"ما ضرك لو أطفأ هذا العالم أضواءه كلّها في وجهك ما دام النور في قلبك متوهجاً".. جلال الدين الرّومي
شغلت وسائل التواصل الاجتماعي منذ عدة أيام بصورة الكاتب الجزائريّ التبّسيّ حامد ياسين (1) وهو يبكي بحرقةٍ ولوعةٍ في بهو القاعة المخصّصة لتوقيع كتابه الجديد الموسوم بـ «الصحراء عاصمة الضباب»، وهو عملٌ يتناول فيه قضايا اجتماعيّةً وثقافيّةً وتربويّةً، ولا سيّما قضايا الثقافة والتربية والتعليم. وكان الكاتب، كما يبدو في المشهد، يتوقّع حضورًا كبيرًا للمهتمّين بالثقافة والفكر في هذه القاعة للاحتفاء بإنتاجه الفكريّ الجديد، ولكنّ الكاتب لم يجد في قاعة التوقيع إلّا صديقًا واحدًا يقف إلى جانبه ليرفع معه بعضًا من الهمّ والحزن. وعلينا أن نتخيّل درجة الإحساس بالبؤس والشقاء الإنسانيّ والوجع الوجدانيّ الذي أصاب مقتلًا في قلب الكاتب وعقله، وقد قضى ربّما سنواتٍ طوالًا وهو يعيش كدحًا بين ركام الكتب وأكوام الورق ليؤسّس فكرًا ويبني معرفةً ويؤلّف كتابًا اعتقد أنّه سيكون له صداه الفكريّ والمعرفيّ بين القرّاء والمفكّرين. ربّما كان الكاتب يحلم بلحظةٍ جميلةٍ تضجّ فيها القاعة بالحضور؛ ولكنّه، مع الأسف، لم يجد في انتظاره إلّا الفراغ والكراسي الممدّدة أمامه في صمتٍ وجوديٍّ. فلا جمهور يحيّيه، ولا أكفٌّ تصفّق له، ولم يكن هناك سوى الصمت والسكون والجمود والفراغ. ولعلّ الأمر الأشدّ إيلامًا في هذا المشهد أنّ دموع الكاتب لم تكن، وفقًا لما نُقل عن تصريحاته، وليدة خيبةٍ عابرةٍ أمام مقاعد خاليةٍ، بل كانت تعبيرًا عن سنواتٍ من المكابدة الثقافيّة والشعور بالتهميش وغياب المساندة. وهكذا تحوّلت لحظةٌ شخصيّةٌ من الانكسار الوجدانيّ إلى مشهدٍ رمزيٍّ كثيف الدلالات، يطرح أسئلةً موجعةً عن منزلة الكاتب في مجتمعاتنا، وعن المسافة التي تفصل بين الإبداع الفكريّ والتقدير الاجتماعيّ، وعن المصير الذي ينتظر الثقافة حين يجد المبدع نفسه وحيدًا في مواجهة الصمت واللامبالاة.
والآن دعنا نتأمّل هذه الوضعيّة من زاويةٍ أخرى، ونتأمّل في المشهد من جديدٍ، ونتصوّر معًا أنّ هذا الحفل قد أُقيم لراقصةٍ مغمورةٍ، أو كان حفلًا غنائيًّا لأحد المطربين. لنتصوّر كم كان سيكون عدد الحضور، وعواصف التصفيق، والزحام الذي يقطع الأنفاس.
وهذه الصورة التراجيديّة لوضعيّة الكاتب والإنتاج الفكريّ تجسّد وضعيّة الفكر والثقافة التي تسود وتهيمن في عالم العولمة وما بعد الحداثة، إذ تسود ثقافة اللذّة والرغبة والهيمنة اللذّويّة التي أصبحت الغذاء الروحيّ للجماهير والناس. نعم، لقد أصبحت الثقافة الحقيقيّة غريبةً في زمننا هذا، منبوذةً قصيّةً، ولم يقف الأمر عند هذا الحدّ؛ لقد أصبح الإنسان المعاصر عدوًّا للثقافة الإنسانيّة وخصمًا للفكر. فاللذّويّة تنتصر، والبعد الإنسانيّ في الثقافة يُهزَم؛ إنّها في حقيقة الأمر هزيمة الروح ونكوص العرفان في عالمٍ لا يعرف اليوم سوى ثقافة اللذّة والمتعة والوهم والخرافات الأسطوريّة التي أطبقت على عقل الإنسان وقلبه. نعم، هذا هو وضع الثقافة المضادّة للإنسان والإنسانيّة في زمن العولمة وما بعد الحداثة. وهذه الحادثة تذكّرنا بحادثةٍ أخرى مشهورةٍ في سوريا في ثمانينات القرن الماضي، إذ دلّت إحصائيّات وزارة الثقافة وميزانيّتها في إحدى السنوات على أنّ حصّة راقصةٍ واحدةٍ لرقصةٍ في حفلة سمرٍ كانت أكبر من جميع المكافآت الماليّة المخصّصة للكتّاب والمؤلّفين والمفكّرين في الميزانيّة الكلّيّة لعامٍ واحدٍ.
والأمر ليس بعيدًا جدًّا، ففي الأمس القريب جاءت المطربة السوريّة أصالة نصري تغنّي في بلدٍ مشؤومٍ مضروبٍ مثقوبٍ يعاني من الويلات والجوع والخطف، لتجد أنّ آلاف الناس من أصحاب الياقات البيضاء ينتظرون بلهفة قدومها المظفّر، وقد حضروا ببذلاتهم البرّاقة وعطورهم الفوّاحة، يرقصون ويصفّقون على أجساد الجوعى والمخطوفين والمعذّبين والمقهورين في خيام اللجوء تحت وابل المطر والخوف والجنون. نعم، هذه هي ثقافة المتعة واللذّة التي لا تبالي بالوجع الإنسانيّ، وتلك التي لا تأبه لعذابات الروح وآلام الإنسان المقهور المغدور. لقد أصبحت الثقافة الحقيقيّة التي تغذّي أرواح الناس غائبةً، وتركت المساحة الكبرى لثقافة الغرائز الوحشيّة والنزعات الساديّة الراقصة على أوجاع الناس وهمومهم وشقائهم. والمثقّفون المطاطون اليوم – كما هي عادتهم – لا يأبهون بأوجاع الخلق والبشر، بل تركوا مواقعهم الإنسانيّة واتّخذوا لهم مواقع الانتصار للقبح والساديّة والمرض والجنون في عالمٍ أصبح باللذّة والساديّة مقهورًا مجنونًا. والفكر الإنسانيّ أصبح غائبًا خائبًا مرذولًا مهزومًا مأزومًا. ومع ذلك، لا أريد أن ألوم الناس وحدهم؛ فحين تغيب ثقافة القراءة، فالمسؤوليّة مسؤوليّة مجتمعٍ ومؤسّساتٍ ومدارسَ لم تجعل من الكتاب رفيقًا للحياة.
وهذه الحادثة المؤلمة ترافقت اليوم مع مشهدٍ ثقافيٍّ آخر مضادٍّ يتمّ فيه تكريم العلماء والمفكّرين، وقد أخذ صداه في وسائل الإعلام، إذ يتمثّل في قرارٍ ثقافيٍّ صينيٍّ يحظر وضع صور الفنّانين والمشهورين في شوارع الصين وساحاتها واستبدالها بصور العلماء والمفكّرين والمبدعين. والهدف تنشئة أجيالٍ تؤمن بالعلم بين الأطفال والناشئة والشباب والمجتمع، وهكذا تتقدّم الشعوب بعلمها وعلمائها ومفكّريها، وتسقط الأمم بسقوطهم.
وأخيرًا، إلى الروائيّ والكاتب الجميل حامد ياسين نقول له مع القائلين: لا تدع الكراسي الفارغة تنال من عزيمتك، وإذا كان عملك الفائق لم يلقَ التبجيل المناسب، فكن على يقينٍ بأنّ كتابك سيجد غايته غدًا في قلوبٍ متفتّحةٍ وعقولٍ تفتح لك أبوابها. أمّا نحن وهم، فعلينا جميعًا أن يأخذنا الخجل والأسى من مشهدٍ صاعقٍ في زمنٍ مؤلمٍ حارقٍ يضطرّ فيه الكاتب إلى البكاء كي نلتفت إليه. وإنّنا لعلى يقينٍ بأنّ المجتمعَ الذي لم يعرف كيف يحتضن مبدعيه ومفكّريه ليس جديرًا بأن يحظى باحترام الشعوب والأمم.
ونذكّرك، يا صديقي، بأنّ المصائب تهون، وإن كانت القاعة خاليةً من المشجّعين والمحتفين، فتأسَّ، يا صديقي، فحسبُك أنّ كتبك لم تُحرَق كما أُحرقت كتب ابن رشد، وقد رُوي عنه أنّ صاحبه بكى حين شاهد الكتب تلتهمها النيران؛ فسأله ابن رشد: لِمَ تبكي يا صديقي؟ فقال: وكيف لا أبكي وكتبك تُحرَق أمام ناظريّ؟ فنظر إليه ابن رشد نظرةً تشوبها ابتسامةٌ متفائلةٌ، قائلًا: «يا صديقي، إذا كنت تبكي على الكتب، فللكتب أجنحةٌ تطير بها وتبلغ غاياتها، أمّا إذا كنت تبكي على بؤس هذه الأمّة، فلن تكفيك البحار دموعًا». وقد طارت كتب ابن رشد إلى غاياتها في أوروبا، وانتشرت الرُّشديّة التي أسهمت في التمهيد للنهضة والتنوير الأوروبيَّين، وما زلنا نحن نبكي وننتحب، وفي البحار متّسعٌ لدموعنا وأحزاننا. فلا تبكِ، يا صديقي، ولا تقهر نفسك؛ فالكتب التي تحمل فكرًا أصيلًا قد تتأخّر في الوصول إلى قرّائها، ولكنّها لا تفقد أجنحتها، ولا تموت أحلامها.
يا صديقي : كثر هم الكتاب الذين شعروا بالإخفاق وخيبة الأمل بعضهم اعتزل وبعضهم انتحر وبعضهم أحرق كتبه كما فعل أبو حيّان التوحيديّ كتبه في أواخر عمره من قبل وكان مدفوعًا إلى هذا الأمر بمرارة الفقر والتهميش وخيبة الأمل في الناس؛ ومن أكثر عباراته كشفًا عن مرارته: قوله : كيف أتركها لأناس جاورتهم عشرين سنة فما صحّ لي منهم وداد ومع ذلك بقي اسم التوحدي وفكره علامة في تاريخ الثقافة والفكر(3).
وخير ما نختتم به هذا التأمل الثقافي قول مأثور للكاتب الروسي أنطون تشيخوف عندما سئل عن طبيعة المجتمعات الفاشلة، فأجاب: " في المجتمعات الفاشلة، يوجد ألف أحمق مقابل كل عقل راجح، وألف كلمة خرقاء إزاء كل كلمة واعية. تظل الغالبية بلهاء دائمًا، وتغلب العاقل باستمرار. فإذا رأيت الموضوعات التافهة تتصدر النقاشات في أحد المجتمعات، ويتصدر التافهون المشهد، فأنت تتحدث عن مجتمع فاشل جدًا " (1).. " فالأغاني والكلمات والرقصات التي لا معنى لها تجد ملايين الناس يرقصون ويرددونها، ويصبح صاحب الأغنية مشهورًا ومعروفًا ومحبوبًا. بل حتى الناس يأخذون رأيهم في شؤون المجتمع والحياة. أما الكتاب والمؤلفون، فلا أحد يعرفهم ولا أحد يعطيهم قيمة أو وزنًا. معظم الناس يحبون التفاهة والتخدير. شخص يخدرنا ليغيّب عقولنا عنا، وشخص يضحكنا بالتفاهات، أفضل من شخص يوقظنا للواقع ويؤلمنا بالقول الحق. ولذلك فإن الديمقراطية لا تصلح للمجتمعات الجاهلة، لأن الأغلبية الجاهلة هي التي ستقرر مصيرك " (1).
وأخيرا علينا التيمن بأمثولة إميل سيوران الذي نسب إليه أنه قال " فشلنا في خلق إنسان يفكر فلم يتكون لدينا شعب بل تكون لدينا جمهور يصفق مرة ويلعن مرة لكنه لا يفكر لا يفكر أبدا "
***
علي أسعد وطفة
كلية التربية – جامعة الكويت
.....................
هوامش المقالة ومراجع:
(1) حامد ياسين كاتب وروائيّ جزائريّ، وُلد عام 1973 بمدينة بئر العاتر بولاية تبسّة. تتناول أعماله قضايا المجتمع والتاريخ والثقافة، ومن أبرزها «أبناء القمر»، التي ترصد تحوّلات المجتمع الجزائريّ بالسرد على ألسنة الحيوانات، و«سفيرة من الريف»، التي تتناول معاناة المرأة الريفيّة ودورها في ثورة التحرير، و«الصحراء عاصمة الضباب»، التي تعالج قضايا اجتماعيّة وثقافيّة وسياسيّة في العالم العربيّ. وقد حظيت روايته «أبناء القمر» بدراسة نقديّة أكاديميّة نُشرت سنة 2022.
(2) نقلا حرفيا عن مقال بعنوان (واقعنا الذي نعيشه) صحيفة صحيفة عدن سيتي. انظر الرابطة
https://www.aden-city.net/news/93225?utm_source=chatgpt.com
(3) - وقعت حادثة إحراق أبي حيّان التوحيديّ لكتبه في أواخر حياته، وأهمّ ما يشرحها رسالةٌ بعث بها إلى القاضي أبي سهل عليّ بن محمّد بعدما عاتبه على فعلته، وقد حفظها ياقوت الحمويّ في معجم الأدباء. والرسالة مؤرّخة برمضان سنة 400هـ، نحو 1010م؛ وهذا تاريخ الرسالة، وليس بالضرورة التاريخ الدقيق للإحراق. انظر : محمد الصيّاد، «لماذا أحرقت السلطة كتب ابن حزم والغزالي وابن رشد؟.. تعرّف على صراع المعرفة مع أنظمة الاستبداد في تاريخنا» (الجزيرة نت، آخر تحديث: 14 يناير 2025)، https://www.aljazeera.net/turath/2021/8/3/صراع-المعرفة-مع-الطغاة-والغزاة-في (تاريخ الاطّلاع: 3 نوفمبر 2026).
أمّا بقاء عدد من مؤلّفاته، فتفسّره نسخ كانت قد خرجت إلى أيدي الناس قبل الإتلاف. لذلك ينبغي الاحتراز من عبارة «أحرق جميع كتبه» إذا فُهم منها أنّه قضى على كلّ نسخ مؤلّفاته؛ كما لا نملك قائمة دقيقة بما ضاع في تلك الحادثة. انظر : أبو حيّان التوحيديّ، «رسالة من أبي حيان التوحيدي إلى القاضي أبي سهل علي بن محمد في أمر حرق وغسل كتبه» الأنطولوجيا، 20 يوليو 2016، https://alantologia.com/blogs/4283/ تاريخ الاطّلاع: 3 نوفمبر 2026.








