مقاربة نقدية إبستمولوجية نسوية
مقدمة: كثيرة هي قضايا الزواج الإسلامي التي ينبغي مراجعتها والنظر اليها من زاوية مختلفة، منها مسألة نشوز الزوجة. فلا تكمن الإشكالية في النشوز في الأحكام التي رتّبها الفقهاء على سلوك الزوجة فحسب، بل في البنية المعرفية التي جعلت هذا المفهوم يتشكّل على نحو يضع المرأة في موقع الخاضع للمساءلة عن مدى استجابتها للحقوق الزوجية، ويمنح الزوج، موقع صاحب الحق الذي تُقاس استجابة الزوجة إليه بمعيار الطاعة والتمكين.
فحين تُوصف الزوجة بالناشز بسبب امتناعها عن المعاشرة الجنسية، أو خروجها من البيت دون إذن الزوج، وفق شروط وتفصيلات فقهية معينة، فإن المسألة لاتقف عند توصيف سلوك فردي بل تتجاوزه إلى الكشف عن تصور أعمق لطبيعة الزواج: هل هو علاقة بين ذاتين مستقلتين، أم علاقة حقوقية غير متكافئة يُنظَّم فيها جسد المرأة بوصفه محلاً لحق الزوج؟
إن السؤال عن النشوز، بهذا المعنى، ليس سؤالا عن حدود الطاعة الزوجية وحدها التي يفترض أن تقدمها الزوجة، بل عن الكيفية التي أنتجت بها المعرفة الفقهية مفهوم الطاعة، وحددت من خلاله طبيعة الحقوق الجنسية والمالية، ورسمت الحدود الفاصلة بين إرادة المرأة والواجبات المفروضة عليها.
تنطلق هذه المقالة من فرضية أن فقه النشوز يتيح الكشف عن بعض المقدمات المعرفية والاجتماعية التي أسهمت في تشكيل التصور الفقهي للزواج، ولا سيما ما يتصل بتوزيع السلطة بين الزوجين، وعلاقة النفقة بالتمكين، وموقع إرادة الزوجة في العلاقة الجنسية. وبالرغم من وجود اجتهادات متعددة للفقهاء، إلا أن المقالة لا تسعى لكشفها، بل تسعى إلى نقد "البنية" التي تظهر في بعض الاتجاهات الفقهية، وإلى اختبار مدى اتساقها مع الاعتراف بالمرأة ذاتا إنسانية وقانونية مستقلة.
المطالب التي ساتناولها هنا ستكون على نقاط مختصرة، فالبحث في هذا الموضوع يتطلب مباحث طويلة جدا:
أولا: النشوز بين الدلالة القرآنية والبناء الفقهي
يكتسب مفهوم النشوز أهميته من كونه مصطلحا قرآنيا انتقل إلى المدونة الفقهية، ثم أصبح جزءا من منظومة الأحكام المنظمة للعلاقة الزوجية.
يقول تعالى:
﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ (النساء: 34).
ويقول تعالى في موضع آخر:
﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ (النساء: 128).
تكشف المقارنة بين الآيتين أن النشوز ليس، في الاستعمال القرآني، وصفا خاصاً بالمرأة؛ فقد ورد أيضا في سياق العلاقة التي يكون فيها الزوج هو الطرف الناشز أو المعرض عن زوجته. غير أن اختلاف السياقين وطبيعة المعالجة الواردة في كل منهما يستدعيان دراسة تفسيرية وأصولية مستقلة.(١)
لكن هذا الاختلاف في السياقين لا يلغي السؤال النقدي: كيف انتقل مفهوم النشوز من الخطاب القرآني إلى التعريفات الفقهية التي حددت مصاديقه وآثاره؟ ولماذا حظيت بعض صور امتناع الزوجة عن أداء ما عُدّ من حقوق الزوج بتفصيل فقهي واسع، في حين لم تتطور معالجة نشوز الزوج، في بعض المدونات، إلى منظومة مماثلة من الآثار والجزاءات؟
لا تكفي الإجابة بالقول إن النص خصّ المرأة بأحكام معينة؛ لأن الانتقال من النص إلى الحكم يتوسطه الاستنباط، وتحديد الموضوع، وفهم الأدلة، والجمع بين الروايات، واعتماد القواعد الأصولية. ومن ثم، فإن التفاوت بين المعالجات الفقهية لا ينبغي أن يُدرس بوصفه نتيجة مباشرة للنص وحده، بل بوصفه نتيجة محتملة لتفاعل النص مع مناهج الاستدلال والمقدمات التي اعتمدها الفقيه.
وهنا تظهر الوظيفة النقدية لمفهوم البنية المعرفية: إنه يتيح الانتقال من سؤال ما الحكم؟ إلى سؤال كيف تشكّل هذا الحكم؟ وما التصورات التي جعلت سلوكا معينا يُفهم بوصفه إخلالا بالواجب، بينما لم يُمنح سلوك آخر التوصيف نفسه أو الآثار ذاتها؟
ثانيًا: من النشوز إلى الطاعة: كيف يُعاد تشكيل ذات المرأة؟
لا يمكن فهم فقه النشوز بمعزل عن مفهوم الطاعة الزوجية؛ فالنشوز، في بعض التصورات الفقهية، يُفهم من خلال العلاقة بين سلوك الزوجة وما يُعدّ واجباً عليها تجاه زوجها.
وتكمن الإشكالية هنا في أن الطاعة لا تبقى مجرد مفهوم أخلاقي يدعو إلى حسن المعاشرة، بل قد تتحول إلى معيار قانوني لتقييم سلوك المرأة وتحديد الآثار المترتبة عليه.
فعندما تُقاس مشروعية تصرفات الزوجة بمدى استجابتها لحقوق الزوج، يصبح الزوج، في هذا التصور، مركزاً مرجعياً لتقييم سلوكها. أما إرادتها الشخصية، فلا تظهر بالضرورة بوصفها عنصرا مستقلًا في تحديد طبيعة العلاقة، بل بوصفها إرادة ينبغي أن تُمارس داخل حدود الواجبات التي رسمها الفقه.
وهذا لا يعني أن كل حديث فقهي عن الطاعة ينطوي بالضرورة على إنكار شخصية المرأة، أو أن جميع الفقهاء يمنحون الزوج سلطة مطلقة؛ بل يعني أن أغلب التطبيقات الفقهية للطاعة تستحق الفحص من حيث مدى اعترافها باستقلال إرادة المرأة وحدود السلطة التي تمنحها للزوج.
فيوجد فرق جوهري وأساسي بين الاعتراف بالتزامات متبادلة تنشأ عن الزواج، وبين بناء العلاقة على افتراض أن أحد الطرفين يملك حق تحديد ما ينبغي للطرف الآخر فعله، وأن رفضه يمكن أن يُصنّف إخلالا أخلاقيا أو فقهياً.
ومن منظور إبستمولوجي نسائي، لا يتعلق النقد هنا بالحكم وحده، بل بموقع الذات العارفة في إنتاجه. فمن الذي عرّف الطاعة؟ ومن الذي حدّد صور الإخلال بها؟ وكيف جرى " تمثيل" تجربة المرأة ورغباتها ومخاوفها داخل المعرفة الفقهية؟(٢)
إن غياب تجربة المرأة أو محدودية حضورها في إنتاج المعرفة الفقهية لا يثبت وحده بطلان الأحكام، لكنه يثير سؤالًا عن مدى شمولية المعرفة التي صاغتها مؤسسات علمية وتقاليد استدلالية لم تكن مشاركة النساء فيها متكافئة تاريخيا.
ثالثا: جسد المرأة بين الحق والتمكين
تظهر الإشكالية بصورة أكثر وضوحا عند دراسة المعاشرة الجنسية وعلاقتها بمفهوم النشوز.
ففي أغلب التصورات الفقهية، يُعدّ امتناع الزوجة عن المعاشرة، من دون عذر معتبر وفق الرأي المعتمد، صورة من صور النشوز، وقد تترتب عليه آثار تتصل بالنفقة (أنظر المادة ٦٨ من المدونة الجعفرية، الحديثة الصدورفي العراق)(٣) . وهنا يصبح جسد المرأة موضعا لتحديد الحقوق والواجبات، لا من حيث تنظيم العلاقة الحميمة فحسب، بل من حيث تقييم مدى امتثال المرأة للعقد الزوجي.
لكنّ الرغبة الجنسية ليست حالة ثابتة أو استجابة آلية لإرادة الطرف الآخر. إنها تجربة إنسانية تتأثر بالصحة الجسدية والنفسية، وبطبيعة العلاقة، وبالشعور بالأمان والاحترام، وبالتجارب السابقة، وبالظروف الاجتماعية والاقتصادية.
وعندما يُختزل الامتناع في مخالفة لحق الزوج، من دون فحص هذه العوامل، تصبح المرأة موضوعاً للحكم بدل أن تكون ذاتا تُفهم تجربتها وأسباب سلوكها.
وهنا يبرز سؤال معرفي وأخلاقي مهم للغاية: هل الموافقة على الزواج تعني الموافقة المسبقة والدائمة على كل ممارسة جنسية مستقبلية؟
إن الإجابة بالإيجاب تخلط بين الالتزام الزوجي وبين التنازل عن الإرادة الجسدية. فالعقد ينظم علاقة بين شخصين، لكنه لا يحوّل أحدهما إلى ملكية للآخر، ولا يجعل الرضا الشخصي أمراً محسوماً إلى الأبد بمجرد انعقاد الزواج.
ومن الضروري هنا التمييز بين مسألتين كثيرا ما تختلطان في الخطاب الديني والاجتماعي: وجود تصورات فقهية عن الحقوق الجنسية المتبادلة، والقول إن هذه الحقوق تبيح الإكراه الجسدي. فالأولى مسألة فقهية تحتاج إلى دراسة أدلتها وحدودها، أما الثانية فتثير سؤالا مستقلا عن مشروعية فرض الممارسة الجنسية بالقوة وعن حماية السلامة الجسدية والكرامة الإنسانية.
إن نقد البنية المعرفية للزواج يقتضي ألا يُستخدم مفهوم الحق لإلغاء إرادة الإنسان الذي يُفترض أن يكون طرفاً في العلاقة، وألا يُختزل الجسد في منفعة تعاقدية منفصلة عن الشخص الذي يحيا فيه.
رابعا: النشوز والنفقة: حين يتداخل الجنسي بالاقتصادي
لا تقف آثار النشوز عند حدود العلاقة الجنسية، بل تتصل في أغلب التصورات الفقهية الإمامية باستحقاق النفقة.
وهذا الارتباط يثير إشكالية معرفية إضافية؛ إذ يمكن أن يُفهم الإنفاق في أغلب نماذج العلاقة الزوجية بوصفه مقابلا للتمكين، بحيث يصبح استحقاق المرأة الاقتصادي مرتبطا بمدى استجابتها الجنسية.
لكن هل النفقة ثمن للمعاشرة، أم التزام ينشأ عن الزواج وتوزيع المسؤوليات الأسرية؟
إن وجود التزامات متبادلة بين الزوجين لا يقتضي منطقيا اختزال العلاقة الاقتصادية في المقايضة الجنسية. فالنفقة، بوصفها حكمًا فقهيا، لها أدلتها وشروطها وتفصيلاتها، ولا يصح اختزال جميع التصورات الفقهية فيها إلى نموذج واحد. ومع ذلك، فإن ربطها بالتمكين يستحق مراجعة نقدية من حيث الأساس الذي يقوم عليه والنتائج التي قد تترتب عليه.
وتزداد أهمية هذه المراجعة عند النظر إلى العمل المنزلي والرعائي الذي تؤديه النساء في أسر كثيرة، من رعاية الأطفال وإعداد الطعام وتنظيم شؤون المنزل إلى رعاية المرضى وكبار السن.
فهذا العمل يسهم في استمرار الأسرة وفي إعادة إنتاج القوة العاملة، لكنه لا يُعترف به دائمًا بوصفه عملا اقتصاديًا له قيمة مستقلة. وإذا جرى، في الوقت نفسه، ربط النفقة بالتمكين الجنسي، فقد ينشأ تصور للعلاقة يُبرز حق الزوج في الإنفاق بوصفه اساساً لاستحقاقه، بينما لا يمنح العمل الرعائي الذي تؤديه الزوجة الاعتراف نفسه.
ولا يعني ذلك أن جميع المذاهب الفقهية تجعل النفقة أجرا مقابل الجنس، ولا أن العمل المنزلي يترتب عليه تلقائيا استحقاق مالي محدد في كل تصور فقهي. إنما تكمن المسألة في ضرورة دراسة العلاقة بين النفقة والتمكين والعمل الرعائي، وعدم التسليم بأن البناء الاقتصادي للأسرة محايد تجاه توزيع السلطة بين الزوجين، هذا في حالة أعتراف هذه المذاهب بالأسرة. فالتعريف لعقد الزواج في المدونة الجعفرية مثلا لايتم التطرق لمفهوم الأسرة بل عرفت عقد الزواج علاقة خاصة بين الرجل والمرأة. (المادة ١)(٤)
ومن هنا، فإن نقد فقه النشوز يفتح الباب أمام نقد أوسع "للاقتصاد المعرفي" للزواج: كيف تُعرَّف المساهمة؟ ومن يملك حق الإنفاق؟ وكيف تُوزع الحقوق المالية؟ وهل تُفهم المرأة بوصفها شريكاً في إنتاج الحياة الأسرية أم بوصفها مستفيدة من الإنفاق مقابل أداء واجبات محددة؟
وهنا يطرح سؤال مهم: ما العلاقة بين النفقة والحق في الحياة: ماهي حدود المقايضة بين الجسد والاحتياجات الأساسية للمرأة التي تحفظ حياتها من الموت جوعا؟
هل يجوز أن يُرتَّب على امتناع الزوجة عن المعاشرة، وفق شروط فقهية معينة، حرمانها من النفقة، إذا كانت غير عاملة ولا تملك مورداً مالياً آخر تعتمد عليه في تأمين احتياجاتها الأساسية؟
إن الإشكالية هنا لا تتعلق بمجرد العلاقة بين حق الزوج الجنسي والحق المالي للزوجة، بل بما قد يترتب على هذا الربط من آثار تمس قدرتها على البقاء وتلبية احتياجاتها الضرورية. فالزوجة التي لا تملك مورداً مستقلاً قد تجد نفسها أمام معادلة شديدة الاختلال: إما أن تستجيب لما يُعدّ حقاً زوجياً، وإما أن تواجه فقدان موردها المعيشي الأساسي.
ومن منظور إبستمولوجي نسائي، يقتضي ذلك مساءلة الافتراضات التي تجعل التمكين معياراً لاستحقاق النفقة، من دون أن تمنح الاستقلال الاقتصادي للمرأة المكانة نفسها في بناء العلاقة الزوجية. فإذا كان الزواج ينشئ التزامات متبادلة، فهل يجوز أن يؤدي الإخلال بأحد هذه الالتزامات إلى المساس بالحد الأدنى من الأمن المعيشي للطرف الآخر؟ وأين تقع الحدود بين تنظيم الحقوق الزوجية وبين تعريض الإنسان للاحتياج أو الإكراه بفعل التبعية الاقتصادية؟
وهنا يجب الانتباه الى المعايير الأخلاقية وليست الفقهية فقط ، فنحن نسأل: ما الحدود الأخلاقية والقانونية التي ينبغي مراعاتها والنظر اليها عند ترتيب آثار مالية على الطاعة في السلوك الجنسي داخل علاقة تتفاوت فيها الموارد المالية والقدرة على الاستقلال المالي؟
خامسا: البنية المعرفية للزواج وحدود الحياد الفقهي
إن الأحكام الفقهية لا تُنتج في فراغ معرفي؛ فهي تتشكل من خلال التفاعل بين النصوص، وطرائق الاستدلال، والمفاهيم اللغوية، والتصورات عن الإنسان والعلاقة الاجتماعية.
ومن ثم، فإن الادعاء بأن الحكم الفقهي يعكس النص وحده، من دون وساطة المقدمات المعرفية، يحجب جانبا مهما من عملية الاستنباط.
فحين يُعرّف الزواج من خلال مفاهيم الاستمتاع والتمكين والطاعة، فإن هذه المفاهيم لا تؤدي وظيفة وصفية محايدة بالضرورة، بل قد تسهم في تحديد ما يُعدّ حقا وما يُعدّ إخلالا به، وما يُنظر إليه بوصفه سلوكا مشروعا أو غير مشروع.(٥)
ولا يعني ذلك أن هذه المفاهيم خالية من الدلالة الشرعية، أو أن وجودها يثبت انحيازا متعمدا لدى الفقهاء. بل يعني أن المفاهيم المستخدمة في بناء الأحكام تستحق الفحص من حيث تاريخها، ودلالاتها، وعلاقتها بالتصورات السائدة عن الجسد والأسرة والسلطة.
وهنا تتدخل الإبستمولوجيا النسوية لتطرح سؤالا يتجاوز عدالة النتيجة إلى شروط إنتاج المعرفة نفسها: هل أُخذت المرأة في الحسبان بوصفها ذاتا قادرة على وصف تجربتها وتفسيرها والمشاركة في بناء المفاهيم التي تنظم حياتها؟
إن استبعاد النساء تاريخيا من مواقع إنتاج المعرفة الدينية أو محدودية مشاركتهن فيها قد يؤثر في طبيعة الأسئلة التي تُطرح، وفي التجارب التي تُعدّ جديرة بالاعتبار، وفي الوقائع التي تُصاغ الأحكام لتفسيرها.
لكن هذه الملاحظة لا تعني أن المعرفة التي ينتجها الرجال باطلة لمجرد أن منتجيها رجال، ولا أن مشاركة النساء تضمن وحدها صحة الأحكام. المقصود هو أن المعرفة الأكثر قدرة على فهم الواقع تحتاج إلى تعدد الخبرات، وإلى اختبار المقدمات التي قد تتحول، بفعل التكرار والاستقرار المؤسسي، إلى مسلمات لا تخضع للمراجعة الكافية.
وبهذا المعنى، لا تكون الإبستمولوجيا النسوية بديلا عن الاستدلال الفقهي، بل أداة لنقد حدوده، والكشف عن المقدمات التي قد تؤثر فيه، وتوسيع مجال الوقائع الإنسانية التي ينبغي أن يأخذها في الحسبان.
سادسا: من فقه النشوز إلى" فقه العلاقة"
إذا كان النشوز يكشف عن اختلال محتمل في طريقة بناء العلاقة الزوجية، فإن تجاوز الإشكالية لا يتحقق بمجرد القول إن الزوج قد يكون ناشزا أيضا، أو بتوسيع نطاق المصطلح ليشمل الطرفين معا.
فالمساواة في إطلاق الوصف لا تكفي إذا ظلت البنية التي تنظّم العلاقة قائمة على تفاوت في السلطة وفي توزيع الحقوق والواجبات.
إن المطلوب هو الانتقال من تصور يجعل العلاقة الزوجية محكومة أساسا بمنطق الطاعة والمخالفة، إلى تصور يعترف بأن الزواج علاقة بين ذاتين مستقلتين، وأن الحقوق المتبادلة لا ينبغي أن تتحول إلى أدوات للسيطرة على الإرادة الشخصية.
ويمكن تسمية هذا الاتجاه "فقه العلاقة"، أي إعادة النظر في الأحكام الزوجية من خلال دراسة الحقوق والالتزامات، وطبيعة الضرر، وحدود السلطة، وضرورة احترام الكرامة الإنسانية.
وهي مقاربة تحليلية تقرأ الأحكام الزوجية من خلال بنية العلاقة بين الطرفين، ويمكن تحديد عناصر هذا المنهج في طرح الأسئلة الآتية:
1- هل الحقوق متبادلة أم غير متناظرة ولماذا؟
2- وكيف تتوزع السلطة في العلاقة الزوجية؟
3- ما أثر الاخلال بالواجبات في الحقوق المالية؟
4- كيف يعتد بالضرر والخبرة الإنسانية في تحديد الحكم؟
5- ما حدود الإرادة الشخصية داخل العلاقة الزوجية؟
6- ما أثر اختلاف المقدمات المعرفية في النتائج الفقهية؟
وفي هذا الإطار، ينبغي التمييز بين الخلاف الزوجي، والإعراض والهجر، والإخلال بالالتزامات المالية، والإضرار المتعمد، والعنف والإكراه. فهذه الحالات ليست متماثلة، ولا ينبغي جمعها جميعا تحت وصف أخلاقي واحد، ثم ترتيب الآثار نفسها عليها من دون تمييز.
كما ينبغي ألا يُعدّ رفض المعاشرة في وقت معين دليلاً كافياً على الإخلال بالعلاقة، من دون النظر في أسبابه وظروفه. فالرفض قد يرتبط بالألم أو المرض أو الخوف أو الإرهاق أو انعدام الأمان، وهي عوامل لا يمكن فهمها من خلال معيار الطاعة وحده.
وفي المقابل، فإن الاعتراف باستقلال الإرادة لا يلغي الالتزامات الزوجية، ولا ينفي إمكان وقوع الإضرار أو الإهمال من أي من الطرفين. لكنه يقتضي أن تُعالج هذه المسائل وفق معايير واضحة وعادلة، بدل افتراض أن جنس الطرف يحدد مسبقا موقعه من الحق والواجب.
ومن ثم، فإن البديل لا يتمثل في استبدال طاعة الزوجة بطاعة الزوج، بل في إعادة بناء العلاقة على أساس المسؤولية المتبادلة، واحترام الإرادة، وعدم تحويل الالتزامات إلى مبرر للإكراه.
وأخيرا يكشف فقه النشوز عن جانب مهم من البنية المعرفية التي تشكّل من خلالها التصور الفقهي للزواج؛ فهو يتيح دراسة العلاقة بين النص الديني، والاستنباط الأصولي، والمقدمات الاجتماعية التي أسهمت في تحديد الحقوق الجنسية والمالية للزوجين.
وتتمثل الإشكالية المركزية في أن بعض التصورات الفقهية جعلت امتناع الزوجة عن المعاشرة، في حالات محددة، مدخلا للحكم على سلوكها وترتيب آثار عليه، بينما لم تحظَ جميع صور نشوز الزوج بمعالجة مماثلة في التفصيل والآثار. وهذا التفاوت يستحق البحث والتحليل، لا الاكتفاء بتبريره أو رفضه مسبقا وفق استنباطات يراد لها أن تكون اجتهادات نهائية.
إن النقد الإبستمولوجي لا يفترض أن كل حكم موروث باطل، ولا أن التغير الاجتماعي وحده يكفي لإبطال الأحكام، بل يدعو إلى فحص الأدلة والمقدمات والمناهج التي أنتجتها، وإلى مساءلة مدى قدرتها على استيعاب التجربة الإنسانية المعاصرة.
ومن هذا المنطلق، فإن تجاوز الإشكالات المرتبطة بفقه النشوز يتطلب إعادة النظر في مفاهيم الطاعة والتمكين والنفقة، وفي العلاقة بين الحقوق الزوجية واستقلال الذات الإنسانية. كما يتطلب توسيع المشاركة المعرفية للنساء، لا بوصفهن موضوعا للأحكام فحسب، بل بوصفهن شريكات في إنتاج المعرفة الفقهية ونقدها.
إن السؤال المهم والحاسم ليس فقط: متى تكون الزوجة ناشزا؟ بل كذلك: ما البنية المعرفية التي جعلت سلوك المرأة يُقرأ من خلال علاقتها بسلطة الزوج، وما الذي ينبغي مراجعته في مناهج إنتاج الحكم الفقهي حتى تصبح العلاقة الزوجية أكثر عدلاً وإنسانية؟
إن الإجابة عن هذا السؤال هي المدخل إلى الانتقال من نقد حكم جزئي إلى مراجعة معرفية أوسع للزواج في الفقه الإسلامي، مراجعة لا تكتفي بتغيير المصطلحات، بل تسعى إلى إعادة تأسيس العلاقة بين الحق والواجب، وبين العقد والإرادة، وبين الالتزام والكرامة الإنسانية.
***
د. بتول فاروق
٢٢/ ١٠/ ٢٠٢٦








