(التجربة العراقية أنموذجاً).. كتاب جديد لجمال العتابي
صدر للروائي والناقد التشكيلي العراقي الدكتور جمال العتّابي عن دار خطوط الأردنية للنشر، كتابه الجديد: "التمثلات الجمالية للحرف العربي في الفن التشكيلي المعاصر"، والذي يأخذ بالقارئ في رحلة معرفية وجمالية لاستكشاف حضور الحرف العربي في الفن التشكيلي المعاصر، بوصفه عنصراً ابداعياً تجاوز وظيفته اللغوية ليصبح لغة بصرية مستقلة. ومن خلال التركيز على التجربة العراقية، يكشف المؤلف عن التحولات الفنية والفكرية التي أسهمت في توظيف الحرف العربي داخل اللوحة التشكيلية، وما نتج عنها من رؤى وأساليب مبتكرة جمعت بين الأصالة والتجديد. يقدم الكتاب قراءة نقدية معمقة لتجارب نخبة من الفنانين العراقيين الذين جعلوا من الحرف العربي محوراً لإبداعهم الفني، مسلطاً الضوء على أبعاده الجمالية والرمزية والثقافية.
يأتي الكتاب محاولة للمؤلف بلفت انتباه الباحثين والمهتمين بالفنون البصرية والنقد الفني، ولكل من يسعى إلى فهم العلاقة بين التراث العربي والاتجاهات الفنية الحديثة. فهو ينطلق من التأكيد ان الحرف العربي تحوّل الى عنصر مهم في العمل التشكيلي، حتى أصبح ظاهرة يلجأ اليها العديد من الرسامين والنحاتين على حد سواء كصيغة أساسية في تجاربهم الفنية، واذا أردنا أن نستعرض أسماء الفنانين التشكيليين من العراقيين والعرب الذين خاضوا التجربة في توظيف الحرف العربي، فأمامنا اسماء فنانين عدّة من جيل الرواد كانوا في مقدمة من أسهم في تأصيل هذه التجربة واغنائها من قبل فناني الأجيال التالية ومنهم على سبيل المثال: جميل حمودي، شاكر حسن آل سعيد، فائق حسن، قتيبة الشيخ نوري، محمد غني حكمت، مديحة عمر، ضياء العزاوي، رافع الناصري، تركي حسين، محمد سعيد الصگار، وفنانين من جيل آخر في توظيف الحرف العربي بطاقته الجمالية والحسية، كما في تجارب جودت حسيب وضياء حسن الاعرجي، ومرتضى الجصاني.
ولغرض تأكيد مشروعية هذا الاتجاه، يلقي العتابي الضوء على الأبعاد الفنية والجمالية التي تحدد أهمية الحرف في العمل التشكيلي، والمنطلقات الفكرية والتاريخية التي أسهمت في إنتشار الظاهرة مستنتجا صعوبة النظر الى تجربة الفنانين في هذه الميدان على انها محاولات تجريب متسرعة لخلق فن عربي جديد من دون البحث في الأصول التاريخية لهذا الفن.
وفي مداخلات وتصريحات موازية لصدور الكتاب، يرى المؤلف ان التماثيل والصور في بلاد الرافدين وبلاد الشام ومصر القديمة، كانت ومنذ ظهورها قد ضمّت كتابات مسمارية أو هيروغليفية، وكانت هذه الكتابات بحسب نظامها الفني أداة جمالية لابد منها في تقويم العمل الفني وتقويمه واكماله، ومع ان هذه الكتابات كانت تحمل دلالات معنوية مفيدة، فان وجودها كان له تأثير فني مهم بطابعه الزخرفي، ثم تأكيده الطابع الابداعي في العمل الفني بما يميزه عن الأصل.
ومع أن فنون الصين واليابان والفنون البيزنطية فيما بعد، قد تبنت الحرف والكتابة في الفن التشكيلي، يرى المؤلف ان الخط العربي تمتع في الدولة العربية - الاسلامية باهتمام واسع، وأصبح الفن الأكثر تعبيرًا عن الجمالية " الإسلامية " المتمثلة في الاعمال التي زينت المنابر والأبواب، وجدران وواجهات المساجد والقصور، كما انها نقشت أو حفرت على ألواح (القاشاني)، الى جانب الزخارف على الخشب والحجر. وبلغ الفن الحروفي أوجّه في العمارة العباسية، والفن المغربي الاندلسي، وفي رسوم الأحجيات والتعاويذ والسحر والرقى.
وهكذا، فقد أصبحت الكتابة العربية من أهم العناصر الزخرفية في الفن العربي الاسلامي، بل ان بعض المخطوطات أصبحت بما حفلت به من تنميق في الخط والتلوين، قطعاً فنية كاملة يتناقلها الناس والهواة وتقتنيها المتاحف العالمية لقيمتها الفنية العالية، ثم ان المصاحف لقيمته القدسية كانت حافلة بأروع الخطوط والنقوش والألوان كمظهر للتكريم والتمييز. وكانت المخطوطات الفنية مظهراً من مظاهر قوة السلطة ورقيها الحضاري، يتجلى ذلك في اهتمام الملوك والسلاطين بهذا الفن الرفيع، ولما يتضمنه الخط الجميل من معنى فكري أو أدبي أو قدسي. شأنه في ذلك شأن الأعمال الفنية التي تعنى بالشكل والمضمون كعنصرين أساسيين لعلم الجمال. وهذا هو شأن الكتابات القرآنية والشعرية التي نفذت بخطوط نمطية جميلة، وهي ضمن هذه الحدود تدخل حيز الجمال، جمال التعبير والتنميق الذي يتطلب مهارات وقدرات عالية.
ويستنتج المؤلف ان نظرة الى الخط الجميل من خلال مفهوم الفن، يحتل الشكل المرتبة الأولى، أما المضمون فمتروك للتقويم الفكري والأدبي، وهو ينفي صفة التجريد المطلق التي استحوذت على النقش العربي، ومع ذلك فان جماعة (البعد الواحد) وخطابها: الفن يستلهم الحرف ترى أن الحرف العربي يمثل مدى عناية الفن المعاصر بالمضمون الفني كقيمة وليس كمهارة…انه (قيمة) بمعنى كونه (شكلاً - مضمونياً).
كما يرى ان مهمة الفنان إذن هي أن يتدخل في معالجة الشكل معالجة ابداعية، بحرية تمتد من مراعاة قواعد الخط إلى ممارسة التشكيل الحر. فالقيمة التي يتضمنها الحرف العربي، وهي ما نسميه بالبعد الروحي والحضاري، هو المخزون التراثي للكلام المكتوب الذي تحدث عنه الفلاسفة والصوفيون،إذ يبتدىء هذا البعد بالحرف قبل الكلمة، وللحروف جميعا أبعادها الخاصة، وبعضها ما يميزه عن الآخر : الألف، والواو، والحاء، والهاء، والميم.
ويخبرنا ايضا ان ظهور الخط العربي كعنصر فني منذ عهد بعيد في أعمال الفنانين في العالم، والعمارة الأوربية، وفي بعض الكنائس كما هو واضح في النحت البرونزي البارز على باب كنيسة القديس بطرس، ثم دخلت هذه المحاولات في صميم الاتجاهات الفنية الاوربية منذ بداية القرن الماضي، وفي مقدمة الفنانين العالميين (بول كلي) الذي حاول فعلاً تعلم الكتابة العربية، رآها سهلة نظراً لانه كان أعسراً يكتب باليد اليسرى، وترك (كلي) لوحات عديدة بعد زيارته الى تونس تضمنت كتابات عربية، بل انه يعد أول من استعمل الحرف اللاتيني في الرسم . ويأتي محمود حماد، وأدهم اسماعيل، من سورية، ووجيه نحلة، ورفيق شرف من لبنان، في مقدمة الفنانين العرب الذين وظفوا الحرف في الرسم.
وحسب الدكتور العتابي، ان هذا الاتجاه الذي ظهر غالباً في أعمال الرسامين التجريديين خلق ظروفاً مناسبة لايجاد حلول لمشكلة التجريد الحديث، واذا كان من الفنانين من استعمل الحرف اللاتيني مثل براك وبيكاسو في ملصقاتهما، فان للحرف العربي دلالات قد لا يكون لها نظير في لغات أخرى، هذه الدلالات الصوفية والرمزية كثيراً ما تحدث عنها الفلاسفة المسلمون. وللفنان شاكر حسن آل سعيد نظريته الخاصة في البعد الواحد، موضحاً ان الحرف انما يستعمل (كقيمة تشكيلية بحتة)، وليس (كبناء موضوعي مجرد)، والقصد هو الكشف هو الكشف عن أهمية الحرف (كبعد)، وليس كموضوع، ذلك ان القوام الحقيقي للحرف هو الحركة والاتجاه، فالبعد الواحد كفكرة يقصد به اتخاذ الحرف كنقطة أنطلاق للوصول الى معنى الحرف كقيمة شكلية.
وهو على العموم يعتقد ان هذا الفن يرتبط بالذائقة برباط عميق وقديم، وهو قادر أن يرتفع بها الى مستوى التشكيلات الابداعية الجميلة، التي أكدت حضورها وقبولها لما تتميز به من اسلوبية جديدة وتقنيات تجريبية حديثة، فضلاً عن ايقاعات اللون والهندسة بمستويات بصرية معبرة تجمع بين المعاصرة الفنية والتفرد الروحاني.
***
حسين الهنداوي








