قراءات نقدية

حميد بن خيبش: ولد بيروك.. طبل الصحراء ودموعها

كَوّرت الصحراء الموريتانية حُبيبات رملها شِعرا لأمد طويل، بفعل الشفاهية التي ركن إليها المجتمع البدوي القديم. غير أن العقود الأخيرة شهدت وعيا أدبيا متزايدا بضرورة التطلع إلى فضاء السرد، وإثبات حضور روائي وقصصي، يمنح للأدب الموريتاني لغته الخاصة، ويعزز حضوره في المنظومة السردية العالمية، بما يعرضه من رؤى ومضامين مستلهمة من عمق الصحراء وسحرها، وروح البداوة المتغلغلة في نسيج المجتمع.

ما يميز المشوار الأدبي للروائي الموريتاني امبارك ولد بيروك هو إصراره على تقديم الصحراء برؤية صحراوي، كما يقول، لكن بلغة موليير التي عشقها منذ صغره. ففي أطار بشمال موريتانيا نشأ المؤلف داخل أسرة جمعت بين روح البداوة القبلية وكتابات فولتير وهوغو. إذ تهيأت للصبي فرصة اطلاع على الأعمال الأدبية الفرنسية بفضل الأب الذي كان يعمل مدرسا في المدرسة الاستعمارية.

في رواية (طبل الدموع)، والتي حازت على جائزة أحمدو كوروما بجنيف سنة 2016، يعرض ولد بيروك لملحمة صحراوية تتصادم فيها الحداثة مع أعراف القبيلة وعاداتها التي تبدأ بالتأرجح إزاء أحداث العالم المعاصر.

داخل قبيلة أولاد محمود تنشأ ريحانة الجميلة. غير أن مستقبلها الذي يُفترض أن يكون مشرقا سرعان ما أظلم حين اختفى حبيبها المهندس ذو الشخصية الآسرة، ليُسلم الشابة الحامل إلى مأساة العار وغضب القبيلة.

تتطور أحداث الرواية عبر تيارين زمنيين مما يوحي بتقاطع حكايتين داخل نواة النص. ترصد الأولى حاضر ريحانة التي أضحت (أما عازبة) بحسب الاصطلاح المتداول، بينما تعرض الثانية لما طبع حياة الفتاة الساذجة من أحداث. فهروب البطلة لم يكن فقط تجنبا للفضيحة وإنما تمردا على إذعان القبيلة لماضيها المفعم بالتمييز والذكورة، لذا تسرق ريحانة طبل القبيلة لتُحدث شرخا في إيقاع الحياة داخلها. أما الرجال الذي اصطفوا على حافة هذا العمل الروائي المميز، فجلهم يود اختراق جسد ريحانة لشحذ أنانيته ونزواته، باستثناء عبد محرر يواسي آلامها.

تصل ريحانة إلى العاصمة نواكشوط لتعاين غرابة الحياة في المدينة، وهشاشة الإنسان الذي يلقي كيانه بداخلها. يكرر ولد بيروك سردية المعذبين الذين قست عليهم الحياة في بيئتهم، فيهاجرون إلى مكان قصي لا يستوعب أحلامهم، وإنما يسبك معاناتهم في متاهة من الأحداث التي لا تقل ألما وتشظيا. إلا أنه تكرار لا يُفقد النص قوته وفنيته، فالسرد الحلزوني لا يمنح القارئ سلطة التنبؤ بما ستؤول إليه الأحداث، إذ يتحكم ولد بيروك بتقنيات السرد التي تتنوع بين الاستباق والاسترجاع، والتضمين الذي يهزّ المنحى الخطي للأحداث، إضافة إلى اللجوء للاستبطان الذي يستنطق دواخل الشخصيات، ويكشف سجلات اجتماعية خفية.

تنحسر طبقة الرمل والجدب عن صحراء موريتانيا، ليعيد ولد بيروك اكتشاف ثقافتها المنسية، ويفكك نظرة الآخر التي تحصر التنوع العرقي والثقافي لهذا المجتمع في قطع الفولكلور السياحية، أو توزيع اتهامات بتفريخ الإرهاب. وفي عدد من تصريحاته يؤكد أنه ليس كاتبا للتسلية، ولا يعنيه أن يُشبع مخيلة القارئ الغربي بدمج الخرافات الشعبية، والمعتقدات التي تغذي حسه الاستعماري القديم. إنه يكتب ليمنح موريتانيا المجروحة صوتا خارج حدودها، ويعيد الاعتبار لثقافة البيظان التي تمزج بيئة الصحراء وتناقضاتها بثراء الحضارة الحسانية.

تتميز نصوص ولد بيروك بتوتر غير عادي، فشخصياته التي تتنازعها ثنائية البداوة والتحضر تبدو قوية المزاج وحادة الوعي، كأن احتدام التأرجح بين عالمين يمنحها قوة الإرادة، وتطويق إنسانيتها ضد عوامل السلب والنسيان والهدم.

تلد ريحانة سرا ويلقى بالطفل إلى مصير مجهول، ثم يتم تزويجها من شاب ساذج لتأكيد عذرية مزيفة. تطاردها صورة الطفل المفقود فتنضج المراهِقة قسرا لتحطم عالما بأسره. تعبر الكثبان الرملية وحيدة لتهرب من عمها الزعيم، ومن القبيلة، ومن المقدس الواهي الذي حظر الأسلاف ملامسته أو اقتراب الأيدي النجسة منه. تسرق الطبل لتهدم في لحظة ما بناه الوهم في نفوس تخنق الحاضر بحبال الماضي المتذبذب. رسم ولد بيروك بحنكة شخصية هشة وجريئة دون ينزلق إلى المثالية، فوجهة ريحانة ليست أفقا يحلم به المتمردون، بقدر ما هي فضاء أقل إيذاء لمن ينشد حريته.

بأسلوب يفيض رقة وشاعرية يحرر ولد بيروك عمله الروائي من حدود قصة مؤلمة في أطراف الصحراء، ليقدم رؤى إنسانية حول الحياة القبلية بطقوسها الموروثة، وعاداتها المتأصلة التي تجمع بين الوقار والكرم، وبين الإصرار على حرمان الفرد من حقه في التطلع إلى حياة جديدة. نفس الرؤى تحيط بعالم المدينة لتنزع عنه كذبة التحضر، وتكشف أسراره المخزية التي غذّتها الفردية والعولمة المفرطة.

بعد حصوله على إجازة في القانون من جامعة محمد الخامس بالرباط، عاد ولد بيروك إلى بلده ليعمل في مجال الإعلام، وليؤسس سنة 1988 أول منبر إعلامي مستقل باللغة الفرنسية تحت اسم "موريتانيا غدا"، ثم تقلد منصب المستشار الثقافي للرئيس محمد ولد عبد العزيز.

بدأ مشواره في عالم الأدب بكتابة القصة القصيرة، قبل أن ينعطف نحو الرواية. وكرس قلمه للصحراء بقبائلها، وحكاياتها، وتجليات حضورها العالق بين البداوة والحداثة. نشر روايته الأولى (ونسيت السماء ان تمطر) سنة 2006، ثم توالت أعماله التي تنهل من تناقضات المجتمع الموريتاني ك(مطرب الأمير)2013، و(سارة)2022، و(المنبوذون)2023، وغيرها.

إلى جانب الأسئلة الجوهرية التي يطرحها ولد بيروك بمذاق فلسفي وشاعري في آن، عن الهوية، وتململ البنى التقليدية، والتوتر المستمر بين عالمين، يدافع المؤلف عن التقصي باعتباره جوهر الكتابة. لذا يرفض أن تنهل موضوعاته من الخيال المحض، فينزل إلى أزقة نواكشوط وأحيائها ليدون ملاحظاته في كناش صغير، وينبش كثبان الصحراء بحثا عن ميثولوجيا الإمارات الموريتانية القديمة، وحكايات البيظان والزنوج والطوارق.

حصل ولد بيروك على جوائز وتكريمات عالمية عن رواياته، إلا أنه صرح في لقاءات متعددة بأن الجوائز لا تمنح قيمة للعمل الأدبي. إن الكاتب المبدع هو الذي ينجح في أن يكون سفيرا أدبيا، ينقل بلاده من ضيق الجغرافيا إلى رحابة العالمية. ولعل الصدى الإيجابي الذي خلّفته رواية (طبل الدموع) في المشهد الأدبي الفرنكفوني، يرجع بالأساس إلى كونها جوهرة أدبية أحيت الشغف بالقارة الإفريقية.

***

حميد بن خيبش

في المثقف اليوم