قراءات نقدية

رحيم الغرباوي: الذات الملائكية في شعر د. عبد الأمير الورد

 قراءة في تجليات المضمر

يبدو أنَّ الرياضات الروحية والعشق هما ما يحققان للعارف الوحدة الشخصية للوجود ولوازمها وتحقق لمن  أدرجها ذاتاً أشبه بالذات الملائكية، ونعلم أنَّ العرفانيين اعتمدوا الكشف والشهود والمقصود بالشهود العرفاني هنا هو مقام حق اليقين والذي يؤدي إلى الوصول إلى أعمق ساحات الوجود، وقد يتأتى هذا بفطرة نقية من دون الاعتماد على المنهج العلمي للعرفان كالشهود القلبي ودون أنْ يطوي المنازل السلوكية للرياضة فبالإمكان الوصول إلى العشق من خلال الإيمان برواسخ العقيدة وتعطش النفس للفناء بالذات العليا ومن بين هؤلاء الزهاد والمؤمنون باليقين، و من أحب كمال الوجود من علماء وشعراء، ولربما أناس بسطاء قد تجدرت فيهم ثوابت اليقين فراحوا يجهدون أنفسهم بالعمل الصالح وإفناء ذواتهم في أنوار الخالق الرحيبة، فتتولد لديهم المعاني القيمية التي بها تزيل من أمامهم الحجب فراحوا يتوسلون الفيوضات الربانية والانصهار ببركاتها النورانية.

والشاعر الدكتور عبد الأمير الورد واحد من أولئك الذين تكشَّفت لديهم الأنوار الرحيبة، وكما عرفناه أستاذاً ومربياً كانت تتجلى شخصيته الإيمانية بخلقه العالي وباستشهاداته القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة وما يحفظ من أحاديث لأهل البيت (عليهم السلام) ولا سيما في الدرس وخارجه، فضلاً عن الشواهد الشعرية ذات النزعة الدينية والصوفية وما استقى طلبته من مواعظه وإرشاداته والاقتداء بشخصيته النجيبة.

أما ما تجلى في شعره من خصال وصور ملائكية، فهي كثيرة، لابد أن نتناول نماذج منها؛ كونها تترجم ما في مكنوناته القدسية، يقول في إحدى قصائده:

يا من هواهُ يغذِّي فؤادي

رحماكَ يا ربِّ يوم المعادِ

*

رحماكَ ربي بعبد فقير

شانت هواه ضروب الشرور

*

مازال يرجوك حُسنَ المصير

إذ لا شفيعٌ سوى خير هادي

*

رحماك يا ربِّ ضلَّت خطانا

حين اتَّبعنا دليلا هوانا

*

إنَّا فزعنا فهبنا الأمانا

يا غافراً يا رحيم العبادِ

فنرى الشاعر في دعائه الذي سكبه شعراً يحاول تنقية نفسه طالباً الرحمة والمغفرة، بينما هو يُظهِر ضعفه أمام خالقه، بوصفه الفقير لتلك الرحمة، إذ شانت هواه أنواع الشرور كما يقول، وتلك عادة مستحسنة من لدن الزهاد والعرفانيين والمتصوفة في تبرير ضعفهم وطلب السماح والمغفرة؛ لإطفاء الذنب وستر العيب، كما أنَّه يبث ذلك؛ ليُظهر أنَّ الخلق بحاجة إلى مغفرة الخالق؛ لأنَّ طبيعة النفس البشرية هي إملاء حاجتها الدنيوية المتعلقة بالجسد؛ لذا يدعو الله بحسن المصير والعاقبة، ويبدو أنَّ الشاعر من دون وعيه يُظهر لنا إيمانه باليوم الآخر، وما الفزع منه إلا صورة حية لذلك، مترجياً الأمان ليوم لاتنفع فيه معذرة ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾(غافر: 52) فهو المؤمن بأنَّ الله رؤوف رحيم بعباده.

وفي نص آخر بعنوان (جد لي بلطفك) يقول:

جدْ لي بلطفك كي تُعزَّ مكانتي

فبغيرِ لطفك لا أريمُ ذليلا

*

جد لي بلطفك كي أتيه على المدى

فخراً وأُصرعُ في هواك قتيلا

*

الآن تعطيهِ بغيرِ تأخُّرٍ

فأخو الضنى لا يقبلُ التأجيلا

*

آياتُ فضلك محكماتٌ كلها

وضَّاحة لا تقبل التأويلا

فنجده ينزع هنا نزعة صوفية وهو يطلب من الخالق سبحانه اللطف به من دون غيره؛ لأنَّ طلب اللطف من غير الله مذلَّة، بينما نجد في البيت الثاني رغبته الذوبان بهذا المدى فخراً ... متمنياً أن يُصرَع في هواه قتيلاً، فهو المضنى بحبِّه، فلا تأجيل لهذا اللطف؛ كون الله سبحانه هو الضامن لهذا اللطف الذي سيناله حتماً مؤمناً بفضل الله الذي لابدَّ أن يتحقق، وليس في حسبان الشاعر أن يقبل التأويل. ولعل الدكتور الورد كان موقناً وحفياً بأقوال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ومنها قوله: " والذي نفسي بيده ما من الناس أحد يدخل الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل" (متفق عليه).

فالصورة الملائكية تتجلى لدى الشاعر، وهو ينغمر في لطائف الله الذي يتمثل بسعي العبد إلى بارئه عن طريق الدعاء والإيمان بالله من أنَّه هو صاحب الفضل من دون مِنَّةٍ على العباد. ويبدو أنَّ الشاعر يعيش منزلة اليقظة "إنَّ منزل اليقظة هو منزل التنبه والوعي وإدراك الذات، وعدم كون الإنسان من مصاديق، فالناس نيام بمعنى أنَّه يتعين علينا أن نقوم بإيقاظ أنفسنا بأنفسنا ونلقِّن أنفسنا بأننا إيقاظ ولسنا نياماً" وهكذا يعيش الورد حالات الإيمان الذي لابد أن يستمر لديه؛ ليبقى قلبه يقظاً وأنْ لايسقط في حجب الظلمات.

أما قصيدة (دعاء الأمان) فتُعَدُّ من النصوص التي توثق للشاعر ملائكيته في التهجد والدعاء والتسبيح فهو يقول:

أمان أمان - أمان أمان - أمان أمان

ربّ الحنان

ربّ الأمان

لكَ الركوعُ والخضوعُ والخشوع في الجنان

أمان أمان - أمان أمان - أمان أمان.

لك السجود والوجودُ والمكان والزمان

أمان أمان- أمان أمان- أمان أمان

أنت الهدى والمنتهى والمبتدأ والعنفوان

أمان أمان- أمان أمان- أمان أمان

ربُّ العطايا ترجو البرايا محو الخطايا هَبها الأمان.

أمان أمان- أمان أمان- أمان أمان.

القصيدة كُتبت عام 1985 م, وهذا العام هو ذروة الحرب العراقية الإيرانية، بينما الورد ذلك الإنسان التقي الذي يدعو إلى السلام من أجل الحفاظ على الأرواح من تلك الحرب التي كانت تنزل الصواريخ على منازل الناس؛ ماجعله يدعو الله أنْ يبثَّ الأمان في النفوس، فالله هو ربُّ الأمان وربُّ الحنان، فالعبادة له وحده بكل أشكالها كما أنَّ كل شيء له. ولعل الشاعر انماز في الأدعية باللغة السهلة المبسطة؛ كونها تتناغم مع ثقافة الناس الذي يدعو لهم أن تنفرج عنهم الغُمَّة التي سادت البلاد، واستفحل شرورها عليهم فراح الشاعر يردد لفظة (أمان) بعد كل سطر شعري من القصيدة، وهذا نابع من إيمانه العميق بالله سبحانه وتعالى خالق الخلق ومدبر الأمر.

نخلص أنَّ الإنسان يمكنه أن يصل إلى مرتبة الملاك حين يكرس النقاء بأفعاله وأعماله، وخلقه الحسن وعبادته الصادقة، ما يجعله يرى ذاته تتطوف في أنوار الإشراق الإلهي الذي تظلل عوالُمه المؤمنين والصديقين والأنقياء وحسن أولئك رفيقا.

***

بقلم أ.د. رحيم عبد علي الغرباوي

في المثقف اليوم