قراءات نقدية

سعيد السوقايلي: التفكك والاغتراب.. قراءة في "لا شيء ينتهي بإسدال الستارة"

لعلي بنساعود

تمثل مجموعة "لا شيء ينتهي بإسدال الستارة" للقاص المغربي علي بنساعود مرآة سيكولوجية تعكس تفكك واغتراب الذات الإنسانية في سياق اجتماعي مُحطّم، فهذه المجموعة التي تضم ثمان عشرة قصة لا تقدم قصصاً فردية معزولة فقط؛ بل تُجسّد حالة جماعية من الاغتراب والهذيان، حيث تتشابك مصائر الشخصيات في دوامة من العزلة، والعنف، والهروب المرضي من الواقع. ومقاربتنا النقدية لهذه القصص سترتكز على محاور رئيسة تكشف عن البنية السيكولوجية المشتركة التي تُوحّد هذه الشخصيات المُعذّبة. 

العزلة السيكولوجية والبحث عن بدائل التواصل

تُعدّ العزلة السيكولوجية هي اللعنة الأولى التي تُطارد شخصيات المجموعة القصصية، حيث تفشل العلاقات الإنسانية الحقيقية في توفير الدعم، ما يدفع الأفراد، خاصة الأطفال والنساء، إلى خلق عوالم بديلة للتعويض.

الفراغ العاطفي والهروب إلى كائنات غير بشرية:

تُجسّد قصة "ما خلف الباب" العزلة المبكرة للطفلة التي تعيش في إطار أسري يفتقر إلى التواصل العميق، حيث تفشل الطفلة في البوح لوالديها وأختها، الذين "لا يعرفون أي شيء" عن عالمها الداخلي؛ وبالتالي تلجأ إلى آلية تعويض عن هذا الحرمان التواصلي، بتحويل دميتها الخزفية "فلة" إلى كائن حي، أخت وصديقة حساسة، تجد فيها "بئر أسرارها" وملاذها للحصول على الطمأنينة والدفء، تقول الساردة الطفلة في هذا الصدد بكثير من الوثوقية المفترضة " كانت فُلَّتي، مثلي تماما، حساسة للغاية، تتفاعل معي في الأفراح والأحزان، فعندما أحزن، أسارع لعناقها، وبمجرد ما تطبطب علي، تطمئن نفسي، وأشعر بالارتياح، وكانت تفعل معي الشيء نفسه" ص 16؛ إن هذا التماهي المفرط مع الجماد ليس مجرد لعب، بل هو آلية دفاع سيكولوجية تُعوض عن النقص في الاعتراف والاحتواء العاطفي؛ ويصل هذا الهروب إلى ذروته، عندما يتجاوز التخيل حدود الواقع، فتظهر الهلاوس (أنفاس دافئة وقبلة من الدمية إلى صديقتها الطفلة)، و(نطق الدمية بخبر وفاة أم الطفلة)، لدرجة أن الطفلة تعتبر أمها هي أم للدمية، تهذي مصورة ذلك قائلة" وحين دنوتُ منها، جرتْ نحوي، وارتمتْ في حضني، معانقة إياي، باكية بصوت حقيقي مسموع، وتقول "ماتت ماما، حبيبتي، ماتت ماما، ماتت، ماتت..."، كاد يغمى علي، وأقع أرضا، لولا أنها سندتني" ص 19، إنه أمر يُشير إلى تدهور نفسي تام ناجم عن انهيار سيكولوجي وعاطفي تام.

الاغتراب الزوجي والخيانة:

ينتقل الاغتراب إلى العلاقات الزوجية في قصص أخرى، مؤكداً فشل الأسرة كنواة للدعم، ففي قصة "لوحي المحفوظ"، يتشارك الأبوان الشعور بالوحدة، حيث الأب يشتاق إلى طفولة أبنائه، والأم منشغلة بعوالمها المدنية، وفي غمرة هذا الاغتراب، يسترجع الزوج أيضا ماضي أبيه وأمه، حيث يكتشف من خلال خبر صاعق من شقيقته، حالة الاغتراب العاطفي التي عاشته أمه رغم كرم زوجها، إذ تبدأ المشكلة بخيانة أبيه لأمه عبر رسائل غرامية مع إحداهن استعار لها اسم المختار، والسبب أنه لم يكن يشعر بالسعادة معها، فما كان من السارد الابن  إلى أن يعود إلى مذكرات أمه، ليكتشف أيضا خيانتها لأبيه، من خلال ما كتبته " أعيش على الذكرى، من أجل ابني... منذ تزوجت، قبل سنتين تقريبا، قررت النسيان، قررت نسيان حبي الأول... لكنني، حتى اليوم، ما زلت أغالب نفسي... رغم كرم زوجي وأخلاقه العالية، لم يستطع أن يملأ الفراغ، خصوصا أنه مجرد عامل، لا ثقافة له ولا طموح... رضيعي نفسه لم يستطع أن يخلصني من هذه المشاعر والأحاسيس المترسخة لدي..." ص 73، نستنتج أن هذا الزواج قد قام على أسس اجتماعية غير متكافئة ولا عاطفية، نشأ عنه اغتراب متبادل تؤثر فيه اختيارات ومواقف وقناعات اجتماعية وثقافية متفاوتة أنشأت بيئة خصبة لـلخيانة، سواء خيانة الأب الجسدية أو خيانة الأم العاطفية، ليدفع بالسارد الابن والزوج أن يعيش العدم في ما تبقى له من حياة مع زوجة مشغولة أيضا، وهكذا تستمر دوامة الاغتراب الزوجي الذي قد ينفتح على خيانات جديدة محتملة.

وفي قصة "حين قررت أن أتعايش معها"، يتجسد الاغتراب في فقدان الساردة لذاكرتها وهويتها، تبدأ مشكلتها قائلة " بعد أبي، غابت أمي! وحين استيقظتُ ذات صباح، بحثت عني... وجدتني في غرفة، في بيت مع رجل!... بعد مدة، تعثرتُ بطفل..." ص105-106، لم يكن الرجل سوى زوجها الحاضر الغائب، والطفل ابنها الذي يعاني من مشكلات سلوكية ملء العناد واللامبالاة، فتحس بالخيبة والاغتراب الأسري سواء لضبط ابنها، أم إزاء مشاغل البيت المتعبة، أو أمام سلطة وتحكم حماتها في خياراتها وخروجها بحثا عن صديقات، أو أمام زوج غائب، ولكي تخرج من هذا الكابوس تفاجئنا بنهاية مضللة لحكايتها، حيث كانت مشاركة في خرجة رياضية للمشي، لتكتشف أن الجميع يبحث عن طفلة تائهة، لتقول: " تلكأتُ في الالتحاق، وحين وصلتُ، فوجئتُ برجل وامرأة عائدين بطفلة، يلوحان من بعيد، فخمنت أنهما أمي وأبي عائدان بي من ضياعي المزمن!" ص110، إنه تماه ذكي من الكاتب، ليشير إلى أن الساردة تتوق إلى خلاص من هذا الاغتراب الزوجي والأسري الثقيل، كي يعيدها إلى زمنها الطفولي الطهراني الأول رفقة أبويها حيث الطمأنينة والسكينة في أوثق علاقة إنسانية تفتقدها في أسرتها الجديدة.2395 ali bnsaed

2-  العنف كقوة مُحركة للانهيار النفسي

يُعدّ العنف، سواء كان جسدياً، أو لفظياً، أو سيكولوجياً، القوة المحرّكة التي تُفجّر الانهيارات النفسية والاجتماعية في المجموعة، وتلعب الذكورة دورا سلبيا في ترسيخ هذا العنف وتذويته نفسيا كأثر ثقيل على الأطفال والنساء بشكل خاص.

العنف الأسري والاستبداد الذكوري:

في قصة "واقترب الفرج"، يظهر الأب كشخصية استبدادية عنيفة، يمارس العنف الجسدي واللفظي بشكل ممنهج، واصمًا ابنته بأقذع الصفات، حيث تستنكر البنت ذلك قائلة " بمجرد أن وصلت إلى المنزل عائدة من المدرسة، دلق علي حاوية شتائم وكلمات بذيئة زاعما أنني، حين دخلت، لم أنظر إليه! أكره نفسي، كما أكرهه... لو أستطيع لغادرت هذا الخم البئيس..." ص51، فهذا العنف الممتد عليها في كل وقت، نهارا وليلا، قد ولد لدى الابنة الكراهية العميقة للأب (المجنون كما وصفته) وللذات وللواقع، ودفعها إلى محاولة إيذائه "فقد أخذتُ، يوما، سكينا، وكدتُ أبقر بطنه" ص51، وكم آذت نفسها محاولة الانتحار؛ فحتى الأم، بدورها، لم تسلم من هذا العنف الذكوري حيث يعنفها متى حاولت حماية ابنتها، وغدت ضحية صامتة له؛ لكن صمتها وطلبها من ابنتها أن تعتذر لأبيها، يُعتبَر تواطؤاً سيكولوجياً يزيد من عزلة الابنة التي أصبحت تبحث عن معادل عاطفي آخر لدى رجل آخر، لم يكن سوى فتى جميل يدرس معها، وقد وقعت في حبه، ليفضح أخوها أمرها من خلال صور نسيتها على حاسوبه ف"جاء غاضبا يسألني عن الشخص معي في الصور... ارتفع صراخنا، سمِعَنا والدي، ولما عرف الموضوع، صفعني، قائلا: الساقطة لا يمكنها أن تنجب إلا ساقطة مثلك... فررتُ منه، فتحت الباب، لحق بي ودفعني، فتدحرجتُ حتى أسفل السلم" ص53، فعلا لقد تدحرجت جراء العنف الأبوي والذكوري إلى مقام سفلي حيث تنوء معه كل انثى تبحث عن حب يحتويها ويكون لها سقفا واقيا يحميها من كل اغتراب أو تيه وضياع عاطفي شاذ.

أما قصة "عينان خابيتان"، فتعكس نوعاً مختلفاً من العنف الأسري، حيث يتحول الأب المتقاعد من الجندية، بسبب اضطراب ما بعد الصدمة، إلى كائن غريب بارد العواطف والمسؤولية، يمارس عنفاً سلبياً على زوجته وابنته، يتمثل في حساب ومراقبة كل شيء، والسخرية، والضرب، والتهديد بالطرد، وقد وصفت الزوجة حالته الشاذة بأنه " أصبح لا ينام، وإن نام، فنومه شجار وصراخ، أحيانا، أستيقظ، فأجده نائما يتشاجر مع آخرين، يتبادل معهم السب والضرب، فينهال علي ضربا وتعنيفا..." ص 66،  إنه نوع من الانتقام النفسي الذي يسقطه على أسرته، ومرد ذلك أنه عانى كثيرا حين كان مرابطا على الجبهة، وآخر معاناته أنه " أمضى أياما عصيبة محاصرا في خندق، قرب جثث متعفنة لمن سقط من زملائه، تنهشها الغربان، وأنه كلما نظر ناحيتها، كانت تهاجمه محاولة نقر عينيه الخابيتين..." ص 69، إن هذا النص يشير إلى بعض التداعيات السلبية التي تؤثر على المجندين الذين كابدوا ويلات وفظائع الحروب، الأمر الذي ينعكس نفسيا عليهم وعلى ذويهم، وهي معضلة تحتاج إلى مواكبة ودعم نفسي بعد العودة من الحرب، لكي يتمكنوا من إعادة إدماجهم ضمن العلاقات الاجتماعية والأسرية.

قمع المؤسسة التربوية والانتقام الرمزي:

يُمارس العنف في المدرسة أيضاً، كما في قصة "فجأة انقطع التيار" حيث المعلمة البديلة، بشخصيتها القمعية والمُتسلّطة، تُعامل تلميذة مجدة بوقاحة وتحدٍّ، محوّلة الفصل الدراسي إلى سجن قسري، لا تفاعل، لا أسئلة...، فقط القمع والسخرية والكراهية، فحتى حين تجيب التلميذة ببراعة، ودون تعثر، تشيح عنها المعلمة بنظرها، لتتساءل الطفلة في نفسها ببراءة ودهشة: " يا إلهي، ألهذه الدرجة تكرهني، تكره طفلة في عمر حفيدتها؟ ارتبكتُ فأخطأتُ في آخر جواب، استدارت نحوي قائلة: هذا مستواك! ونظرت إلى التلاميذ تحرضهم، فقهقهوا ساخرين مني... انفجرتُ باكية."76-77؛ وكرد فعل دفاعي على هذا العنف النفسي داخل فضاء تربوي، وعلى لسان مربية تعاني خللا ما، تلجأ الطفلة إلى الانتقام السحري، تصنع دمية شبيهة بالمعلمة البديئة، تنتف شعرها وتصفعها وترميها على الأرض، وتطعنها بالإبر والدبابيس، وتشعر بالسعادة والانتشاء، وبمحض الصدفة الغريبة يتحقق حلم التلميذة حيث تقول أنه " في اليوم الموالي، تأخرتْ المعلمة، فرحتُ، وفرحتُ أكثر، حين جاءت متأخرة تجر خطواتها، وانتشيتُ حين سمعتها تشكو لزميلتها من ألم في مفاصلها... وأنها لا تستطيع حمل جثتها!" ص79، إنه حلم بالانتقام المتخيل عبر هذا النوع من السحر الأسود التي تقرأ عنه أو تشاهده في أفلام الرعب، معتقدة بأنه سينجح كقناعة راسخة يكرسها غياب الرقابة الأبوية حول ما يطلع عليه النشء، فيترسخ في اللاوعي إيمانا وسلوكا وفعلا؛ ثم يتطور الأمر إلى طردها من المدرسة بسبب اتهام المعلمة لها أنها صاحبة رسم لصورة المعلمة على هيئة ساحرة شمطاء بملامح شريرة على السبورة، في حين يبقى الفاعل مجهولا في صفوف التلاميذ؛ فهذا العنف المُمارس على الطفلة يُحوّلها إلى مُعنِّفَة في عالمها الخيالي، وتنتهي بها الأمور إلى الانهيار النفسي ورؤية الهلاوس، وإلى زيارة طبيب نفسي لا يفتأ يحقنها بمحقن مهدئ، وهذا طبعا يؤكد تسبب البيئة القمعية في تحطم الذات جراء سلوك ناجم عن مربية يفترض فيها التوازن والحكمة والتبصر، مما يكشف عن مُعضلة تربوية وأخلاقية وقانونية وسيكولوجية تحتاج إلى إعادة نظر وتصويب.

الاستغلال في العلاقات العلاجية والحميمية:

تتجسد الصدمة النفسية في شكل استغلال مهني سُلطوي في قصة "هذا لست أنا"، حيث تنتهك المعالجة النفسية حدود المهنة باستغلال هشاشة المريض عاطفياً وجسدياً، حين " يتمدد على الأريكة صامتا، ينظر إليها، في وضع يشبه من هو في حالة تنويم مغناطيسي... شجعها صمته... اعترفت أنها تريده... قالت له كلمات جعلته يذوب... أثارت رغبته. بدت واثقة بنفسها... جلست جواره، لامسته بلطف، مدت يدها تفك أزراره ثم نزعت سترها..." ص 23، يكشف هذا المقطع حجم الهشاشة النفسية لكل من المريض والطبيبة النفسية، حيث انقلبت المعادلة إلى مرض نفسي تعاني منه الطبيبة (النفسية) جراء الحرمان العاطفي والجنسي ونداء الجسد، وانعدام المسؤولية المهنية وميثاقها، مما يُحوّل جلسة العلاج إلى تلاعب واستغلال ثم تخلٍ قسري في النهاية بعض قضاء الحاجة وتلبية الرغبة، وهذا ما يعمق من أزمة المريض النفسية؛ إنه نوع من الانقلاب القيمي والخلقي الذي أصاب المجتمع، فالطبيب والمريض كلاهما يعانيان من أمراض ناجمة عن أمراض اجتماعية انعكست على العلاقات المهنية.

3- الانهيار السيكولوجي وآليات الهروب المرضي

يُعدّ الانهيار النفسي نتيجة حتمية لكل أشكال العنف والعزلة. وتتراوح آليات الهروب بين الذهان، وفقدان الذاكرة، والهروب نحو الموت، وذلك من خلال ما يلي:

الشخوص بين الضغوطات والذهان:

في قصة "بعوض بلا طنين"، يُصوّر القاص حالة الذهان عند الأم بشكل متدرج ومقنع بعد أن عاشت البؤس وشظف العيش جراء عدة تجارب زواج فاشلة، وقد بدأت الحالة بهلاوس سمعية تقول عنها ابنتها الساردة " بدأتْ تَدَّعي أنها تسمع أصواتا أهمها صوت البعوض، حاولت أنا وزوجي أن نقنعها بأنه ليس هنالك أصوات ولا بعوض..." ص112، وتطور الأمر إلى هلاوس تخيلية غير صحيحة تخص بيت الجيران المقابل لهما، يفصلهما شارع عريض، ، حيث تخبر الأم ابنتها وزوجها بأن " الفتاة التي تسكن ذاك المنزل تبكي، طوال اليوم، حزنا على فراق أمها وأبيها... واليوم، جاء خالها ليأخذها، لكنها رفضت أن تذهب معه... تعالي، بنيتي، لنتدخل عسى الله يجعل لها مخرجا..." ص 113، في حين أن المنزل المذكور، لا يسكنه سوى أربعة إخوة ذكور فقط، ماتت أمهم منذ زمن؛ أو أن هذه الأم تلجأ إلى التحدث مع الموتى والتشاجر مع الأزواج السابقين. وتشتد الذروة عندما تكتشف الساردة بفعل ضغوطاتها وتناول بعض الأدوية أن الحديقة والغرفة التي كانت تبحث فيها عن أمها لم تكن هناك أصلاً، تقول " هذا الصباح، استيقظتُ متأخرة بفعل ما أتناوله من أدوية، ناديتُ أمي لأسلم عليها، لم ترد، لعلها في الحديقة، قلت، فتحتُ الباب، لم أجدها، لا هي ولا ما زرعته من ورود وأزهار، بل لم تكن هناك حديقة أصلا!" ص 115، يشير هذا المقطع إلى أن الهلاوس قد تسللت فعلا بالمحاكاة إلى وعي الساردة نفسها، كما إلينا كقراء، بفعل هذا التمويه النهائي للقصة، وذلك للتدليل على ذكاء سردي وذكاء النهاية والقفلة، حيث جعلَنا الكاتب بطريقة كافكاوية نصدق هذا الهذيان الأدبي العاكس لواقع مرير يعيش في دوامة من الهلاوس والهذيانات التي تنتقل بالعدوى.

الموت كخيار للتعامل مع الصدمة الوجودية:

تُثير قصة "رسوم عاطفية" قضية الموت الرحيم (أو الموت الاختياري) كهروب نهائي من المعاناة الجسدية والنفسية؛ فالصراع السيكولوجي والمهني الذي تعيشه الابنة الطبيبة يصور عمق الصدمة، حيث تصف موافقتها مكرهة على موت والدها ، فالهروب هنا هو هروب الأب عبر موت رحيم من "مرض عضال" و"معاناة تأبى أن تنتهي" حيث يصر على موقفه قائلا لابنته " حقنة كافية لأن تهدئني، تضع حدا لآلامي، وتنقلني إلى العالم الآخر بسلاسة، ودون أن أشعر" ص 135؛ كما أن ابنته كطبيبة تعيش رفقة عائلتها صدمة وجودية كبرى تحاول الهروب منها أيضا، لكن إصرار الأب ومحاولاته المتكررة للانتحار، تضعها في محك حقيقي، وهي الخبيرة بأحوال المرضى ومعاناتهم، وفي الأخير تستسلم لهذا القرار، لهذا الخيار حين " حقنه الطبيب بمنوم، بعدها بنصف ساعة، ناوله جرعة زائدة من "الباربتيورات"... ارتخى... دخل في سبات عمييييق... انتهى كل شيء" ص 139؛ لكن الصدمة تستمر بعد الموت في شكل لوم الذات والشعور بالندم يلازم الساردة بنتا وطبيبةً، رغم محاولتها إقناع نفسها بأنها فعلت صوابا لتحقق لأبيها الراحة والطمأنينة؛ فأحيانا يكون الموت الجسدي أفضل وسيلة نهائية وإجبارية لموت المعاناة والصدمات أيضا.

المراهق بين الوهم والواقع الحتمي:

في قصة "مجرى ولا ماء"، يظهر التظاهر بالانتحار كآلية للتعبير عن اليأس ولفت الانتباه في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث نرى أن خديجة المراهقة ذات الأربعة عشر ربيعا، بقوامها الطويل والرشيق، والتي كانت تحلم بأن تصبح مانكان كما أسرت لأستاذها ذات فصل، لم يكن هدفها هو الموت الحقيقي حين تناولت الحلوى المسممة بسم الفئران، بل "التظاهر بالإغماء" لاستجداء عاطفة حبيبها، وقد أسرت بذلك لإحدى زميلاتها بالقسم قائلة " سأتناول قليلا من سم الفئران، سيغمى علي، فأٌنقَل إلى المستشفى، ويتم إسعافي... ومن على السرير، سألتقط صور "سيلفي" أبعثها إلى هشام... فيعود ماؤه إلى مجراي!" ص 62؛ لكن النهاية انسدلت على أحلام خديجة ذات القوام الطويل والرشيق، ووقع الخبر الصاعق على أمها التي" انهارت حين جاءت إحدى الممرضات تعزيها، وتخبرها أن الطفلة لفظت أنفاسها الأخيرة..." 58؛ هذه الخطة المأساوية تكشف عن الهشاشة المفرطة للمراهقين، وعن أحلامهم وطموحاتهم التي تعيقها انتماءاتهم لأوساط شعبية وهامشية، لذلك يعتقدون، عبر اللجوء إلى عقدة التسامي والتعويض، أن الدراما والألم هما السبيل الوحيد للحصول على الاعتراف العاطفي المفقود، وعلى تحقيق الأماني مهما كانت، دون وعي أو مسؤولية من الوالدين حتى؛ فالقصة تدعو إلى ضرورة الانتباه ومراقبة سلوكات المراهقين، وتربيتهم على العيش تحت سقف اجتماعي كمعطى واقعي، والتعايش مع طموحاتهم بنفس المنطق.

ألية الكتابة والتدوين الأدبي والصحفي للتنفيس ومواجهة السلطة والفساد:

تُقدّم قصتا "ذات وجع" و"سيف ديموقليس" آليات الهروب من السأم والقنوط ومحاربة الفساد عبر التعبير الأدبي والتدوين الصحفي.

في القصة الأولى، تتماهى الساردة مع ضحية الاغتصاب في مخطوطة مجهولة عثرت عليها ضمن أغراضها، وتصف الإحساس بالطعن بخنجر الاغتصاب الذي تعرضت له فتاة، وكأنه واقع بها حين وقعت فريسة عنف جسدي بعد أن اقتادها وحشان آدميان (سائق سيارة أجرة وراكب شريك له) إلى مكان مهجور بين الأشجار، تقرأ لنا الساردة بعضا من هذه المخطوطة: "... فتح السائق صندوق السيارة، تكلف الثاني بجذبي من داخلها. حاولت المقاومة، لكن صفعة منه شلت حركتي... شد ضفيرتي، جذبني خارج السيارة. جثوت أصرخ، دفعني بقدمه، وقعت على قفاي، مزق فستاني، كتم أنفاسي... وغرز خنجره فيَّ..." ص 84، فغرز الخنجر إنما هو استعارة من الكاتب للاغتصاب، الذي تعرضت له الساردة يوما ما، وقد تكون المخطوطة خاصتها (عثرت عليها ضمن أغراضها)، تعود إليها لتستحضر هذه المأساة، تقرأها كوسيلة لتنفيس الصدمات المكبوتة عنها، وذلك يشير إلى تداخل ذكي عبر التعبير الأدبي وذكرى الاعتداء، تتذكرها لتنساها عبر تكرار البوح عبر تقنية وآلية تدوين المذكرات، فهذا هروب متكرر لا تدرك معناه حتى الساردة نفسها وهي تختم حكايتها قائلة: " يا إلهي، قلت في سري، أي نوع من الكتابة هذه التي متى قرأتَها، عثرتَ على نفسك متشظيا بين حروفها، ووجدت تجربتك مقطرة ترشح من ثناياها، حاملة أفكارك... مشاعرك... أحلامك... هلاوسك... رغم الألم والإحباط، أعيد قراءة المخطوطة، فيترسخ لدي الشعور بأنني بصدد مشاهدة إعادة تمثيل جريمة أنا ضحيتها..." ص86.

أما في قصة "سيف ديموقليس"، فيواجه الصحفي المعارض، المتخصص في الصحافة الاستقصائية، اتهامًا بالسرقة كرد فعل على نبشه لأعشاش دبابير السلطة والفساد، حيث تحاول السلطة، بعد محاولات عديدة لثنيه عن توجهه الصحفي، أن تصادر بعض محجوزاته ونصوصه الأدبية التي تتحدث عن هوسه بسرقة أي شيء مهما كان متواضعا، وهي عادة أدمن عليها منذ طفولته ويتمه وعيشه مع جدته إلى أن كبر، أشياء عادية يجمعها أنى كان، يقول السارد في إحدى تدويناته الأدبية التي صادرتها المحكمة واعتبرتها صك اعتراف واثبات على السرقة: " وحين تجمعت لدي كمية كبيرة من هذه المواد، استغللتها في تزيين بورتريهات نسائية كنت رسمتها على جدران غرفتي... وما تبقى من ألوان رسمت به ألوية حمراء تحفها المطارق والمناجل وتحملها الجموع... وتحتها كتبت: يا مزاليط العالم، لن تتحدوا أبدا." ص 128، فهذه التدوينة المصادرة (التي أحدثت صراعا بين ممثل النيابة العامة ودفاع المتهم حول طبيعة النص هل هو سيرة حقيقية أم خيال؟)، تسلّط الضوء على محاولة السلطة لـتشويه الذات وتصفية المعارضة عبر سلاح الوصم النفسي والجنائي، وعلى طبيعة الشخصية التي تعيش هوسا نفسيا يجمع بين انتماء إيديولوجي سياسي معارض قرينته المطارق والمناجل والألوية الحمراء، وبين الإدمان على السرقة لأشياء الآخرين ليشكل بها عالمه المشتهى الأثير والمفترض، وذلك ما يشير إلى عيش الشخصية في فصام بين واقعين، واقع مريض بالهلاوس، وواقع فاسد بالسلطة، مما يدفعه عبر التعبير الأدبي إلى إشهار"سيف ديموقليس" للتهديد بالانتقام والنبش في عش دبابير السلطة والفساد دون إدراك عاقبة أن تلدغه كما نبهه محامي دفاعه في نهاية القصة.

ختاما، تؤكد مجموعة "لا شيء ينتهي بإسدال الستارة" أن الشخصيات فيها مُحاصَرة في دائرة مغلقة من العذاب والمعاناة النفسية والجسدية، إذ العزلة تولّد العنف، والعنف يُفجّر الانهيار النفسي، والانهيار يقود إلى آليات هروب مَرَضية تُعيد الفرد إلى واقع أكثر مرارة، فهذا البؤس السيكولوجي ينبع أساساً من فشل العلاقات الإنسانية الحقيقية، حيث تُعاني الشخصيات من العزلة الناتجة عن الوصاية والاستغلال، فتجد في الهروب الذهاني، أو التماهي مع الجماد، أو أحلام اليقظة، أو حتى التخطيط الانتقامي (السحر الأسود)، أو اللجوء إلى الانتحار الحقيقي أو التظاهر به... سبيلاً وحيداً للنجاة والخلاص.

هكذا نجد القاص على بنساعود قد برز في براعة رسم المشاهد الداخلية لشخصياته السردية، مصورا كيف تتداخل الهلوسة بالواقع، ويتحول الحلم إلى صدمة، لتبقى الشخصيات "صخرة في الوحل" لا تستطيع أن تكمل رحلتها نحو قمة الجبل، مُعلنة أن الستارة قد تُسدل في نهاية كل قصة؛ لكنها لا تنسدل أبدا على مستوى الذات والعذاب الداخلي والصراع النفسي والاجتماعي.

***

سعيد السوقايلي - كاتب وناقد مغربي

.............................

* المجموعة القصصية "لا شيء ينتهي بإسدال الستارة" للقاص المغربي علي بنساعود 2025، مطبعة وراقة بلال بفاس – المغرب.

 

في المثقف اليوم