عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

قاسم المحبشي: اعتراف ذاتي بعد بلوغ سن الفلسفة الأفلاطوني

ثمة مرحلة في حياة الإنسان لا يعود فيها كثير من الأشياء يثير استغرابه كما كان يحدث من قبل، ليس لأنه فقد القدرة على الدهشة، وإنما لأنه أصبح أكثر قدرة على الفهم والتفسير. في هذه المرحلة لا تتوقف الأسئلة، بل تتغير طبيعتها؛ فلا يعود السؤال مقتصراً على: لماذا تصرف فلان بهذه الطريقة؟ بل يمتد إلى: ما الذي دفعه إلى هذا التصرف؟ وما الشروط النفسية والاجتماعية والثقافية والتاريخية التي أنتجت موقفه؟ وأي حاجات ودوافع ومصالح وتمثلات تختبئ خلف ما يبدو لنا سلوكاً عفوياً أو غريباً؟

هذا ما شعرت به منذ بلوغي سن الفلسفة الأفلاطوني، وها أنا أعترف لأول مرة في حياتي بأنني لم أعد أتحير بالقدر نفسه أمام ردود أفعال الأشخاص ومواقفهم وسلوكياتهم، سواء أكانوا ممن أعرفهم في العالم الواقعي أم ممن التقيت بهم في العالم الافتراضي، على اختلاف مشاربهم ومستوياتهم الاجتماعية والثقافية. لم أعد أتعامل مع السلوك الإنساني باعتباره مفاجأة منفصلة عن سياقها، بل صرت أميل إلى رده إلى شبكة من العوامل والمستويات التي يمكن من خلالها فهمه وتفسيره.

ولعلني أستعير هنا تعبير السن الأفلاطوني؛ فقد جعل أفلاطون في جمهوريته بلوغ الخمسين مرحلة متقدمة في مسار إعداد الفيلسوف الحاكم، بعد رحلة طويلة من التربية والتعليم والاختبار والتجربة. أما الأربعون، فقد درجت الثقافة العربية الإسلامية على ربطها بسن النبوة، استناداً إلى ما هو معروف في السيرة النبوية. وبين السن النبوية والسن الأفلاطونية مساحة واسعة من التأمل في النضج الإنساني واكتمال التجربة.

لكن بلوغ السن الأفلاطوني لا يعني بالضرورة أن الإنسان أصبح فيلسوفاً، كما أن بلوغ الأربعين لا يجعل المرء نبياً. إنها أعمار رمزية يمكن أن نستدعيها للتعبير عن انتقال الإنسان من مرحلة إلى أخرى في مسار الوعي والخبرة. والفلسفة، في تقديري، ليست مهنة ولا لقباً أكاديمياً، بل قدرة متجددة على مساءلة المألوف، وفهم الذات والآخر، وتجاوز الأحكام السريعة، وإعادة النظر فيما نظنه حقائق نهائية.

لقد احتجت إلى نحو نصف قرن من التعلم والتراكم المعرفي والتجربة الإنسانية حتى أتمكن من خضّ المعارف التي تراكمت في رأسي، وإعادة ترتيبها في نسق تفسيري متكامل. فمنذ الصف الأول الابتدائي، مروراً بالدراسة الجامعية في الفلسفة وعلم الاجتماع بجامعة عدن، والماجستير في الفلسفة الوجودية، والدكتوراه في فلسفة التاريخ والحضارة بجامعة بغداد، وصولاً إلى الأستاذية الأكاديمية، وما صاحب ذلك من قراءات وبحوث واحتكاك بالناس ومؤسسات المجتمع وتحولات التاريخ، وجدت نفسي أمام حصيلة معرفية لا تكمن قيمتها في كثرة المعلومات، بل في القدرة على الربط بينها واستعمالها في فهم الحياة.

لقد أدركت أن المعرفة التي لا تتحول إلى قدرة على الفهم تظل عبئاً على الذاكرة، وأن امتلاك الشهادات والألقاب العلمية لا يكفي لصناعة عقل فلسفي. فالمسألة ليست كم كتاباً قرأنا، ولا كم نظرية حفظنا، بل ماذا أصبحنا قادرين على فهمه بفضل ما قرأناه وعشناه؟

أولاً: الإنسان كائن متعدد المستويات

من أكثر ما ساعدني على فهم السلوك الإنساني أنني صرت أنظر إلى الإنسان من خلال مستويات متداخلة، لا يمكن اختزال أحدها في الآخر.

هناك المستوى الفيزيائي؛ فالإنسان، مثل سائر الموجودات المادية، يخضع لقوانين الطبيعة والفيزياء. وهناك المستوى الكيميائي؛ إذ تتكون أجسادنا من عناصر ومركبات وتفاعلات كيميائية لا يمكن للحياة أن تستمر من دونها. ثم يأتي المستوى البيولوجي، حيث يخضع الإنسان لقوانين الحياة، بما تتضمنه من وظائف حيوية وأعضاء وأجهزة وعمليات فسيولوجية.

لكن الإنسان لا يتوقف عند هذه المستويات. فهو كائن نفسي واجتماعي وثقافي وتاريخي، يحمل ذاكرة ومشاعر ورغبات ومعتقدات ورموزاً وقِيماً، ويعيش داخل شبكة من العلاقات والمؤسسات والمعاني.

ومن هنا لا يمكن فهم الإنسان فهماً مكتملاً إذا عزلنا جسده عن نفسيته، أو نفسيته عن مجتمعه، أو مجتمعه عن تاريخه وثقافته.

إننا نحتاج إلى العلوم الطبيعية والبيولوجية لفهم شروط وجوده الجسدي، وإلى علم النفس لفهم دوافعه وانفعالاته وعملياته العقلية، وإلى علم الاجتماع والأنثروبولوجيا لفهم علاقاته وبناه ومؤسساته، وإلى الفلسفة لفحص المعاني والقيم والافتراضات التي توجه حياته وتحدد رؤيته للعالم.

وهذه المستويات ليست جزرًا منفصلة، بل تتفاعل باستمرار. فالجوع، مثلاً، حاجة بيولوجية، لكنه قد يتحول اجتماعياً إلى مشكلة تتصل بالفقر والطبقة والعدالة وتوزيع الثروة، وقد يصبح سياسياً أداة للصراع أو السيطرة، وفلسفياً سؤالاً عن الحق والكرامة والعدالة الإنسانية.

وهكذا يمكن للظاهرة الواحدة أن تكون موضوعاً لعلوم متعددة، تختلف في مناهجها، لكنها تتكامل في موضوعها الإنساني.

ثانياً: من الحاجات الأساسية إلى تحقيق الذات

ومن المداخل التي ساعدتني على فهم السلوك الإنساني نظرية الحاجات عند عالم النفس الأمريكي أبراهام ماسلو، ولا سيما تصوره المعروف بهرم الحاجات.

فالإنسان، مهما بلغت مكانته العلمية أو الدينية أو الاجتماعية، يظل كائناً حياً له حاجات أساسية لا يستطيع تجاوز شروطها البيولوجية. وتتمثل هذه الحاجات في مستويات متداخلة:

الحاجات الفسيولوجية، مثل الطعام والشراب والنوم وتجنب الألم والحاجات الجنسية، وهي شروط البقاء البيولوجي.

ثم حاجات الأمان والاستقرار والحماية، وما يتصل بها من الخوف من المجهول والفوضى وفقدان السيطرة والتهديد.

ثم حاجات الحب والانتماء، بما تتضمنه من الرغبة في العلاقات الإنسانية والصداقة والأسرة والجماعة والشعور بالقبول الاجتماعي.

وبعدها حاجات التقدير، سواء تعلق الأمر باحترام الإنسان لذاته وإحساسه بقيمته، أم بحاجته إلى اعتراف الآخرين به وتقديرهم لإنجازاته ومكانته.

ثم تأتي حاجات تحقيق الذات، حيث يسعى الإنسان إلى استثمار قدراته ومواهبه وإمكاناته، وصولاً إلى مستويات أعلى من الإبداع والمعرفة والبحث عن الحقيقة والجمال والعدل والمعنى.

وقد ميز ماسلو أيضاً بين الحب الناشئ عن النقص، الذي يبحث فيه الإنسان عن الآخر لإشباع حاجاته، وحب الكينونة، الذي يتعامل فيه مع الآخر بوصفه وجوداً مستقلاً يستحق الحب لذاته، لا باعتباره وسيلة لتحقيق مصالحه الشخصية.

وما يهمني هنا ليس التعامل مع هرم ماسلو بوصفه قانوناً جامداً أو ترتيباً إلزامياً تمر به جميع الشخصيات بالطريقة نفسها؛ فالحاجات الإنسانية قد تتداخل، وقد يسعى الإنسان إلى الحقيقة أو التضحية من أجل الآخرين حتى في ظروف الحرمان والخطر. وإنما تكمن قيمة النظرية في مساعدتنا على فهم جانب مهم من دوافع البشر وسلوكهم.

كم من خلاف نظنه خلافاً فكرياً أو أخلاقياً، بينما تختبئ وراءه حاجة إلى التقدير أو الخوف من فقدان المكانة؟ وكم من موقف عدائي يبدو دفاعاً عن مبدأ، بينما تحركه في العمق حاجة إلى الأمان أو الانتماء أو السيطرة؟ وكم من إنسان يبالغ في طلب الاعتراف الخارجي لأنه لم ينجح بعد في بناء احترامه الداخلي لذاته؟

إن فهم هذه الدوافع لا يعني تبرير السلوك الخاطئ، لكنه يساعدنا على تفسيره، والتمييز بين الفعل ودوافعه، وبين المسؤولية الأخلاقية والشروط التي أسهمت في إنتاجه.

ثالثاً: من الفاعل إلى الفعل، ومن العلاقة إلى البنية

أما المستوى الذي أجد فيه متعة خاصة في قراءة الحياة الاجتماعية، فهو النظر إلى المجتمع من خلال أربعة أنساق مترابطة: الفاعل، والفعل، والعلاقة، والبنية.

لا يوجد فعل اجتماعي من دون فاعل، ولا تتحول الأفعال إلى ظواهر اجتماعية إلا عندما تدخل في شبكة من التفاعلات والعلاقات بين الأفراد والجماعات. وحين تتكرر العلاقات وتستقر أنماطها وتتكون حولها قواعد وتوقعات وأدوار، تنشأ البنى والمؤسسات الاجتماعية.

خذ الأسرة مثالاً. فالأسرة ليست مجرد وجود أفراد تحت سقف واحد، بل هي بنية من علاقات القرابة والرعاية والتنشئة والمسؤولية، نشأت تاريخياً وتطورت أشكالها ووظائفها عبر المجتمعات الإنسانية.

والتعليم كذلك. يبدأ بفعل تعليمي بين معلم ومتعلم، ويتحول بتكرار الممارسة وتنظيمها إلى علاقة تعليمية، ثم إلى بنية مؤسسية تتمثل في الروضة والمدرسة والجامعة. وهذه المؤسسات لا تستمر بمجرد وجود المباني واللوائح، بل باستمرار الفاعلين الاجتماعيين وممارستهم للأدوار والعلاقات التي تمنحها الحياة.

والأمر نفسه ينطبق على المؤسسات الدينية والقضائية والسياسية والفنية. فالدين يتجسد اجتماعياً في أفعال العبادة والممارسات والطقوس والعلاقات والمؤسسات التي تنتظم حولها. والعدالة لا تتحقق بمجرد بناء المحاكم، وإنما باستمرار التقاضي والاحتكام إلى القانون وممارسة الأدوار القضائية. والمؤسسة السياسية لا تستمد وجودها من الدستور وحده، بل من الفاعلين الذين يلتزمون بقواعده ويمارسون وظائفها.

وهنا تبرز أهمية النظريات الاجتماعية التي درست العلاقة بين الفاعل والبنية، وإن اختلفت في تفسير طبيعة هذه العلاقة.

لقد تعلمنا من كارل ماركس أهمية الشروط المادية وعلاقات الإنتاج والصراع الاجتماعي في تفسير التاريخ. ومن ماكس فيبر أهمية الفعل الاجتماعي ومعانيه ودوافعه الذاتية. ومن ابن خلدون مركزية العصبية والعمران في فهم نشوء الدول وتحولاتها. ومن إميل دوركهايم أهمية الوقائع الاجتماعية والمؤسسات في تشكيل سلوك الأفراد. ومن جورج هربرت ميد أهمية التفاعل والرموز في بناء الذات الاجتماعية. ومن جان بياجيه إسهام التفاعل بين الذات والبيئة في بناء المعرفة، ومن بيير بورديو العلاقة بين الهابيتوس والحقل والرأسمال الاجتماعي والثقافي في تفسير الممارسات وإعادة إنتاج البنى الاجتماعية.

ليست هذه النظريات متطابقة، ولا يمكن جمعها في نظرية واحدة دون تحفظ، لكنها تمنحنا مداخل متعددة لفهم الظاهرة الإنسانية.

وما أستخلصه من هذا التعدد أن المجتمع ليس شيئاً جامداً قائماً خلف الأفراد، كما أن الأفراد ليسوا ذرات مستقلة عن المجتمع. إنهم يصنعون علاقاتهم وبناهم ومؤسساتهم، ثم تعود هذه البنى لتؤثر في سلوكهم وتوجه اختياراتهم وتحدد فرصهم وحدود حركتهم.

رابعاً: المجتمع بين الثبات والتحول

المجتمع ليس نقطة متجمدة في التاريخ، وإنما عملية مستمرة من الحركة والتحول وإعادة الإنتاج. وقد ميز أوغست كونت في علم الاجتماع بين الاستاتيكا الاجتماعية، التي تهتم بشروط النظام والاستقرار، والديناميكا الاجتماعية، التي تدرس الحركة والتطور والتحول.

وهذا التمييز يساعدنا على فهم مفارقة الحياة الاجتماعية: كيف تستمر المؤسسات رغم تغير الأفراد؟ وكيف تتغير المجتمعات مع احتفاظها ببعض عناصر الاستمرار؟

إن الأسرة تتغير، والمدرسة تتغير، والدولة تتغير، والدين يتغير في أشكال ممارسته الاجتماعية، والثقافة تتغير في رموزها وقيمها وتمثلاتها. لكن بعض البنى تستمر لأنها تعيد تنظيم نفسها وتستوعب فاعلين جدداً وعلاقات جديدة.

ومن هنا فإن فهم أي ظاهرة اجتماعية يتطلب النظر إليها في سياقها التاريخي والثقافي، لا باعتبارها صورة ثابتة خارج الزمن.

كما أن الإنسان لا يتفق مع جميع الناس في كل شيء، ولا يختلف معهم في كل شيء. فهو يشترك مع بعضهم في خصائص بيولوجية عامة، ومع آخرين في أنماط نفسية وسلوكية، ومع مجموعات أخرى في اللغة والعادات والقيم والانتماءات والمصالح. وهذه المساحات المتقاطعة من الاتفاق والاختلاف هي التي تجعل التعددية الإنسانية حقيقة أساسية لا يمكن اختزالها في هوية واحدة.

إن التعددية الثقافية ليست مشكلة ينبغي التخلص منها، بل معطى إنساني وحضاري ينبغي فهمه وإدارته. فليس مطلوباً أن يصبح الناس نسخاً متشابهة حتى يستطيعوا العيش معاً، بل أن يتعلموا كيف يختلفون دون أن يتحول اختلافهم إلى عداء.

خامساً: الثقافة ما يبقى بعد نسيان كل شيء

إذا كان العلم يمنحنا المعرفة المتخصصة، فإن الثقافة تمنحنا القدرة على توظيف المعرفة في الحياة، وربطها بالخبرة والحكم والفهم.

ولذلك أجدني أميل إلى تعريف الثقافة باعتبارها ما يبقى في الإنسان بعد أن ينسى كثيراً مما تعلمه، لا بمعنى أن المعلومات تفقد قيمتها، بل بمعنى أن المعرفة الحقيقية تتحول إلى استعدادات ذهنية وأخلاقية وسلوكية تصبح جزءاً من تكوين الشخصية.

وهنا تحضرني فكرة الهابيتوس عند بيير بورديو؛ أي منظومة الاستعدادات المكتسبة التي تتشكل من خلال التربية والتنشئة والممارسة الاجتماعية، وتؤثر في طريقة تفكير الإنسان وإدراكه للعالم وتصرفه فيه.

فالثقافة ليست ما نضعه في الذاكرة من معلومات فحسب، وإنما ما يتحول إلى طريقة في النظر والحكم والتصرف. وقد يكون الإنسان حاصلاً على أعلى الشهادات العلمية، لكنه يظل أسير عقلية مغلقة إذا لم تتحول معارفه إلى قدرة على النقد والتجرد واحترام الاختلاف.

ومن هنا أميز بين أربع وظائف أساسية للثقافة:

أولها التهيؤ والتنمية؛ أي إعداد الإنسان وتنمية مختلف ملكاته وقدراته، لا حصر التربية في مهارة واحدة أو تخصص ضيق. فالإنسان يمتلك إمكانات عقلية ولغوية واجتماعية ووجدانية وفنية وحركية متعددة، وتتمثل وظيفة التربية في اكتشافها وإتاحة الفرصة لنموها.

وثانيها الاستيعاب؛ فالمعرفة لا تصبح ثقافة إلا عندما يستوعبها الإنسان ويعيد بناءها في ذهنه ولغته وخبرته، ويصبح قادراً على استعمالها في مواجهة مواقف الحياة ومشكلاتها.

وثالثها الشمول؛ أي القدرة على الربط بين المعارف والموضوعات التي تبدو متباعدة، والنظر إليها في إطار كلي متماسك بدلاً من التعامل معها باعتبارها جزرًا معزولة.

ورابعها الحكم؛ أي تنمية القدرة على التمييز والتجريد والتقييم وإصدار الأحكام العقلانية والأخلاقية. فالعلم يمنحنا أدوات المعرفة، لكن الثقافة تساعدنا على تحديد كيفية استعمالها والغايات التي ينبغي أن تخدمها.

ولذلك لا أرى أن وظيفة الجامعة تقتصر على منح الطلاب المعلومات والشهادات، وإنما تتمثل وظيفتها الأعمق في تحرير قدراتهم على التفكير والفهم والإبداع، وتمكينهم من استخدام ما تعلموه في معالجة المشكلات الجديدة. الجامعة الجيدة لا تنتج حافظين للمعلومات بقدر ما تنتج عقولاً مستقلة قادرة على مساءلتها وإعادة توظيفها.

سادساً: لماذا لم يتحول العلم إلى ثقافة في مجتمعاتنا؟

هنا أصل إلى السؤال الذي يشغلني منذ سنوات: لماذا لم يتحول العلم والتعليم في كثير من مجتمعاتنا العربية والإسلامية إلى ثقافة اجتماعية راسخة، رغم كثرة المدارس والجامعات والمؤسسات التعليمية وتراكم الشهادات والألقاب الأكاديمية؟

كيف يمكن لمجتمع أن يتوسع في التعليم، بينما لا تتوسع فيه بالقدر نفسه قيم التفكير النقدي واحترام الحقيقة وقبول الاختلاف والاحتكام إلى العقل؟ وكيف يمكن أن تتخرج أجيال من الجامعات، ثم تظل أسيرة التلقين والتعصب والخرافة والولاءات الضيقة؟

أعتقد أن الإجابة لا تكمن في عامل واحد، بل في شبكة من العوامل التاريخية والاجتماعية والسياسية والثقافية والتربوية. فالتعليم الذي يقوم على التلقين، ويكافئ الحفظ أكثر من الفهم، ويعاقب السؤال بدلاً من تشجيعه، لا يستطيع أن ينتج عقلاً نقدياً حراً. والجامعة التي لا تتمتع بالاستقلال الأكاديمي، ولا تحمي حرية البحث والتعبير، لا تستطيع أن تؤدي رسالتها التنويرية كاملة.

ومن بين الأسباب الجوهرية التي أرى ضرورة الالتفات إليها غياب التربية الفلسفية عن المراحل التعليمية الأولى، أو حضورها المحدود في بعض المناهج. فالطفل الذي لا يتعلم كيف يسأل، وكيف يشك في المسلمات، وكيف يقدم الأسباب والحجج، وكيف يحترم اختلاف الآخرين، يصعب أن يتحول في مراحل عمره اللاحقة إلى إنسان مستقل التفكير.

إن تدريس الفلسفة للأطفال لا يعني تحويلهم إلى متخصصين في المذاهب الفلسفية، وإنما تدريبهم على التفكير والحوار والاستدلال والتمييز بين الرأي والحقيقة، وبين الاعتقاد والدليل، وبين الاختلاف والعداء.

الفلسفة ليست ترفاً تعليمياً، بل تربية على الحرية والمسؤولية. وهي ليست بديلاً عن العلوم، وإنما أفق نقدي يساعد على فهمها ومساءلة مناهجها وحدودها وغاياتها.

ولعلنا نحتاج اليوم إلى إعادة التفكير في وظيفة التعليم برمتها: هل نريد مؤسسات تمنح الشهادات، أم مؤسسات تصنع الإنسان القادر على التفكير؟ هل نريد متعلمين يعرفون الإجابات الجاهزة، أم عقولاً تمتلك شجاعة طرح الأسئلة الجديدة؟

إن المجتمعات لا تتقدم بمجرد تراكم المعلومات، بل بتحول المعرفة إلى ممارسة، والممارسة المتكررة إلى عادة، والعادة المستقرة إلى ثقافة، والثقافة إلى قوة اجتماعية قادرة على إعادة بناء الواقع.

وأخيراً، هذه خلاصة رحلة طويلة في دراسة الفلسفة والعلوم الإنسانية والاجتماعية، وفي معايشة الحياة وقراءة البشر وتحولاتهم: لم أعد أكتفي بظاهر السلوك، بل أبحث عما وراءه من حاجات ودوافع ومصالح وخلفيات ثقافية وتاريخية، وعلاقات وبنى اجتماعية تشكّل مساراته. لا أدّعي امتلاك مفتاح لفهم الإنسان؛ فهو عالم معقد، وكل نظرية تكشف جانباً وتترك جوانب أخرى. لكنني تعلمت أن أتريث قبل الحكم، وأن أبحث عن الأسباب والسياقات، وأن أميز بين فهم الفعل وتبريره، وبين نقد الإنسان وخصومته. في سن الفلسفة لا تنطفئ الدهشة، بل تتعمق؛ فننتقل من التعجب من سلوك البشر إلى محاولة فهم القوانين والعلاقات التي تحكمه. لقد تعلمت أن أفهم قبل أن أحكم، وأن أختلف دون أن أعادي، وأن أنقد دون أن أفقد إنسانيتي. تلك هي الفلسفة: تواضع العقل، وتكامل المعرفة، وحرية السؤال.

***

د. عدنان عويّد

في المثقف اليوم