عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

سعد الدغمان: "دفتر حرب" يوميات فندق ابن الهيثم

تجليات تفكيك العلاقة ما بين الذات الشاعرة وخطورة المكان

بين صدمة الحرب وشغف البقاء، ينبثق كتاب - دفتر حرب – يوميات فندق ابن الهيثم- للشاعر جواد الحطاب، كوثيقة إبداعية تختزل تحولات الإنسان العربي في زمن الأزمات، محولةً المكان إلى مسرح للسرد الذاتي والواقعي. تسعى هذه الورقة النقدية إلى استقراء القيمة الوجودية لهذا النص، مستلهمةً الرؤية التي قدمتها في دعوتي لـ "تبسيط النص النقدي"؛ وذلك لتقديم قراءة تفاعلية تتحلل من قيود المصطلحات المعقدة، وتنتصر للمحتوى الإنساني في أبهى صوره.

وقد سعيت جاهداً لأضع مجسات تفكيك العلاقة بين الذات الشاعرة وما يمثله المكان (خطورة المكان)، في أجواء ملتهبة يعلوها شبق الموت الذي يغطيها بأدوات عديدة ومتنوعة حسسب تنوع الظرف القاتل، تراه ساعة ب (شظية، أو طلقة مدفع، أو حتى صاروخ قد أرسل من طائرة أقتنصت اللحظة وفرت من سطوة رادار يترقب. في خضم هذا المشهد سعيت لتفكيك تلك العلاقة في كتابي (الرمز والتشكيل الصوري في شعر جواد الحطاب 2024)، لكن لم يكن تفكيك تلك العلاقة ظاهراً أو تحتاجه نصوص أخرى أو دراسات لقصائد معينة بقدر ما يحتاجه "دفتر حرب" جواد الحطاب في يوميات فندق ابن الهيثم.

(اغلب الشهداء؛ الذين يسقطون جنوداً؛ هم من محبيّ الطيور؛ وهواة جمع الطوابع البريدية؛ وحراثة الأرض؛ أما نحن؛ الخبثاء المولعون بالفتيات والسفر والمشاكسة؛ الذين نرى في كل تكوّر نهد: رمانة يدوية؛ وفي كل مظروف قنبلة: ساق امرأة؛ فقد كتب علينا أن نجوب الأرض الحرام؛ تصحبنا سلالات متدرجة التواريخ؛ منذ بدء الخليقة وإلى الآن؛ بدوريات مماثلة لاكتشاف طريق "الصد ما ردّ"؛ وقتل الحوتة التي تأكل القمر والشهداء).. "يوميات فندق ابن الهيثم".

في مرآة "ابن الهيثم" .. "دفتر حرب وهوية المكان"

مؤكد أن الناقد يبذل جهداً مضنياً حتى تتكون عنده الرؤية أو أن تكون واضحة بعيدة عن "الضبابية" كي يطرحها للقارئ، ويَقصد منها تفسير وشرح وتوضيح ما يَشكَل على المتلقي، ويقدم له من خلال تفسيره أو دراسته صورة منطقية ناطقة عما أراد الشاعر أو الأديب أن يقوله في مضمون نصه. أي قراءة ما وراء الفكرة أو القصد الذي جاء به الأديب أو الشاعر. والمعضلة تكمن في حيز واسع من تفاصيل الكتابة النقدية وطرقها وسبل تيسرها للقراء، فإن كتب الناقد وفق أسلوب المدارس النقدية وتبعياتها وأسسها وأصولها، دفع القارئ للنفور من النص وتركه وعدم قراءته لما يتضمنه الموضوع من مفردات ودلالات صعبة على الفهم غير المتخصص، لذلك نرى أن الأسلوب الذي صيغ به مفهوم كتاب " الرمز والتشكيل الصوري.. قراءة نقدية في شعر جواد الحطاب"، أستناداً لفكرة "التبسيط النقدي" (1)، والتي لا تعني السطحية، بل تجريد النص من التعقيدات التنظيرية الفائضة، للوصول إلى "جوهر الحبكة الإبداعية".

في يوميات فندق ابن الهيثم "دفتر حرب"، نرى أن الشاعر جواد الحطاب لم يكن يدون احداثاً زمنية بقدر ما كان يشكل "هوية مكانية" تحت القصف. "الحرب هنا ليست موضوعاً"، بل أراد لها الحطاب أن تكون "عدسة" يرى من خلالها العالم. التصور الذي جسدته الأحداث التي احتواها "دفتر الحطاب" ذهب باتجاه أن الحطاب حقق ما يسميه "التصالح مع الموت من أجل إنتاج الحياة" في يومياته، وهو مفهوم محوري في ما يطرح من نقد لأدب الحرب.

(حين نعود إلى ملاجئنا؛ حاملين في آذاننا صفير القنابل وأزيز الرصاص؛ تكون الحرب قد علمتنا حكمتها جيداً: في المعارك؛ ليس هناك ما هو أسهل من أن تموت أو تجرح؛ أما الصعوبة العظيمة؛ فهي كيف تبقى على قيد الحياة؛ بانتظار معركتك الأخيرة).. "يوميات فندق ابن الهيثم"

"الساعة 250 طيورك تقصف قلبي؛ ولا عاصم إلا الحب؛ ثم يمضي لاستكمال الموقف". "يوميات فندق ابن الهيثم".

أنسنة المكان ورمزية الفندق

لم يكتفِ الشاعر "جواد الحطاب" بتشييد جدران "فندق ابن الهيثم" في قصيدته، بل نفث فيه من روحه حتى استحالت الحجارة كائناً شعرياً ينبض بالقلق، ويتحسس قرصات الجوع، ويرتجف ببرد الخوف.

لقد طوّع الحطاب قسوة الأمكنة ليجعل من هذا الفندق في "دفتر حربه" حضناً وملاذاً؛ صدراً حانياً نلوذ به من شظايا البصرة الغادرة التي كانت تتطاير في الخارج كالموت الأعمى. لكنه لم يكن أماناً مطلقاً، بل كان أماناً هشاً، "مثقوباً بالخوف"، وكأن الجدران ذاتها كانت تملك مسامات تشعر بذعر الساكنين خلفها.

وببراعة الساحر الذي يغرس الأبدية في اللحظة، حوّل "الحطاب" تفاصيل الغرفة الضيقة من سريرٍ ونافذةٍ ودخان إلى رموزٍ كونية؛ فلم تعد تلك الأشياء مجرد أثاث، بل أصبحت صرخة إنسانية تتجاوز حدود الزمان والمكان. إنه "تطويع المادة الصلبة لتغدو سيولة شعرية"، حيث يذوب الفندق في القصيدة وتذوب القصيدة في الجدران، ليتلاشى الفاصل بين المكان والروح، ويصبح الوجع واحداً لا يتجزأ.

بذات الروح التي تغلغلت في جدران الفندق، والتي مثلها الحطاب برمزية "النافذة"، والتي لم تعد في عين الحطاب مجرد فتحة للضوء، بل استحقّت أن تكون "العين الرائية"؛ الشاهدة التي لا تغمض جفناً عن توثيق فجيعة الخراب.

إنها في هذا النص "برزخٌ" قلق، حدّ فاصل يرتجف بين موتين: موتُ الداخل حيث تنهش العزلةُ والانتظار الروح، وموتُ الخارج حيث تزرع القذائف الدمارَ في جسد المدينة. حتى ستائر الغرفة لم تعد جماداً، فقد أنسنها الحطاب وجعلها تشارك الساكنين فزعهم؛ "كانت ترتعش مع كل انفجار، لا بفعل الريح"، بل كأنها تجسيدٌ فيزيائي لارتجاف القلوب وهلعها الجماعي.

وفي الرؤية النقدية السابقة التي قدمتها، يقف الفندق كـ "محامٍ صامت"، يجمع في صمته شهادات البشاعة التي خلفتها الحرب، بينما يظل الشاعر هو اللسان الناطق بوجع هذا الشاهد، ليحول الصمت الرخامي إلى صرخة خالدة (2).

تتجلى في "دفتر حرب" الحطاب حسيةٌ مفرطة، لم يعد فيها الوجع كفكرةً مجردة، بل صار مادةً تُلمس وتُرى وتُسمع بوضوحٍ جارح. لقد استدعى الشاعر الحواس لتكون جسراً للترويع؛ فنحن لا نقرأ عن الحرب، بل نشمّ رائحة الدخان العالق في الستائر، ونسمع صليل القذائف في اهتزاز النوافذ، ونشعر ببرودة الجدران وهي تحتضن الأجساد المذعورة. هذه السيولة الشعرية التي تحدث عنها جعلت من الجماد "جسداً" يتألم؛ فالسرير ليس مكاناً للنوم، بل هو مرصدٌ للقلق، والنافذة ليست مصدراً للضوء، بل هي عينٌ دامعة ترقب الموت في الخارج. حوّل الحطاب "المادة الصلبة" للفندق إلى أنفاسٍ متلاحقة، ليصبح النص في نهاية المطاف جسداً حسياً نابضاً بالخوف، يرتجف كلما لامست ذكراه الروح.

"قد غدا الدخان في أروقة "فندق ابن الهيثم" أكثر من مجرد بقايا احتراق؛ إنه كفنٌ هائم ينسج خيوطه حول الأرواح المذعورة. لم يعد أثراً عابراً، بل صار رئةً ثالثة للقصيدة، تتنفس الرماد وتزفره وجعاً يسكن المسام والستائر والذاكرة.

في هذا الفضاء، تتصادم جدلية السكون والصخب بعنفٍ صامت؛ فبينما يصرخ الخارج بضجيج القذائف وهدير الموت، يلوذ الداخل بسكونٍ مطبق، لكنه ليس سكون الطمأنينة، بل هو "سكون الرعب" الذي يسبق العاصفة، حيث تتحول كل همسة داخل الغرفة إلى دويٍّ في رأس الشاعر المنهك "يوميات فندق ابن الهيثم".

إن الغرفة في رؤية الحطاب هي المختبر الحسي الذي تنصهر فيه الروح؛ فكلما ازداد صخب الخارج، تعمق صمت الداخل وتحول إلى صلاةٍ يائسة تبحث عن بصيص نجاة وسط ضباب الحرب" (3).

وقد لمستُ تحولا جوهرياً في كينونة أداء الشاعر جواد الحطاب داخل "دفتر حرب"؛ فجواد الحطاب لم يرتضِ لنفسه دور "الراوي" الذي يسرد مأساةً عابرة، بل ارتقى ليكون "محامياً كونياً". هذا المفهوم، الذي يتجذر في الرؤية التي قدمتها، تجعل من الشاعر صوتاً يتجاوز ضيق الجغرافيا العراقية المحاصرة، ليقف في محكمة الوجود رافعاً دعوى جمالية كبرى ضد "فكرة الموت" ذاتها. في زوايا فندق "ابن الهيثم"، لم يكن الحطاب يكتب قصائد، بل كان يجمع "قرائن الإدانة" ضد القبح والدمار، محولاً كل أنّةٍ وكل شظية إلى وثيقة إنسانية مدوية. لقد استطاع الحطاب أن ينتشل الضحية من صمتها المحلي، ليجعل من جرحها صرخة عالمية عابرة للحدود، محولاً اليوميات الدامية إلى مرافعة خالدة في وجه الفناء، وفق الرؤية التي ارتايتها في"الرمز والتشكيل الصوري في شعر جواد الحطاب".

التشكيل الصوري

دائماً ما نلاحظ أن الحطاب يستخدم تقنية "الصورة الصادمة" كأداة ترافع قانونية. فعندما يصف الحطاب "النخيل الذي يحترق بوقار"، فإنه لا يكتب شعراً وصفياً، بل يقدم "شهادة عيان" على اغتيال الذاكرة. أن ميزة الحطاب تكمن في قدرته على جعل القارئ شريكاً في "هيئة المحلفين"؛ حيث يُبسط الصورة الشعرية لدرجة تجعل الألم ملموساً باليد، لكنه يرفعها رمزياً لدرجة تجعلها مرافعة كونية. إن "المحامي الكوني" الذي يطارد القتلة بـ "الكلمة المستفزة" التي لا تموت بموت قائلها، وهو ما يفسر العنوان السابق لدراسته الأخرى بـ "لا تواقيع للموت"(4).

وارى أن الحطاب في "فندق ابن الهيثم" نجح في "أتمتة الحزن" وتحويله إلى طاقة احتجاجية. فبدلاً من البكاء التقليدي، نجد في "دفتر حرب" صوراً سريالية تبسط الواقع لتعرّيه؛ مثل وصفه للقذائف بأنها "رسائل بريدية طائشة". هذا التشكيل الصوري بوصفه ذكاءً إبداعياً يرفض الاستسلام لمنطق القوة؛ فالشاعر هنا يمتلك قوة "الرؤيا" التي تهزم "الرؤية" المادية الضيقة. لذلك أرى إن الحطاب في غرفته الفندقية كان يعيد ترتيب العالم شعرياً، ممارساً دور "الادعاء العام" نيابة عن كل الأشياء الصامتة التي دمرتها الحرب (5).

إن مرافعة الحطاب (المحامي الكوني) في "دفتر حرب" لا تنتهي بانتهاء المعركة، بل تبدأ منها. وقد خلصت إلى أن هذا الكتاب هو "محضر ضبط" وجداني، وثق فيه الحطاب كيف يمكن لغرفة فندق أن تصبح قاعة محكمة دولية، يكون فيها النص هو القاضي والشاهد والجلاد في آن واحد. هذا المنهج في "التبسيط النقدي" الذي دعيت له، يكشف كيف تحول الحطاب من "ضحية للحرب" إلى "سيد على لغتها"، محققاً الانتصار المعنوي للثقافة على الهمجية.

جدلية البقاء

جواد الحطاب في "يوميات فندق ابن الهيثم" (دفتر حرب) اجترح استراتيجية نفسية وجمالية فريدة لمواجهة العدم، أطلقت عليها "سخرية المقاومة". ففي الوقت الذي كان فيه الموت يطرق أبواب الفندق بقوة القذائف، كان الحطاب يواجهه بـ "نكتة سوداء" أو صورة شعرية متهكمة. هذا المسلك بوصفه "تبسيطاً للمأساة" يعد هذا التوجه للسيطرة على المأساة؛ فالشاعر الذي يسخر من موته المحتمل يكون قد انتصر عليه سلفاً.

وفي الدراسة السابقة التي أشرت إليها "لا تواقيع للموت" أوضحت أن جدلية الموت والحياة عند الحطاب لا تقوم على الصراع التقليدي، بل على "التعايش الندي". فالحطاب يكتب عن الموت كأنه "نزيل ثقيل" في الغرفة المجاورة بفندق ابن الهيثم. هذا النوع من "الألفة الإجبارية" مع الخطر هو ما منحه القدرة على إنتاج نص "عابر للمحنة". وأن الحطاب في يومياته كان يمارس "لعبة الحيلة" مع الموت؛ فكلما اقترب القصف، أوغل الشاعر في تفاصيل الحياة (شرب الشاي، قراءة كتاب، تأمل الغبار)، محولاً هذه الأفعال اليومية البسيطة إلى طقوس مقدسة للرفض والوجود(6).

كما أن هناك بعداً آخراً أيضاً يتعلق بـ "الجمال القاسي"؛ استطاع الحطاب من خلاله في "دفتر حرب" أن يستنبت الورد من فوهات المدافع (مجازياً). عبر توظيفه "للتبسيط النقدي" الذي مثله حين جعل "الدخان" مادة للرسم، ومن "الأنقاض" مسرحاً للذاكرة. إنها "فلسفة البقاء" التي لمسناها باعتبارها المحرك الأساسي لنصوص الفندق؛ فالكتابة في لحظة الانهيار ليست ترفاً، بل هي "الفعل الوحيد" الذي يثبت أن الشاعر لم يتحول إلى "رقم" في سجلات الضحايا، بل ظل "اسماً" وتوقيعاً عصياً على المحو.

وجودية الدفتر.. "دفتر حرب"

في ختام هذه الدراسة، نخلص إلى أن "يوميات فندق ابن الهيثم" ليست مجرد تأريخ شعري لحرب عابرة، بل هي " إعلان إبداعي " للروح العراقية في أقصى تجلياتها. لقد استطاع جواد الحطاب، عبر "دفتر حرب"، أن يؤسس لمدرسة في الكتابة تجمع بين "يوميات الصحفي" و"الرؤيا الروحية" و"دقة الرسام" (7).

وأن أهمية هذا المنجز تكمن في قدرته على الصمود أمام الزمن؛ فاليوميات التي كُتبت تحت ضغط اللحظة التاريخية، تحولت بفعل "التشكيل الصوري" والرمزية العالية إلى "نص مفتوح" يقرأ في كل زمان ومكان يعاني من وطأة الظلم والدمار. إن "منهج تبسيط النص النقدي" الذي دعيت له وطبقته كشف لني أن جواد الحطاب لم يكتب "دفتر حرب" ليوثق موتنا، بل كتبه ليوثق "حياتنا التي لا تموت"، جاعلاً من فندق ابن الهيثم منارة رمزية تضيء في عتمة الحروب.

***

سعد الدغمان

......................

1- سعد الدغمان، الرمز والتشكيل الصوري.. قراءة نقدية في شعر جواد الحطاب، دار الصحيفة العربية، بغداد،ودار العراب،دمشق،2024،ص 45- 62.

2- سعد الدغمان، مقال نقدي: "دائرة الحطاب.. لا تواقيع للموت"، صحيفة المثقف، 07 –ديسمبر- 2024.

3- جواد الحطاب، يوميات فندق ابن الهيثم (دفتر حرب)، منشورات وزارة الثقافة، بغداد، 2002.

4- سعد الدغمان،"دائرة الحطاب.. لا تواقيع للموت"، مصدر سابق.

5- سعد الدغمان، الرمز والتشكيل الصوري، مصدر سابق.

6- سعد الدغمان، "دائرة الحطاب.. لا تواقيع للموت"، مصدر سابق.

7- سعد الدغمان، الرمز والتشكيل الصوري، مصدر سابق.