قراءات نقدية

عماد خالد رحمة: دراسة نقدية لقصيدة الشاعر توفيق أحمد "حبيبان نحن وأكثر"

يشكّل الشعر الوجداني الحديث أحد أبرز الحقول التي تتقاطع فيها التجربة الذاتية مع الرؤية الوجودية، حيث لم يعد الحب مجرّد انفعال عاطفي أو غنائية مباشرة، بل تحوّل إلى بنية رمزية معقّدة تُعيد مساءلة العلاقة بين الذات والعالم واللغة. وفي هذا السياق، تغدو القصيدة فضاءً دلالياً مفتوحاً، تُختبر فيه حدود القول الشعري، وتتداخل فيه الأبعاد النفسية والفلسفية ضمن تشكيل جمالي متوتر ومكثف.

وتأتي قصيدة «حبيبان نحن وأكثر» للشاعر توفيق أحمد بوصفها نموذجاً دالاً على هذا التحوّل، إذ تنهض على خطاب عشقي يتجاوز الثنائي التقليدي للأنا والآخر، ليؤسس رؤية وجودية ترى في الحب فعلاً كينونياً، وفي الاندماج خلاصاً مؤقتاً من العزلة والوجع. فالقصيدة لا تصف تجربة حب بقدر ما تُعيد إنتاجها لغوياً ورمزياً، مستثمرة طاقة الصورة الشعرية، وإيقاع التكرار، وتوتّر النداء، لتحويل العاطفة إلى مشهد كوني تتداخل فيه الطبيعة، والجسد، واللغة.

وانطلاقاً من ذلك، تسعى هذه الدراسة إلى مقاربة النص مقاربة نقدية مركّبة، تعتمد المنهج النفسي والرمزي والأسلوبي، بهدف تفكيك البنية الجمالية والدلالية للقصيدة، والكشف عن آليات اشتغال الصورة الشعرية، والإيقاع الداخلي، وعلاقة الذات بالعالم، وما تنطوي عليه من أبعاد نفسية وفلسفية. كما تهدف إلى إبراز الكيفية التي ينجح بها الشاعر في بناء وحدة عضوية بين الشكل والرؤيا، تجعل من النص تجربة شعرية مفتوحة على التأويل، وقابلة لقراءات متعددة ضمن أفق الشعر العربي الحديث.

تنتمي قصيدة «حبيبان نحن وأكثر» للشاعر توفيق أحمد إلى الشعر الوجداني الحديث الذي يتجاوز التعبير الغنائي المباشر، ليؤسس فضاءً رمزياً تتداخل فيه التجربة العاطفية مع الرؤية الوجودية. فالقصيدة لا تُبنى على ثنائية الأنا/الآخر فحسب، بل على تحوّل الحب إلى أفق كينوني يعيد تعريف الذات والعالم معاً.

وانطلاقاً من ذلك، تعتمد هذه الدراسة مقاربةً مركّبة تجمع بين:

المنهج النفسي: لتحليل بنية التوق، القلق، والاندماج.

المنهج الرمزي: لفك شفرات الصور الطبيعية والكونية.

المنهج الأسلوبي: لتفكيك الإيقاع، التكرار، والإنشاء الندائي. وذلك ضمن قراءة دلالية ترى القصيدة وحدة عضوية يتواشج فيها الشكل والرؤيا.

أولاً: الصورة الشعرية – من التشخيص إلى الكَوننة

تنهض الصورة الشعرية في النص على تحويل العاطفة إلى مشهد كوني، حيث لا يعود الحب حالة نفسية داخلية، بل فعلاً يطال الطبيعة والزمان والعناصر.

صورة الورد والفراشات في المطلع:

«وما زاد عن وردِنا من عبيرٍ

نصيبُ الفراشاتِ منه كبيرٌ… وأكبر»

تنهض على مبدأ فيض المعنى؛ فالحب ليس امتلاكاً، بل طاقة فائضة تتوزع على الكائنات، ما يشي بنزعة إنسانية/صوفية ترى في العشق قوة كونية.

الورد هنا رمز الذات المكتملة، والفراشات رمز الأرواح أو الرغبات الحرة التي تتغذى على هذا الاكتمال.

صورة القمر والبحر والعينين:

«فهل يختفي قمرٌ

يقطفُ الضوء من بحر عينيكِ

إلا ليظهر»

هي صورة دائرية تقوم على الاختفاء بوصفه شرط الظهور، وتستحضر تصوراً وجودياً يرى الغياب طوراً من أطوار الحضور، لا نقيضاً له.

صورة الغيوم، الرمل، البرق، المطر: تمثل تحوّل الجسد والوجدان إلى عناصر طبيعية متحركة، بما يعبّر عن ذوبان الحدود بين الإنسان والعالم، وهو ما يمنح النص بعده الكوني.

ثانياً: الإيقاع الداخلي – تكرار العشق وترديد اليقين

لا يقوم إيقاع القصيدة على الوزن وحده، بل على إيقاع نفسي داخلي يتولّد من:

التكرار البنائي لعبارة:

«حبيبان نحن وأكثر»

هذا التكرار لا يؤدي وظيفة تأكيدية فقط، بل يعمل كـ لازمة شعورية تعيد القارئ في كل مرة إلى مركز التجربة: الحب بوصفه زيادة على الممكن، وفائضاً على اللغة.

الجمل الندائية والأمرية:

«تعالَ… تعالَ… نمْ في عيوني…»

تخلق إيقاعاً تصاعدياً يعكس توتّر الرغبة وقلق الانتظار، ويحوّل الخطاب من وصف إلى استدعاء وجودي.

التقطيع والتنويع في طول الأسطر: يمنح النص إيقاعاً متموّجاً يشبه حركة المدّ والجزر التي تتكرر رمزياً في القصيدة، فيحاكي الإيقاعُ المعنى.

ثالثاً: البنية الدلالية – الحب بوصفه فضاءً كينونياً دلالياً، تتجاوز القصيدة مفهوم الحب الرومانسي لتؤسس ميتافيزيقا عشقية، حيث:

الوصول هو الضياع:

«وُصُولي إليكَ ضياعي فيكَ

ضلالُكَ فيَّ يقيني»

هنا تتجلى مفارقة فلسفية قريبة من التصوف الوجودي، حيث يتحقق اليقين عبر فقدان الحدود، ويغدو الضلال شكلاً من أشكال الهداية.

الحب كتحرر من الزمن الخطي:

«فخذني إلى حيث لا بعد بعدي»

وهي دلالة على الرغبة في كسر التسلسل الزمني والدخول في أبدية لحظوية، حيث الحضور مطلق.

الجسد بوصفه لغة:

«حديثُ يديكَ

بلاغةُ عينيكَ

إيماءةُ الورد في شفتيكَ»

يتحوّل الجسد إلى نص دلالي، وتغدو الحواس وسائط معرفة، لا أدوات لذة فحسب.

رابعاً: البعد النفسي والفلسفي – من الانقسام إلى الاندماج

نفسيّاً، تنبني القصيدة على مسار واضح:

العزلة والوجع:

«اتكأتِ على عزلتي… وجعي طاعنٌ»

النداء والاستغاثة:

«قلْ لعينِي ولو كلمةً كاذبة»

الاندماج والطمأنينة:

«تعالَ ونَمْ في عيوني»

هذا المسار يعكس تحوّل الذات من حالة نقص وقلق إلى حالة اكتمال عبر الآخر، في تصور يقترب من الرؤية الوجودية التي ترى في الحب خلاصاً مؤقتاً من عبث العالم.

فلسفياً، يمكن قراءة النص بوصفه مصالحة بين المتناهي واللامتناهي؛ فالحبيب يُقدَّم بوصفه:

«سيّد الضوء… فارسيَ المجتبى»

وهي صفات تنقل العلاقة من مستوى الإنساني المحض إلى أفق شبه أسطوري، حيث يصبح الحب فعلاً كاشفاً للمعنى.

خاتمة:

تقدّم قصيدة «حبيبان نحن وأكثر» نموذجاً ناضجاً للشعر الوجداني الحديث، حيث تتضافر الصورة، والإيقاع، والدلالة، لتشكّل نصاً ذا عمق نفسي ورؤيوي. إنّ الشاعر توفيق أحمد لا يكتب الحب بوصفه موضوعاً، بل بوصفه بنية وجودية تعيد صياغة الذات والعالم، وتحوّل اللغة إلى فضاء احتواء وكشف في آن.

فالنتائج هنا تعتمد القصيدة صورة شعرية كونية تُحوّل العاطفة إلى مشهد وجودي شامل.

يقوم الإيقاع الداخلي على التكرار والنداء، معبّراً عن توتر الرغبة واليقين.

تنبني الدلالة على مفارقات فلسفية (الضياع/الوصول، الغياب/الحضور).

يعكس النص مساراً نفسياً من العزلة إلى الاندماج عبر الحب.

ينجح الشاعر في توحيد الجمالي والوجودي، مانحاً القصيدة طابعها التأملي العميق.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

...........................

حبيبانِ نحن ُوأَكثَر

الشاعر توفيق أحمد

حبيبانِ نحنُ ... وأكثَرْ

وما زاد عن وَردنا من عبيرٍ

نَصيبُ الفراشاتِ منْه ُكبيرٌ... وأكبَرْ

أمامَ الفراشاتِ يا وَردُ فاشْهَدْ

حبيبانِ نحن و أكثرْ

ولا نستحي أنْ نُواري

مصابيحَنا البيّناتِ وراء الضبابِ

فهل يختفي قمرٌ

يَقطفُ الضوءَ من بحر عينيكِ

إلاّ ليَظهَرْ:

حبيبانِ نحنْ وأكثرْ

وهذي العصافيرُ إذْ تتنهَّدُ

خلف زجاج الهواءِ

تُنادي على شجرٍ أيْنعَ الصيفُ فيه وأثْمَرْ

وماذا إذَنْ لو تَجيئينَ !!

وها قد أتيتِ ...

ومِنْ غامِضِ الغيبِ حينَ اتَّكأْتِ

على عزْلتي

كنتُ شهقةَ غيمٍ على شفَة الليلِ

حين احتَككْتِ برمل خياليَ أزهَرْ

وأذكُرُ حين هَتفتِ لقلبي :

تعالَ..تَخَطَّ حدوداً بوجهكَ أوصدْتُها

أَفَلا تتذكَّرْ !!

تعالَ.. لعلِّي اسْتَفَقْتُ على وجعي

وجعي طاعنٌ في مدى الأملِ المُشتهَى

قلْ لعينِي ولو كِلْمةً كاذبهْ

وقدِّمْ الى رمل روحي

ولو غيمةً هاربهْ

وقُلْ لي: بعينيَّ غيبي هنا

كي أراكِ

وقلْ لي : إذا فمُكَ العذبُ لامس وَردي

فغيرُك من ذا يَفُكُّ ارتباكي

تعالَ ونَمْ في عيوني

ورمِّمْ بسيف هواكَ جنوني

ضلالُكَ هذا الرحيمُ

الى اللا وصول يقودُ سفيني

وُصُولي اليكَ ضَياعيَ فيكَ

ضلالُكَ فيَّ يقيني

فخذني الى حيث لا بَعْدَ بَعْدي

وطوِّقْ  بجمرِ يديكَ أعاصيرَ بَرْدي

الى أين تمضي : وكيف ستَفلِتُ من

جزْر موجي ومَدِّي:

لأنكَ يا سيِّدَ الضوءِ عندي

حبيبي و فارسيَ المُجْتبى

كلُّ ما فيكَ يُغْري:

حديثُ يديكَ

بلاغةُ عينيكَ

إيماءَةُ الورد في شفتيكَ

حبيبانِ نحنُ وأكثرْ

تعال لنشربَ قهوتَنا في الصباح المُعطَّرْ

**

ومن منجم المستحيلِ اخْرُجي الآنَ لؤلؤةً

مَسَّها ضوءُ روحي فسال دمُ البرق من

جرحها وتكسَّرْ

أنا الآن بحرٌ من الشوق يمشي

على جُرحِه ِحافياً

بانتظار هبوبِ يديكِ

تَرُدّانِ فوق يباسي لحافَ المطرْ

جسمُكِ الآن يَختلجُ الآنَ بين يديَّ

على موج خوخٍ وعنبرْ

حبيبانِ نحن وأكثرْ

وهل يختفي قمرٌ

قَطفَ البحرَ من بحر عينيكِ

إلّا لِيَظهَرْ؟؟!

في المثقف اليوم