قراءات نقدية
عماد خالد رحمة: "خارجُ نطاقِ الطِّين"
دراسة نقديّة موسّعة في البنية اللغوية والجمالية والفكرية لنصّ الشاعرة فوزية شاهين
ينتمي نصّ «خارجُ نطاقِ الطِّين» إلى ذلك النمط من الشعر العربي المعاصر الذي يسعى إلى تجاوز الإنشاد الوطني المباشر نحو بناء رؤية حضارية ـ وجودية تتخذ من الوطن فكرةً كونية لا جغرافيا فحسب. فالشاعرة لا تكتب مصر بوصفها أرضاً من طين، بل باعتبارها وعياً تاريخياً وروحاً رساليةً تتشابك فيها الأسطورة بالدين، والتاريخ بالهوية، والإنسان بالمعنى. ومن هنا يغدو النص مشروعاً تأويلياً مفتوحاً تتداخل فيه البلاغة الكلاسيكية مع الحسّ الحداثي، ويتحوّل الشعر إلى خطاب معرفي يزاوج بين الجمالي والفلسفي.
أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية:
1 ـ سلامة اللغة وبنية الأسلوب:
يتميّز النص بسلامة لغوية واضحة تستند إلى معجم عربي فصيح مشبع بالإيحاءات التراثية، إذ تعتمد الشاعرة على تراكيب عربية أصيلة تقوم على الجملة الفعلية المتحركة والجملة الاسمية ذات النفس الإنشادي.
مثل قولها:
«نهرٌ من المعنى يشقّ ذهولنا»
الجملة هنا قائمة على استعارة حركية تجعل المعنى كياناً مادياً قادراً على الشقّ والغسل، وهو انزياح بلاغي يخرج اللغة من حدودها المعجمية إلى طاقتها التصويرية.
كما يظهر الإحكام التركيبي في انتظام العلاقات النحوية دون تعقيد أو غموض صناعي، فالقصيدة تعتمد اقتصاداً لغوياً دقيقاً؛ إذ لا نجد حشواً لفظياً بل كثافة دلالية.
الانزياح اللغوي حاضر بقوة عبر تحويل المجرد إلى محسوس:
الوعي يصبح وجهاً.
الزمن يرتدي.
الحجر يبوح.
وهذا ما يمنح النص طاقة تخييلية عالية.
2 ـ فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير:
تحقّق الشاعرة فوزية شاهين توازناً واضحاً بين اللفظ والمعنى؛ فلا تقع في زخرفية البلاغة التقليدية رغم حضور القافية الموحدة.
نلاحظ مثلاً:
«ليس التراب هو المقدّس إنما
وعيٌ يحيل الأرض وجه نضارة»
هنا تنتقل اللغة من المادي إلى المفهومي، فتقلب مفهوم القداسة من الأرض إلى الإنسان الواعي. التعبير موجز لكنه مشحون بحمولة فلسفية.
كما أن اختيار المفردات ينسجم مع موضوع النص:
١- الطور.
٢- طوى.
٣- النبوءة.
٤- الخلود.
وهي ألفاظ ذات أفق ديني وحضاري يعزز الرؤية المركزية للنص.
3 ـ الإيقاع والمعمار الصوتي:
القصيدة تعتمد نظام الشطرين مع قافية موحّدة (ـاره)، وهو اختيار صعب؛ لأن القافية الواحدة قد تتحول إلى عبء إن لم تُحسن إدارتها.
غير أن الشاعرة نجحت في:
تنويع البنية الصوتية داخل القافية.
تفادي الرتابة عبر اختلاف البناء التركيبي.
الموسيقى الداخلية تظهر في:
١- التكرار الدلالي (مصر ـ النيل ـ الضوء ـ الفجر).
٢- الجناس الصوتي (نضارة / حضارة / منارة).
كما أن الجرس الصوتي قائم على الحروف المجهورة ذات الامتداد (الراء والهاء والألف)، مما يمنح النص نبرة احتفالية قريبة من الإنشاد.
ثانياً: الأسس الجمالية والفنية
1 ـ البنية الفنية للنص:
القصيدة ليست سرداً زمنياً بل حركة تصاعدية تبدأ من الطين وتنتهي بالروح.
البنية تقوم على ثلاث مراحل:
١- نفي الطين بوصفه الأصل.
٢- استحضار التاريخ الديني.
٣- تثبيت الهوية الحضارية.
الشخصية المركزية ليست إنساناً بل «مصر» بوصفها كائناً حيّاً:
«لبس الزمان رداءها»
إنها أنسنة للوطن تجعل الزمن تابعاً له.
2 ـ الرؤية الفنية:
الرؤية هنا حضارية توحيدية؛ إذ تتعامل الشاعرة مع مصر باعتبارها ملتقى الرسالات.
فهي تستحضر:
١- تجربة موسى عند الطور.
٢- قصة يوسف الاقتصادية والسياسية.
٣- الضيافة الإبراهيمية عبر إبراهيم وسارة.
هذه الاستدعاءات لا تأتي بوصفها حكايات دينية بل باعتبارها طبقات رمزية تؤسس لفكرة «الأرض المختارة للمعنى».
3 ـ الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي:
الدهشة في النص لا تقوم على الغموض بل على إعادة تعريف المألوف.
فالقول:
«كل اللغات تموت في أعتابها»
ليس مبالغة وطنية بقدر ما هو إعلان رمزي عن مركزية اللغة العربية بوصفها حاملة الذاكرة.
الانزياح الأكبر يتمثل في تحويل الوطن إلى فكرة ميتافيزيقية.
ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية
1 ـ الموقف الفكري.
النص يطرح سؤالاً مركزياً:
هل القداسة في الأرض أم في الإنسان؟
وتجيب الشاعرة:
«وعي يحيل الأرض وجه نضارة».
إنها رؤية إنسانية أخلاقية تجعل البطولة مرتبطة بالفعل لا بالنسب.
2 ـ الأفق المعرفي
يتداخل في النص:
١- المرجع القرآني.
٢- التاريخ المصري.
٣- المخزون البلاغي العربي.
فذكر يوسف يربط مصر بفكرة العدالة الاقتصادية، وذكر الطور يحيل إلى الوحي.
3 ـ البنية العميقة (الهيرمينوطيقا)
العلاقات الثنائية واضحة:
١- الطين / الروح.
٢- الحجر / النبوءة.
٣- الزمن / الخلود.
الطين هنا رمز للمادة الأولى، بينما «الخارج» هو الوعي.
إذن العنوان نفسه تأويل فلسفي:
الخروج ليس جغرافياً بل معرفياً.
رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية
1 ـ سياق النص:
النص ينتمي إلى لحظة عربية تبحث عن هوية وسط التحولات السياسية والثقافية؛ لذلك يأتي استدعاء التاريخ بوصفه طاقة مقاومة للانكسار.
2 ـ تطوّر النوع الأدبي:
القصيدة تستثمر العمود الخليلي لكنها تكتب بروح حديثة؛ فهي أقرب إلى «القصيدة الفكرية» التي تجمع بين خطاب محمود درويش والإنشاد الكلاسيكي.
3 ـ ارتباط النص بالتراث
النص يستعيد:
١- القصيدة المدحية.
٢- الشعر الرسالي الإسلامي.
لكنه يحررها من البلاط السياسي إلى المجال الحضاري.
خامساً: الأسس النفسية:
1 ـ البنية الشعورية
النبرة العامة تجمع بين:
١- الاعتزاز.
٢- القلق الحضاري.
٣- الحنين.
الشاعرة تتحدث من موقع الابنة لا المؤرخة.
2 ـ تحليل الذات المتكلمة.
الذات هنا ذائبة في الجماعة:
«أنا من شربت النيل حتى صرته».
إنه اتحاد نفسي كامل بالوطن.
3 ـ النبرة النفسية.
تتراوح بين:
١- الاحتجاج على الطغاة.
٢- الطمأنينة الروحية.
وهو ما يمنح النص توازناً عاطفياً.
سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية:
النص خطاب مقاومة ثقافية ضد محاولات تفريغ الهوية.
فالقول:
«الأرض محض حجارة صمّاء إن لم يرو حرّ بالدماء دياره»
يحوّل الوطن إلى مسؤولية أخلاقية جماعية.
الشاعرة هنا فاعل اجتماعي لا مجرد مغنٍّ للذاكرة.
سابعاً: الأسس السيميائية:
الرموز الأساسية
١- النيل = الاستمرارية.
٢- الطور = الوحي.
٣- الفجر = التجدد.
الفضاء العمودي (السماء ـ الفجر ـ الضوء) يقابل الفضاء الأرضي (الطين ـ الحجر).
والصعود دائماً هو الحركة الغالبة.
ثامناً: الأسس المنهجية:
يمكن قراءة النص عبر:
١- المنهج الأسلوبي (البنية الصوتية).
٢- المنهج الرمزي.
٣- المنهج الهيرمينوطيقي.
والنص يسمح بهذه التعددية دون أن ينهار.
تاسعاً: الأسس الإنسانية والجمالية العليا
النص يحتفي بثلاث قيم:
١- الإنسان الواعي.
٢- الحرية المرتبطة بالتضحية.
٣- الجمال بوصفه ذاكرة حضارية.
وهو نص مفتوح على التأويل؛ فمصر قد تكون:
١- وطناً.
٢- أو فكرة.
٣- أو روحاً إنسانية كبرى.
خلاصة نقدية:
«خارج نطاق الطين» ليست قصيدة وطنية بالمعنى التقليدي، بل بيان شعري حضاري يعيد تعريف الوطن بوصفه وعياً أخلاقياً وتاريخاً رسالياً. نجحت الشاعرة في الجمع بين اللغة الكلاسيكية المحكمة والرؤية الحداثية التأويلية، فخرج النص من حدود المديح إلى أفق الفلسفة الشعرية، حيث يصبح التاريخ مادة للمعنى، والإنسان شرطاً للقداسة.
***
بقلم: عماد خالد رحمة - برلين
.......................
خارجُ نطاقِ الطٍّين
هِيَ لم تَكُنْ طِينًا وكفَّ عِمَارهْ
بَلْ هَمْسَةٌ باحت بها القِيثَارَهْ
*
نهرٌ مِنَ المَعنى يَشُقُّ ذُهولَنا
عِبَرًا ، لِيَغسِلَ عن يديه غُبَارَهْ
*
يَبْنِي مِنَ الضَّوْءِ القَدِيمِ جِلَالَها
وَيَصُبُّ فِي كَأسِ الخُلُودِ نُضَارَهْ
*
كَانَت مَدَارًا لِلسَّمَاءِ، وَمَن نَأَى
عَن طُورِهَا، زادَ الطَّرِيقُ عِثَارَهْ
*
(مِصرُ) التي لَبِسَ الزمانُ رداءَها
فَغدَتْ لِكُلِّ العابرين منارَهْ
*
عبروا، وظَلَّ النيلُ يَكتُبُ سِرَّهُ
فوقَ السحابِ لمن سَلا أسرارَهْ
*
وعلى القِبَابِ صَلاةُ ضوءٍ لم تَزَلْ
تَبني على سقفِ الزمانِ حَضارَهْ
*
ليسَ التُّرابُ هو المُقَدَّسُ إنَّما
وَعـيٌ يُحيلُ الأرضَ وجهَ نَضارَهْ
*
ما قِيمةُ الوعيِ الذي لا يَنتَمِي
لِيَدٍ تَرُدُّ عَنِ الحِمَى أَخْطَارَهْ؟
*
فَالأرضُ مَحْضُ حِجَارةٍ صَمَّاءَ إنْ
لم يَروِ حُرٌّ بِالدِّمَاء ديارَهْ
*
حجرٌ يَبوحُ، ولحظةٌ مَسكونةٌ
بِسؤالِ مَنْ جعلَ الخُلودَ شِعارَهْ
*
ما كانَ سِرُّكِ في الحِجارةِ وحدَهـا
بلْ في نبيٍّ أرضُه مُختارهْ
*
هِيَ فِكرةٌ خَرَجَتْ مِنَ الصَّلصالِ كَيْ
تُهدي (لموسى) في الوجودِ قَرارَهْ
*
وَالطُّورُ يَشْهَدُ كَيْفَ كَلَّمَ رَبَّهُ
جهرًا ، وَأَوْدَعَ فِي (طوى) أذكارَه
*
(وَلِيُوسُفَ) الصِّدِّيقِ بَعْضُ حِكايَةٍ
في مصرَ.. حِينَ اسْتَنْطَقَتْ أَقْدَارَهْ
*
قَرَأَتْ خَزائِنُها نُبُوءَةَ قَلْبِهِ
فَأَزَاحَ عَنْ أُفُقِ المَدَى.. أَكْدَارَهْ
*
عَبَرَ السَّنَابِلَ جُوعُ كُلِّ مَدِينَةٍ
إِلَّا حِمَاها.. أَطْعَمَتْ زُوَّارَهْ
*
لا تَسألي التَّارِيخَ عَنْ أحداثِهِ
مِصرُ التي صَنَعَتْ له مِعيارَهْ
*
تَتَقادمُ الدُّنيا.. وأنتِ صَبِيَّةٌ
تُهدين (إبراهيمَ) نفحةَ (سارَه)
*
وَبِـ (مَارِيَا) نَسَبٌ تَعَالَى شَأْنُهُ
أَوْصَى النَّبِيُّ.. لتُكرِموا أصْهَارَهْ
*
فِي كُلِّ مِئذَنَةٍ نِداءٌ سامِقٌ
اللهُ أكبرُ : يا حبيبُ أمارَهْ
*
وعلى بياضِ الفجرِ طلعٌ بَاسِقٌ
يَبني لِمَدِّ الرُّوحِ.. بَحْرَ طَهَارَهْ
*
لَمْ تستَلِفْ ضَوءًا، فَمِن أحشائِها
وُلِدَ الـيَقينُ.. وشَكَّلَتْ أنوارَهْ
*
بحرٌ منَ الآمالِ يَجري خَلفَها
نيلٌ ويَنشُدُ عِندَها استِقرارَهْ
*
مِصرُ امتِدادُ الذَّاتِ في مِرآتِنا
وَجهٌ يُعِيدُ إلى الضَّميرِ وقارَهْ
*
لَوْ بَاعَ كُلُّ النَّاسِ نَبْضَ قُلُوبِهِمْ
مَا بَاعَ طِفْلٌ فِي حِمَاكِ جوارَهْ
*
أَسْرَيْتُ نَحْوَكِ وَالقَوَافِي رُحَّلٌ
فَرأيتُ نَبْضِيَ فِي ثَرَاكِ مدارَهْ
*
مَاذَا أَقُولُ وَفِي حُرُوفِيَ لَجَّةٌ
وَعَلَى الشِّفَاهِ المِلْحُ خَطَّ "مَسَارَهْ ؟؟
*
أَنَا مَنْ شَرِبْتُ النِّيلَ حَتَّى صِرْتُهُ
وَنَسَجْتُ مِنْ سَعَفِ النَّخِيلِ عبارَهْ
*
قَد حارَتِ الأفكارُ في مكنونِها
سِرٌّ.. وَلَم ينلِ الطُّغَاةُ حِصَارَهْ
*
بَلَدٌ إذا انكَسَرَ الزمانُ رَأيتَهُ
يَبني مِنَ الرَّحمِ العَظيمِ فَخَارَهْ
*
مِلحُ الحَوادثِ لم يُجَفِّفْ ماءها
باقٍ هو الطُّوفانُ.. يُوقدُ نَارَهْ
*
هِيَ جودَةُ المَعنى، ومرفأُ غُربَةٍ
لِمُسافِرٍ جعلَ المدى أسفارَهْ
*
فاقرأْ بها لغةَ السُّكونِ، فإنَّها
نَطَقَتْ، وليسَ لِمَا تقولُ إشارَهْ
*
يا مِصرُ، والتَّأويلُ طِفلٌ عابِثٌ
يَلهو، ويَجعلُ سِرَّكِ استِبصارَهْ
*
يَا مِصْرُ، تَتْعَبُ فِي مَدَاكِ عيوننا
وَالقلبُ يُلْقِي عِنْدَكِ اسْتِغْفَارَهْ
*
هِيَ بَرزخُ الأرواحِ.. كُـلُّ قَصيدةٍ
عَطشى، تَرومُ مِنَ المجازِ غِمارَهْ
*
كلُّ اللُّغاتِ تَموتُ في أعتابِها
وِيَظَلُّ همسُ الضادِ فيك مزارهْ
*
يا مِصرُ.. لو جَفَّ الكلامُ بِرِيـقِنـا
لبقيتِ في ثَغرِ البشير بشارَهْ
*
الفجرُ يطلعُ مِنْ مَسَامِ ترابِها
لا يَستعيرُ مِنَ السَّما أنوارَهْ
*
يا مِصرُ.. والتَّارِيخُ يقرأُ سِفْرَهُ
تبقين في وجه العدوٍّ شرارَهْ
*
فالنِّيـلُ يَمشي في العُروقِ كأنَّهُ
نبضٌ.. يُعيدُ لِمَنْ يموتُ نَهارَهْ
*
إنْ كانَ لِلأمجادِ في الدُّنيا فَمٌ
كانتْ حُروفُكِ صَوتَهُ وشِعارَهْ
*
كَمْ مُعتِمٍ مَرَّتْ خُيُولُ جُنُودِهِ
فَانْهَارَ، وَانْتَصَرَتْ " عيالُ الحَارَهْ"
***
فوزية شاهين






