قراءات نقدية

عماد خالد رحمة: دراسة نقدية موسّعة لقصيدة "نشيدُ الصمتِ عند تخومِ الفجر"

للكاتب العراقي عصام الياسري

تأتي قصيدة «نشيدُ الصمتِ عند تخومِ الفجر» للكاتب العراقي عصام الياسري بوصفها نصاً تأملياً يتكئ على لحظةٍ حدّيةٍ بين العتمة والانكشاف، بين الليل بوصفه فضاءً للاختبار الداخلي، والفجر بوصفه أفقاً للانبعاث الروحي. إنها قصيدة تنتمي إلى الحساسية الشعرية الحديثة التي جعلت من التجربة الذاتية مركزاً للرؤية، ومن اللغة أداة كشفٍ لا مجرد وعاء تعبير.

لا يتعامل النص مع الصمت بوصفه فراغاً صوتياً، بل يرفعه إلى مقام الرمز الوجودي؛ فالصمت هنا معرفة، والوحدة رفيقة، والظلام شرطٌ لاكتشاف الضوء. ومن ثمّ، فإن القصيدة لا تُقرأ قراءةً سطحية تقتصر على صورها المباشرة، بل تستدعي مقاربة نقدية متعدّدة الأبعاد، تكشف بنيتها اللغوية، ومعمارها الإيقاعي، ورؤيتها الفكرية، وطبقاتها الرمزية والنفسية.

تهدف هذه الدراسة إلى تحليل النص ضمن منظومة نقدية شاملة، تبدأ من الأسس اللغوية والبلاغية، وتمرّ بالمرتكزات الجمالية والفنية، وصولاً إلى أفقه الفلسفي والإنساني، مع مراعاة السياق الثقافي والاجتماعي الذي يتخلّق فيه الخطاب الشعري. فالنص الشعري، في جوهره، ليس مجرد بناء لغوي، بل هو حدثٌ معرفيّ وجماليّ يعيد مساءلة الذات والعالم في آنٍ واحد.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية

1. سلامة اللغة وبنية الأسلوب:

القصيدة مكتوبة بلغة فصيحة سليمة في مجملها، تعتمد الجملة الفعلية بوصفها بنيةً حركيةً («أتعلمُ»، «أتركُ»، «أرى»، «أصحو»، «اكتشفتُ»، «تعلمتُ»، «أصبحتُ»)؛ وهو اختيار ينسجم مع ثيمة التحوّل الداخلي. فالفعل هنا ليس حركية خارجية، بل حركة وعي.

التركيب يتّسم بالبساطة المشبعة بالدلالة؛ فلا نجد تعقيداً نحوياً متكلفاً، بل اقتصاداً تعبيرياً يقوم على:

الجمل المتوازنة.

الصور المركّبة («الحياة كغيمة تمرّ، تسافر»).

الإسناد المجازي («يهمس الأفق لي»).

غير أنّ بعض المواضع تقترب من الالتباس التركيبي، مثل:

«هو أنني كانتْ نفسي، والآنَ في غيابِ»

إذ يعتريها اضطراب في المطابقة الزمنية والنحوية، ويمكن عدّها انزياحاً تعبيرياً مقصوداً يعبّر عن تكسّر الهوية، أو موضعاً قابلاً للمراجعة الأسلوبية.

الانزياحات البلاغية واضحة في:

تشخيص الأفق.

تحويل الصمت إلى كيان مكتشف.

جعل الوحدة «رفيقة».

وهذه انزياحات تخدم المعنى ولا تفتعله.

2. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير:

المعجم الشعري يتوزع بين:

١- معجم كوني: (الفجر، الليل، الأفق، الظلام، الضوء، الغيمة).

٢- معجم داخلي نفسي: (الصمت، الوحدة، القلب، الروح، الأحلام).

٣- معجم زمني: (جريان الزمان، الأيام التي كانت).

هذا التوازن يمنح النص وجاهة تعبيرية، إذ لا يطغى التجريد على الحسّ، ولا الحسّ على الفكرة. اللغة ملائمة للموضوع التأملي، بعيدة عن الزخرفة المفتعلة.

اللفظ في خدمة المعنى، لا يستعرض ذاته، ولا يغرق في الغموض المجاني.

3. الإيقاع والمعمار الصوتي:

القصيدة تنتمي إلى فضاء الشعر الحر (قصيدة التفعيلة أو النثر الإيقاعي)، ولا تلتزم وزناً تقليدياً صارماً، لكنها تبني موسيقاها عبر:

التكرار البنائي («وفي…»، «ومع…»، «لقد…»).

التقابل الصوتي (الصمت/الصخب – الظلام/الضوء).

التوازي الإيقاعي في الجمل.

التكرار الداخلي لـ«الصمت» يخلق لازمة رمزية، فيتحول إلى محور دلالي وصوتي معاً.

الجرس الصوتي هادئ، يتجنّب الحروف الصاخبة، ويغلب عليه الانسياب، بما ينسجم مع ثيمة السكينة.

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية

1. البنية الفنية؛

القصيدة تقوم على معمار تحوّلي:

١- بداية: تعلّم الصمت.

٢- وسط: مواجهة الوحدة والظلام.

٣- نهاية: المصالحة واستقبال الفجر.

الزمن دائري، يتحرك بين الليل والفجر، لكنه زمن نفسي لا كرونولوجي. لا شخصيات سوى «الذات»، لكنها ذات تتشظّى بين:

١- الماضي («الأيام التي كانت»).

٢- الحاضر الواعي.

٣- الغياب الداخلي.

2. الرؤية الفنية:

الرؤية قائمة على فلسفة المصالحة:

الوحدة ليست عدواً، بل رفيقة.

الظلام ليس نقيض الضوء، بل شرط اكتشافه.

الشكل (الهدوء الإيقاعي) منسجم مع المضمون (السلام الداخلي).

3. الطابع الإبداعي:

الدهشة لا تأتي من غرابة الصورة، بل من إعادة تأويل المألوف:

١- الصمت نشيد.

٢- الوحدة رفيقة.

٣- الظلام موطن الضوء.

هذا قلب دلالي يمنح النص طاقته الجمالية.

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية

1. الموقف الفكري.

النص يطرح سؤال الهوية:

١- من أنا عندما أسكت؟

٢- هل أنا صوت أم صمت؟

٣- هل الغياب فقد أم اكتمال؟

هنا يتقاطع النص مع أفق تأملي قريب من النزعات الوجودية، كما نجد عند مارتن هايدغر في حديثه عن «الإنصات للكينونة»، أو عند جلال الدين الرومي في فلسفة الصمت ككشف روحي.

2. الأفق المعرفي

يحمل النص أثرًا من:

١- التأمل الصوفي (الصمت بوصفه معرفة).

٢- الحسّ الوجودي (الإنسان ككائن في العبور).

٣- النزعة الحداثية في تحويل التجربة الداخلية إلى مركز العالم.

3. البنية العميقة (هيرمينوطيقيًا)

تحت السطح، النص يتحدث عن:

١- انمحاء الأنا القديمة.

٢- إعادة ميلاد الذات عند الفجر.

٣- تحوّل الصمت من غياب إلى حضور مكثّف.

الصمت هنا ليس سلباً، بل امتلاء.

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

1. سياق النص.

إذا قُرئ النص في سياق التجربة العراقية المعاصرة، حيث الاضطراب والقلق الجمعي، فإن الصمت قد يُفهم بوصفه انسحاباً تأملياً من صخب الواقع.

2. تطور النوع:

النص يقع ضمن مسار الشعر التأملي العربي الحديث، الذي بدأ مع رواد الحداثة مثل بدر شاكر السياب، لكنه هنا يتجه نحو التجريد الهادئ بدل الدراما الأسطورية.

3. علاقته بالتراث

يتفاعل مع:

١- تقليد الفجر في الشعر العربي (الفجر رمز الأمل).

٢- الرمز الصوفي للصمت.

٣- ثنائية الليل/النهار في الشعر القديم.

خامساً: الأسس النفسية

1. البنية الشعورية.

النص يبدأ بقلق خفيف، لكنه ينتهي بسكينة.

الانفعال الأساسي: التصالح.

2. تحليل الذات:

الذات تمرّ بثلاث مراحل:

١- البحث.

٢- الضياع.

٣- الاكتشاف.

3. النبرة النفسية:

النبرة تأملية، لا احتجاجية، ولا مأساوية؛ إنها نبرة نضج.

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

النص لا يصرّح بالواقع الاجتماعي، لكنه يقدّم نموذج المثقف الذي يختار التأمل بدل الضجيج.

الصمت هنا موقف وجودي، وربما احتجاج غير مباشر على صخب العالم.

سابعاً: الأسس السيميائية

1. الرموز المركزية:

١- الفجر: الميلاد.

٢- الليل: التجربة.

٣- الصمت: المعرفة.

٤- الضوء: الحقيقة.

٥- الغيمة: العبور.

2. الشبكات التقابلية:

١- الصمت / الصخب

٢- الظلام / الضوء

٣- الحضور / الغياب

٤- الوحدة / الرفقة

هذه التقابلات تمنح النص بنيته العميقة.

ثامناً: الأسس المنهجية

الدراسة اعتمدت:

١- المنهج الأسلوبي.

٢- القراءة النفسية.

٣- المقاربة الهيرمينوطيقية.

٤- البعد السيميائي.

مع التركيز على النص ذاته، لا على السيرة الشخصية.

تاسعاً: الأسس الإنسانية والجمالية العليا

النص يحتفي بقيمة:

١- السكينة.

٢- الحرية الداخلية.

٣- التصالح مع الذات.

وهو نص مفتوح التأويل، يمكن قراءته بوصفه:

١- تجربة صوفية.

٢- تأملاً وجودياً.

٣- بيانًا نفسيًا عن النضج.

خلاصة عامة:

«نشيدُ الصمتِ عند تخومِ الفجر» نصّ تأملي هادئ، يقوم على بنية تحوّلية من القلق إلى الصفاء، ويعتمد لغة شفيفة متوازنة، وصوراً غير صادمة لكنها عميقة.

إنه نصّ لا يصرخ، بل يهمس؛ لا يعلن الثورة، بل يعلن المصالحة.

وإذا كانت بعض المواضع قابلة للمراجعة الأسلوبية، فإن القيمة الكبرى للنص تكمن في صدقه الداخلي، وانسجامه بين الرؤية والتعبير، وقدرته على تحويل الصمت من فراغ إلى معنى.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

.........................

نشيدُ الصمتِ عند تخومِ الفجر

بقلم: عصام الياسري

ومع كلِّ فجرٍ، أتعلمُ الصمتَ أكثرَ

وأتركُ نفسي في جريانِ الزمانِ

أرى الحياةَ كغيمةٍ تمرُّ، تسافرُ

فأظلُّ أسمعُ أنفاسَ الأحلامِ

وفي الليلِ، حينما يهمسُ الأفقُ لي

تتراءى الأيامُ التي كانتْ

أصحو على الهدوءِ، ولا أخافُ الوحدةَ

فأرى في الظلامِ ضوءًا ساطعًا كانَ

وما كانتْ وحدتي إلا رفيقةً

حملتني في أفقٍ لم أعهده

وفي الصمتِ، اكتشفتُ هدوءًا أعمقَ

من كلِّ صخبٍ مرَّ في العمرِ، وهدّه

لقد تعلمتُ أنني، في النهايةِ

صوتٌ من صمتٍ، وشيءٌ من سرابِ

أني في الحقيقةِ ما كنتُ أبحثُ عنه

هو أنني كانتْ نفسي، والآنَ في غيابِ

فصارتْ المسافةُ بينَ القلبِ والروحِ

محوًا لكلِّ فكرٍ كانَ عليَّ

وأصبحتُ حالي صمتًا يهتفُ ببساطةٍ

ويستقبلُ الفجرَ في أبسطِ المعاني

10 فبراير 2026

 

في المثقف اليوم