر الدوستويفسكي

في العمق البنيوي لـ «المكتبة المعمدانية»، يتجلى صراع وجودي ضارٍ بين ثنائية "المحسوب" و"غير المحسوب". يطرح السرد إشكالية التوغل في "غير المحسوب" بوصفه منطقة خطرة، ومظنة للهلاك والضياع في لظى التجريب، لكنه في الوقت ذاته يرى في "المحسوب" نوعاً من الامتثال للميول الذاتية الضيقة والنمطية، وهو خضوع ذليل يتنافى تماماً مع حرية الإبداع وجوهر "الانزياح" الفني.

هنا، يتردد صدى المناخات الدوستويفسكية بوضوح شديد في نسيج النص؛ فالمكتبة تتحول إلى ساحة كبرى لصراع الأرواح القلقة والمعذبة. نجد استحضاراً واعياً لنموذج "الأب زوسيما" كرمز للحكمة الروحية العميقة، والقدرة الفائقة على الغفران، والترميم الروحي للإنسان المحطم، وذلك في مواجهة نماذج القلق الوجودي والشر الدفين التي يمثلها "سميردياكوف". جاسم عاصي، عبر سارده العليم، يحرص على "الثبات" الأخلاقي والجمالي أثناء اجتياز وقع أقدام الذوات اللاهثة خلف السراب، في إشارة رمزية إلى الرغبة في التمايز عن السائد والمبتذل. إن تفكيك هذه الجدلية يكشف عن رؤية نقدية ثاقبة لسلطة "القرار الأبوي" الصارم الذي يصادر أحلام الابن ويقمع تطلعاته، وهو ما ينسحب بالضرورة على الأنظمة المعرفية والسياسية التي تحاول قولبة الخيال الروائي ضمن أطر "محسوبة" سلفاً، بينما يحاول الكاتب الانعتاق نحو "غير المحسوب" ليس بغرض التيه، بل لتحقيق "الخضوع" الإرادي لجماليات الفن الخالص.

المتخيل السردي: من ميثولوجيا كلكامش إلى أيقونة المسيح

يعتمد جاسم عاصي في تشكيل مخياله الروائي على "هاجس مركزي" وقلق وجودي يتمثل في ثنائية الحياة والموت. هذا التوجه هو وليد تجربة وجودية شخصية مبكرة، تطورت بمرور الزمن لتتشابك مع رموز التاريخ والميثولوجيا الكبرى. يستحضر عاصي في نصوصه رموزاً عليا مثل «كلكامش» في بحثه عن الخلود، و«أنكيدو» في صراعه مع الطبيعة، و«إله القمح» في دورة انبعاثه، وصولاً إلى شخصية «الإمام الحسين»، بوصفها صوراً تراجيدية عالية في التاريخ الإنساني تجسد مفاهيم المأساة، والتضحية، والبعث الرمزي.

تتعمق هذه البنية التفكيكية في "المكتبة المعمدانية" من خلال استحضار المناخات الروحية؛ فالصراع بين الحكمة الروحانية (زوسيما) والانسحاق الوجودي (سميردياكوف) يجعل من المكتبة فضاءً تُعقم فيه الكتب ليس من الفطريات الورقية فحسب، بل من أوزار التاريخ والشرور البشرية المتراكمة. كما تبرز في أجواء المكتبة (سواء في عمان أو غيرها) صور أيقونية مركزية، لعل أهمها صورة "رأس المسيح" التي تعبر عن الفداء، والألم النبيل، والقيامة. هذه الأيقونات في نص عاصي ليست مجرد زينة جدارية، بل هي "مفاتيح تأويلية" تمنح المكتبة طابعاً قدسياً ومعمدانياً.

ويتقاطع هذا التوجه مع تأثير ملحمة «الشيخ والبحر» لإرنست همنغواي، حيث يبرز الصراع البطولي للإنسان ضد الفناء وضد قوى الطبيعة الغاشمة. هذه المجاورة النصية بين آلام المسيح وصمود الصياد العجوز (سانتياغو) تخلق بنية سردية مشدودة بين قطبي المعاناة الإنسانية والانتصار الرمزي، مما يمنح العمل صفة "الأنطولوجيا الكونية" التي تخاطب الإنسان في كل زمان ومكان. إن توظيف الأسطورة والرمز الديني يعمل هنا كـ "قناع إبداعي ومعرفي" يتيح للكاتب تجاوز النسق السردي المألوف وربط سردياته بالمنظور العام لحركة التاريخ والفكر الإنساني.

السرد والتاريخ: جماليات المسكوت عنه والانزياح السردي

يميز جاسم عاصي بذكاء نقدي بين "المدوّن" التاريخي الرسمي وبين "الشفاهي" والمسكوت عنه في طيات الزمن. الرواية عنده هي الأداة الكفيلة بربط الواقعة التاريخية الجافة بالمنظور الذاتي والمخيال السردي الخصب، مما يشيّد "بنية متصورة للتاريخ" تستثمر الفجوات التي أغفلها أو تعمد المؤرخ الرسمي إغفالها. هذا المنهج يجعل من «المكتبة المعمدانية» نصاً يتجاوز التوصيف الجغرافي الصرف للأمكنة نحو "جمالية المبنى"، حيث يشتبك المتخيّل بالواقع لصياغة سردية بديلة. إن فعل جرد محتويات المكتبة هو في حقيقته "أرشفة مضادة" تسعى لصيانة ما لم يحفظه التاريخ، وهو فعل يجسد أقصى درجات الانزياح السردي عن الجامد نحو الحي والمتحرك.

التداخل بين النقد والتشكيل والسرد: القيم اللمسية للكلمة

لا يمكن قراءة هذا المنجز الإبداعي بمعزل عن اهتمامات جاسم عاصي العميقة بالفنون البصرية والتشكيلية؛ فدراساته المستفيضة في لوحات فنانين مثل بشير مهدي، وخالد خضير الصالحي، وكامل الموسوي، منحت سردَه وعياً بصرياً حاداً وقدرة على "تجسيد" المعنى. ينعكس ذلك بوضوح في وصفه الدقيق لمحتويات المكتبة؛ حيث تصبح الكتب عنده "كتلاً" فراغية ذات "قيم لمسية" وتشكيلية.

الروائي هنا يتصرف كـ "مرمم آثار" أو كفنان تشكيلي يعيد بناء اللوحة؛ فهو يبحث في التوقيعات المتروكة على هوامش الكتب عن أرواح أصحابها الغائبين، ويستنطق الشخصيات التي كانت تمتلك هذه المخطوطات. هذا البعد الآثاري والأنطولوجي يمنح العمل صبغة تبحث في كينونة الإنسان عبر ما تركه من أثر ورقي، محولاً فعل القراءة من مجرد تلقٍ سلبي إلى رحلة استكشافية في أعماق النفس البشرية بآلامها (المتمثلة في رأس المسيح) وصمودها الأسطوري (المتمثل في الشيخ والبحر).

"المكتبة المعمدانية" كأرشيف للمستقبل

إن المكتبة المعمدانية: "مجموعة قصص المجاورة" هي بمثابة بيان ختامي وإبداعي لجيل حاول بكل قوته المزاوجة بين الحداثة والتراث، وبين صرامة المنهج النقدي وحرية الخيال الإبداعي. يثبت جاسم عاصي من خلال هذا العمل أن الخيال الروائي هو القوة الرمزية الوحيدة القادرة على رتق ما مزقه التاريخ السياسي والاجتماعي، وأن "المكتبة" هي الملاذ الأخير الذي نتمكن فيه من تجاوز صخب "الذوات اللاهثة" دون السقوط في هاوية العدم أو النسيان.

إن تفكيك البنية السردية لهذا العمل يكشف عن كاتب يدرك تماماً خطورة الكلمة ومسؤوليتها التاريخية؛ فالتوغل في "غير المحسوب" يظل مقامرة كبرى في فضاء الإبداع، لكنها المقامرة الوحيدة التي تستحق العناء لبلوغ مثابات إبداعية تتناغم مع حركة الفكر والجمال الكوني. يظل جاسم عاصي "المفكر الأدبي" الذي يعيد صياغة العالم عبر مفاهيم "المجاورة" و"التعميد" بالكلمة، مستلهماً صمود "كلكامش"، وحكمة "زوسيما"، وقدسية "أيقونة المسيح"، في رحلة بحث وجودية لا تنتهي عن جوهر الإنسان وماهيته في هذا الوجود.

***

غالب المسعودي