قراءات نقدية

جمعة عبد الله: قراءة في ديوان "سباعيات" للشاعر جمال مصطفى

مدخل في رؤية معنى الكلام في الديوان الشعري "سباعيات" للشاعر جمال مصطفى

يتميز في طريقته الشعرية في الابتكار، الشكل الشعري المختلف في اسلوب عرضه في صياغته الحديثة، في براعة الابتكار الخلاق والمبدع، لكي يكون نهج أو شكل شعري خاص به، في التناول والطرح، وفي الأسلوب التكوين والبناء الهندسي في البنية الشعرية ذاتها، ومنها السباعيات، التي تتميز بالتكثيف والتركيز في عرض كمال الصورة الشعرية، في التعبير والرؤية والخيال والفكرة الدالة، لتكون محملة في المعنى والمغزى والرمز، ليجعل القارئ في حالة الشد في العبارة الشعرية، بما يملك من معرفة وثقافة واسعة في مجال الأدب والشعر بحوره واوزانه، ان تتوهج في جمالية اللغة والبلاغة، يترنم بها في موسيقى الشعر، في التناغم والترنم في الإيقاع الموسيقي الشفاف في انسيابية كجريان مياه الانهار الهادئة، ان تكون باذخة بالصور والمعنى والايحاء، لذلك اعتقد انه سكب كل قريحته وخبرته في هذه التجربة ال (سباعيات) لذلك جاءت مكتنزة بالشعور المرهف والمعنى العميق في جدلية المفاهيم الموروثة في كل مسمياتها في، الحضارة والتاريخ والدين والتراث الشعبي، اي ما يخص مفردات الوجود، الإنسان والطبيعة، يضعها في مجهر التساؤل والسؤال، لكي يلهب احساس القارئ بالتفكير والتأمل، على ضفاف استغلال وتوظيف العقل والمنطق ان يشحن قريحته، لذا جاءت سباعياته محملة ب التأويلات المتنوعة من شمالها الى يمينها، في (سباعيات) هي بمثابة بانوراما الكلام والمنطق، هي اشبه بالالواح التراثية أو الدينية أو الحضارية، لكنها لا ترتقي الى شكل تعاطي الملحمة، لان كل لوح أو لوحة سباعية مختصة بحدث او فهم أو ادراك معين، يقصده من هذه ال (سباعيات / عددها 113) صيغت بتأني وروية في جدلية الكلام والمنطق والشعور. كأنه يجادل أو يحاور المقابل، حتى لا يغرقه في التهويمات، سواء من الحقائق أو من الخيال، الدخول في هذه ال (سباعيات) رغم شفافية لغتها وإيقاعها الموسيقي، لكنها تتطلب التوغل والتمعن في المعنى في العبارة الشعرية، التي جاءت بصيغة الابتكار في الشكل والمعنى، نتلمس بوضوح بأن هناك صراع قائم، كأنه أزلي بين بين قوى الخير وقوى الشر، بين العقل المتحرر ونقيضه العقل المنغلق، بين الشك واليقين، هذا التنابز الحاد، هو منْ يملك ناصية سراج ضوء الكلام ولسانه، أوعكسه، كالفرق بين الماء والنار، الاول يروي الظمأن، والثاني يحرق كل شيء، ولا يترك سوى الرماد، من هذه الجدلية تأتي هذه ال (سباعيات). والجدير بالذكر، ان بطل هذه السباعيات هو الشاعر نفسه، وتأكيداً على ذلك بعض السباعيات تخص سيرته الحياتية الطفولة والصبا، وكذلك مرحلة متقدمة من العمر، كأب يرسل رسالة الى ابنه في سباعية، أو يخاطب ذات الجمعية بصفة العطار، ويقصد عطار الكلام والقافية، يصب نبضات شعوره، أو صراعه في الادراك والفهم، وعشقه الملتهب بقافية الشعر الحديث.140 jamal mustafa

- الدخول في مفاتيح السباعيات، في الرؤية والفكرة والخيال ومنطق الكلام ونقيضه:

فكرة الجدل والصراع القائم، بين قوة الفكرة وقوة العبارة وانظلقها الحر ونقيضها، العبارة الشعرية في هذه السباعيات، تحلق وتخترق كل الحواجز، في انفتاح ذهنية العقل والمنطق، بالضد من انغلاق العقل وظلامه بالكوابيس في حبر القلم، أي لديه نوعين من الاقلام، قلم يجاري الحقيقة والمنطق ويكتب بريش الطواويس، وقلم نقيض هذه الاشياء الجميلة، هي مجادلة بين قوة الحكمة والمنطق، وبين ننقيضهما، ويستشهد في هذه المقارنة، بشخصية (ادريس) وبين شخصية الابالسة التي يلبس قناعها البعض، الاول اي قلم بريش الطواويس، يحمل طمغة المعرفة بكل جوانبها والاخر يحرفها عن جادة الصواب، شخصية ادريس، نبي الحكمة والمعرفة في افقها الواسع، موجودة في الحضارات القديمة: العراقية والمصرية والاغريقية، نفس الشخصية لكن باسماء مختلفة.

إدريسُ أودَعها سجْنَ القراطيس ِ

وقبْلَهُ حُرّة ً بيْنَ الأباليس ِ

*

شمْطاءُ لكنَّها بكْرٌ وطلْسمُها

ساقٍ يُمالِىءُ أكوابَ الكوابيس ِ

*

مخطوطة ٌ، حِبْرُها السريُّ يفضحُها

كأنَّ أقلامَها ريشُ الطواويس ِ

*

ليلاً تَجيءُ إذا شاءتْ وهودَجُها

كي تَنْطلي وانطلَتْ يا حاديَ العِيسِ

*

وهكذا دَيْدَنُ الناعورِ أمْسِ غداً

إذ يَجْمعُ النيرُ أعناقَ الجواميسِ

سباعية رقم 3.

- جدلية الله، أو بالاحرى جدلية الخالق والمخلوق، وكيف ينظر احدهما للاخر

في الفهم والادراك، وعمق التفكير بمخلوقات الله، وحال الكون والوجود، منْ يرى ان الله عنوان كل الجمال، وعنوان الالباب للعقول المستنيرة، والتي تفهم الحق، وليس للعقول المغلقة صعبة المراس، لا تفهم سوى القشور، لا تنفع بل تضر الناس والوجود، والاخر يرى عرشه ضباب، لذا فأن الخالق هو ماء لكل ماء في حضوره وغيابه، ان بابه مفتوحة لكل سؤال لا ينتهي، وكل جواب لا ينتهي، فهو الفاعل والمفعول.

الله ُ: لبلاب كُل توقِ

معرش، عرشهُ اللبابُ

*

اللهُ: يا ماء كلِ ماءٍ

اللهُ: لمْ يخدعُ السرابُ

*

اللهُ: في سرهِ وحضورٌ

اللهُ: في جهرهِ غيابُ

*

الله ُ: يا فاعلاً مفعولاً

ومطلقاً، قلبهُ ضبابُ

*

اللهُ: يا شعرَ كل نثرٍ

تألهَ السافلُ الترابُ

*

اللهُ مفتاح كل بابٍ

الله ما أدى اليهِ بابُ

*

اللهُ: لا ينتهي السؤالُ

اللهُ: لا ينتهي السؤالٌ

 سباعية رقم 8

- الساعة الرملية، لها وقت محدد في حساب الوقت وينتهي بالعكس تبدأ في عد الوقت من جديد، لكن حساب وقتها يكون عسيراً في الليالي حينما تشتد هواجس القلق، وتبدأ عد الساعات بدون عقارب، كأنها تبدو اطول من وقتها، لذا تشتد الظنون حين يكون الرمل فوقها، او يكون الرمل تحتها، كأنها في جمهورية السعالي تتبدل وتتلون. يصاحبها الخيبة والعقدة النفسية، في هذا الساحر (الساعة الرملية) ينقلب من الشيء الى ضده.

في ساعتي الرملِيّةِ، الليالي

تَنْهالُ والرُبْعُ المَليءُ خالي

*

هنا عَزيفُ الجِنِّ: قالَ إنْسٌ

والرمْلُ جمْهوريّةُ السَعالي

*

كَمْ ضَبَّةٍ في ساعتي وَضَبٍّ

وموجةُ الكثيبِ في انهيالِ

سباعية رقم 42

- جدلية العمر بين التعقل والجنون. بين النار وزهرة الزيزفون، بين الجماح الهائج وعاشق الفنون، بين الصحراء واللواحة، بين الاقتراض والتسديد قافية الديون، بين التسرع والصبر الملهف، هذه سحابة العمر وغيومه، لكن يبقى جسراً لا يصدأ، ويحذر من عبوره.

أعوذُ مِن التَعَقّلِ بالجنونِ

فيا ناري ارتَعي في زَيْزفوني

*

ويا قطعانَ ثيراني أَغِيري

على كُوخي المُعَشَّقِ بالفنونِ

*

ويا صحرائِيَ الكُبرى استَبِدّي

بواحاتي ولا تَذَري غصونِي

*

أنا لَمْ اقتَرِضْ لكنْ حريصٌ

على التَسديدِ قافيتي دُيونِي

*

وعندي أنّني مِن زنْزَلَخْتٍ

ولِي صَبْرٌ على وَعْلِي الحَرُونِ

*

ولِي مَلْويَّةٌ أَنْدَسُّ فيها

أنا بَزّاقُها، إلّا قروني

*

أنا جِسْرٌ  تَصَدّأَ  مِن حديدٍ

يَئِنُّ مُحَذِّراً: لا تَعْبروني 

سباعية رقم 67.

- ابو نؤاس: شخصية جدلية يتقاسمها، الكأس والغلمان والعبادة، هذه جنته العسلية، بين الحسناء والكأس حتى أذان الفجر، يسهو عن صلاته وجناته، ويطير بنار قافيته في انغماسه،

تَوضَّأَ بالمُدامِ أبو نُواسِ

ونِيّتُهُ: الصلاةُ بُعَيْدَ كاسِ

*

سأقرَبُها يَقولُ قُبَيْلَ سُكْرٍ

فَلَمّا زلْتُ صاحيةً حَواسي

*

نصومُ نَهارَنا عن كُلِّ لَحْمٍ

وبالصهباءِ نُفْطِرُ في الأماسي

*

ومَزّاءٍ مِن الزيتونِ حَسْبي،

وصاحبتي مِن التينِ الخُلاسي

*

بِنا سَهَرٌ يطولُ يطولُ حتّى

أَذانِ الفجْرِ يا غَبَشَ النُعاسِ

*

جنانُ: مليكةُ العَسَلِ المُقَفّى

غَفَتْ سَكْرى على البيتِ السُداسي

*

سَهَوتُ عن الصَلاةِ وعن جناني

وطالَ بنارِ قافيتي انغماسي

 سباعية رقم 92

***

جمعة عبد الله

....................

* سباعيات، جمال مصطفى، مجموعة شعرية، إصدار مؤسسة المثقف ودار العارف، 2026م.

في المثقف اليوم