قراءات نقدية

فاطمة عبد الله: دراسة نقدية لقصة "مجرد منام

البنية الحلمية وتمثلات السلطة الرمزية لقصة (مجرد منام) للقاص محمد عاطف

يندرج النص ضمن سرد حداثي يقوم على بنية حلمية مركبة تتقاطع فيها المستويات الواقعية والرمزية والسياسية واللاشعورية. لا يستعمل الحلم هنا كآلية هروب، بل كجهاز كشف: فهو يفكك مركزية الواقع ويعري بنياته القمعية من الداخل....

تقوم هذه الدراسة على مقاربة بنيوية مدعومة بإضاءة نفسية تحليلية...

 البنية الحلمية: من الهروب إلى المقاومة

يتأسس النص على تكرار الجملة: "إنه مجرد منام.."

ليست العبارة تطميناً، بل آلية دفاعية تكشف هشاشة الوعي. فبينما يرى فرويد الحلم (تحقيقاً لرغبة مكبوتة) يتحول هنا إلى تفجر للكوابيس الجمعية. يتشظى الحلم إلى:

حلم داخل حلم/ نوم داخل نوم/ شلل داخل شلل

"ما أصعب أن تنام وأنت نائم أصلا.."

هذا التضاعف البنيوي يعكس اغتراباً وجودياً، فالذات عاجزة عن الاستيقاظ لأنها لم تعش يقظة مكتملة أصلاً . الزمن دائري والوعي معلق والواقع منزوع اليقين...

على المستوى السردي يمكن قراءة القصة في ضوء تصنيف جيرار جينيت للزمن الحكائي إذ يتأسس على تفكيك الترتيب الخطي عبر تداخل الاسترجاع والاستباق وعلى إبطاء سردي يضخم اللحظات الرمزية (كالصفعة) بما يجعل الزمن النفسي يتغلب على الزمن الكرونولوجي. كما أن الفوكاليزاسيون الداخلية الكلية(التبئير) تحصر الرؤية في وعي البطل فتغدو السلطة بنية مدركة لا موضوعاً خارجياً فقط...

"القائم على مصلحة الضوء": احتكار الرمز وبنية السلطة

يتبدى "القائم على مصلحة الضوء" ككيان منزوع الفردية كما يرد في النص:

"كان مطموس الملامح.."

طمس الوجه لا يحيل إلى نقص في الوصف، بل إلى إلغاء الهوية بوصفها خصوصية إنسانية وتحويل الكائن إلى وظيفة رمزية خالصة. إنه لا يقدم كشخصية ذات ملامح نفسية متمايزة بل كبنية سلطة متجسدة. من هذا المنظور يقترب من مفهوم "الآخر الكبير" عند جاك لاكان، أي تلك السلطة الرمزية التي لا تختزل في فرد بعينه، بل تستقر في نظام الخطاب وتعيد إنتاج نفسها عبره.

تتأكد هذه الدلالة في قوله: "الضوء حق في الظلام…"

فالضوء هنا لا يفهم بوصفه عنصراً فيزيائياً، بل بوصفه امتيازاً معرفياً وشرعيةً للرؤية. احتكاره للضوء يعني احتكار المعنى ذاته، أي التحكم في شروط الإدراك وتحديد ما يجوز أن يُرى ويقال. بذلك يتحول إلى سلطة تضبط الأفق الرمزي للمدينة وللذات معاً.

ويتعزز هذا البعد البنيوي من خلال تكرار صفته ككيان: بلا ملامح / مطموس الوجه/إلى جانب الاعتراف المتبادل:

"عرفته وعرفني…"

هذه العلاقة لا تشير إلى معرفة عابرة، بل إلى تواطؤ سابق أو أصل مشترك، بما يجعل السلطة جزءًا من تاريخ الذات لا قوة خارجية فحسب. وهنا يتخذ الصراع بعداً مزدوجاً: فهو سياسي في ظاهره، لكنه نفسي في عمقه. انه صراع بين الذات وصورتها المنقلبة في القامع، أو بين الفرد والبنية الرمزية التي تشكل وعيه وتعيد إنتاج خضوعه.

بهذا المعنى، لا يمثل "القائم على مصلحة الضوء" طاغية شخصياً، بل جهازاً رمزياً يحتكر الرؤية ويعيد تعريف الواقع، ما يجعل مقاومته مواجهةً مع النظام الذي تتكون داخله الذات نفسها....

الجسد المصفوع: العنف الرمزي

"خدي المصفوع بدأ يسيخ…"

الصفعة تتجاوز الحدث الواقعي لتغدو وصمة وجودية. انصهار الخد إلى "سائل ملون" يرمز إلى تآكل الهوية تحت وطأة الإهانة.

إنها علامة على: الإقصاء الاجتماعي/القمع العاطفي/انهيار صورة الذات.

ورفض الشكوى يشي بأزمة كرامة: مقاومة بلا أدوات، وصمت يفاقم الجرح.....

 غالية: الإيروس في مواجهة العتمة

"إذا كان الخطأ هو الذي جعلني أجري فيك دما… فما أجمله من خطأ.."

غالية ليست عنصراً عاطفياً عابراً، بل طاقة حياة مضادة للموت الرمزي. العلاقة الجسدية تمثل محاولة لاستعادة الكلية ضد الانشطار، غير أن خوف "الفضيحة" يكشف استمرار هيمنة البنية الاجتماعية على الحميمي. الحب هنا فعل مقاومة، لكنه مقاومة محاصرة....

 المدينة: جسد متفسخ

تتحول المدينة إلى كيان مريض: مستوصف يكره المرضى/

إدارة بلا وظيفة/ كهرباء غائبة.

"نحن ولدنا حقا وسنموت حقا، لكننا لم نذق طعم الحياة بعد.."

إنها صورة لـ " الوجود المعلق " حياة بيولوجية بلا تحقق إنساني. المكان يعكس اختلال النظام الرمزي برمته....

الذاكرة والنسيان: صراع السرديات

"أخانتني ذاكرتي لدرجة التفاقم ..؟"

فقدان الذاكرة يتجاوز الفرد إلى الجماعة. وكما يقول ميلان كونديرا:

"صراع الإنسان ضد السلطة هو صراع الذاكرة ضد النسيان."

النص يجسد هذا الصراع عبر تشويش الهوية وتآكل السردية الشخصية....

السخرية السوداء وتفكيك الخطاب السلطوي

" اسحب كل الترخيصات من باعة الغاز والفتائل وأعواد الكبريت…"

تتحول السلطة إلى كاريكاتور استبدادي يجرم حتى أدوات الاشتعال الصغيرة. تجريم الضوء وتأثيم الكلام ومصادرة الأمل تكشف بنية تحكم شمولية تعيش على المنع أكثر مما تعيش على البناء....

اللغة: شعرية الهذيان

اللغة متدفقة وهجائية ومشحونة بالتوتر. الهذيان ليس ضعفاً بل استراتيجية جمالية تعكس تفتت العالم الداخلي. المونولوج الطويل يذيب المسافة بين الراوي والوعي، ويجعل القارئ داخل التجربة لا خارجها....

تكشف الدراسة أن القصة" مجرد منام" يؤسس بنية سردية حلمية تفكك الخطية الزمنية وتعيد تشكيل الواقع داخل وعي مأزوم، بحيث يتحول الحلم إلى جهاز بنيوي لكشف اختلال النظام الرمزي. ومن خلال الفوكاليزاسيون الداخلية (التبئير )وتكثيف الإبطاء السردي، ينتج النص إدراكاً متشظياً يعكس انقسام الذات تحت ضغط السلطة.

كما يتضح أن "القائم على مصلحة الضوء" لا يمثل سلطة خارجية فحسب، بل بنية رمزية تتحكم في شروط الرؤية والمعنى، مما يجعل الصراع ذا طبيعة نفسيةرمزية بقدر ما هو سياسي. وتتقاطع في هذا الإطار ثيمات القمع والذاكرة والخيانة والحب ضمن شبكة دلالية واحدة تكشف هشاشة الهوية في سياق سلطوي.

وعليه تندرج القصة ضمن السرد الحداثي ذي المنحى الكابوسي، حيث تتكامل البنية التفكيكية مع التحليل النفسي في صيغة جمالية واعية بأدواتها، تجعل الكتابة فعل كشف بنيوي لا مجرد تمثيل موضوعاتي.....

***

فاطمة عبد الله

 

في المثقف اليوم