عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

بدر الفيومي: الهزائم والانكسارات وأثرها في تشكّل الوعي الديني (3)

من مقتل عثمان إلى صفين.. الانفجار وتأسيس الانقسام

إذا كانت أزمة الخلافة بعد وفاة النبي ﷺ قد كشفت السؤال السياسي في صوره التأسيسية الأولى، فإن حادثة مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان -رضي الله عنه سنة 35هـ - تمثل نقطة الانفجار الكبرى التي نقلت التوتر من مستوى الجدل السلمي إلى مستوى الدم المسفوك.

وإذا ما حاولنا تمرير تلك اللحظة الفارقة عبر غرابيل التحليل التاريخي والفلسفي، نجد أننا نقف أمام أول هزيمة داخلية صريحة أصابت الوعي الجمعي للأمة في صميمه، وأسست لتحولات جذرية أعادت تعريف مفاهيم الطاعة والعدل والفتنة، الأمر الذي يفرض علينا قراءة هذا الحدث الجلل لا بوصفه مجرد خبر عابر، بل بوصفه انكساراً عميقاً في نسق الجماعة، وانفجاراً لسؤال المرجعية والمحاسبة.

لقد شهدت خلافة عثمان توسعاً جغرافياً هائلاً وازدهاراً مالياً غير مسبوق، غير أن هذا التحول رافقه تصاعد في وتيرة النقد لسياسات بعض الولاة في الأمصار. ويبدوا أن الانتقال من مجتمع الحجاز البسيط إلى إمبراطورية مترامية الأطراف قد خلق توتراً بنيوياً أفرز نهوجاً جديدة في التفكير والاعتراض، حيث تضخمت الموارد وتداخلت قبائل جديدة في المشهد.

وفي هذا السياق، ينقل لنا الإمام الطبري في تاريخه تواتر الشكايات واحتجاج وفود الأمصار، ويؤكد الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية أن الناس أكثروا في عثمان الطعن، وهو ما يكشف عن تحول النقد من همس إلى علن. وهذا التحول الإداري والاجتماعي المعقد لم يواكبه تقنين سياسي كافٍ يستوعب أي نهج وليد، وهو ما تحذر منه القراءة النسقية الدقيقة التي ترفض التبسيط الذي يميل إليه بعض المجتزئين والمشككين؛ فاختزال الأزمة في مجرد سوء إدارة أو مجرد تمرد طارئ يقودنا إلى زيغ في فهم الطبيعة المركبة للمجتمع الإسلامي آنذاك، ناهيك عن أنه يغفل تراكم العوامل التي مهدت للاصطدام.

وإذا ما انتقلنا إلى مشهد الحصار وذروة المأساة، ندرك حجم الكارثة حين انتُهكت حرمة الدم في قلب مدينة رسول الله. حيث وصف ابن الأثير تلك اللحظة القاسية بقوله (فدخلوا عليه فقتلوه وهو يقرأ القرآن). هذا الانتهاك دفع بعض المجترئين إلى استباحة المحظورات، بينما تصدى لهم بعض المتأولين بخطابات تحاول شرعنة الخروج.

وقد روى ابن سعد في -الطبقات- عن عثمان قوله الخالد: (لا أخلع قميصاً قمصنيه الله)، وهو تصريح حري بنا أن نتأمله ملياً، إذ يكشف عن بُعد قدري وتشابك عميق بين الشرعية السياسية والتكليف الرباني، بعيداً عن محاولات التجديف التي يعمد إليها بعض المجدفين لسلخ الحدث من سياقه الروحي والسياسي. وقد نقل عن حذيفة بن اليمان إدراكه المبكر لحجم الكارثة حين قال: (والله لئن قتلوه ليفتحن عليهم باب فتنة لا يغلق)، وهو ما تحقق بالفعل، إذ انتقل السؤال من مجرد خطأ الحاكم إلى شرعية الخروج عليه.

وإذا كانت أزمة مقتل عثمان رضي الله عنه تمثل نقطة الانفجار الأولى، فإن موقعة صفين تمثل لحظة تثبيت الانقسام وتحويله من أزمة طارئة إلى بنية دائمة ومستقرة في قلب الوعي الجمعي. ففي صفين لم يعد السؤال مقتصراً على من قتل عثمان، بل تجاوزه إلى سؤال أعمق وأخطر ألا وهو؛ من يملك الشرعية الآن؟، ومن يحدد معنى العدل؟، وهل تُحسم السياسة بالسيف أم بالتحكيم؟، الأمر الذي يجعل صفين لحظة تأسيسية بامتياز، كونها أدخلت عنصراً جديداً ومربكاً في النسق السياسي الإسلامي، وهو التحكيم، بما حمله من التباس خطير بين النص المطلق والواقع المتغير، وبين المثال والضرورة.

فبعد بيعة علي -رضي الله عنه- في ظروف بالغة التعقيد، ظل مطلب القصاص من قتلة عثمان حاضراً بقوة، حيث يورد الطبري أن معاوية بن أبي سفيان جعل تسليم القتلة شرطاً مسبقاً للبيعة. غير أن علياً، برؤيته الحكيمة، رأى أن استقرار الأمر واجتماع الكلمة شرط سابق لإقامة القصاص، وأن العجلة في سياق مضطرب قد تزيد من اشتعال نار الفتنة.

وهنا يتجلى التوتر البنيوي بين نهج يقدم العدالة الفورية ونهج يقدم حفظ الجماعة. ولأن كلا الفريقين كان يستند إلى تصور ديني للحق، تحول الخلاف من نزاع سياسي إلى صراع تأويلي ألقى بظلاله الثقيلة على حقبتهم، حيث تصدى قادة الرأي لمحاولة فهم هذا الشقاق الذي استعصى على الحلول المعتادة.

وعندما وقعت المعركة سنة 37هـ، وسالت دماء كثيرة كما يصف ابن الأثير شدة القتال، تحول السؤال العقدي إلى مأزق وجودي حقيقي؛ كيف يقاتل المسلم أخاه وهو يعتقد جازماً أنه على الحق؟، وقد تجلت عبقرية الإمام علي في استيعاب هذه الأزمة حين سُئل عن أهل الشام فقال كلمته الفاصلة (إخواننا بغوا علينا). وهذه العبارة تحمل دلالة عميقة؛ فهو لم يكفرهم ولم يخرجهم من الملة، بل وصفهم بالبغي، محافظاً على حد أدنى من رابطة الجماعة. لكن هذا الوصف النبيل لم يمنع الانقسام، بل كشف بوضوح عن هشاشة الرابطة حين يختلف أبناء الأمة بالسيف.

وإذا ما انتقلنا إلى ذروة المأساة في صفين، نجد أن رفع المصاحف على أسنة الرماح مثّل حدثاً رمزياً بالغ الدلالة. حيث استُدعي النص القرآني في قلب المعركة، لا للتلاوة، بل لتحكيمه سياسياً في نزاع دنيوي معقد. وقد أورد الطبري استجابة بعض جيش علي لهذا النداء، الأمر الذي أوقع الخليفة في مأزق مركب، فلو رفض التحكيم لاتهمه المعارضون برفض حكم القرآن، ولما قبله قُيِّد بخيار سياسي. هذا الخلط أدخل النص في لعبة السياسة صراحة، ليصبح السؤال المطروح: هل التحكيم تحكيم للكتاب أم تحكيم للرجال؟، وهو مسلك يفتح باباً من الاستغلال الذي برع فيه لاحقاً بعض المتأسلمين حين وظفوا المقدس لخدمة المدنس، في محاولة لفرض رؤاهم الخاصة.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل أنتجت الفتنة ولادة أول تيار تكفيري مسلح ومنظم؛ حيث رفضت فئة من جيش علي قبول التحكيم وعدّته تنازلاً، رافعين شعارهم الشهير (لا حكم إلا لله). يذكر الشهرستاني في (الملل والنحل) أن الخوارج كفروا علياً ومعاوية وكل من قبل التحكيم، في سابقة خطيرة أظهرت كيف تنتج الهزيمة الداخلية خطاباً متطرفاً يرى في أي تسوية سياسية خيانة للدين.

وقد كشفت ولادة الخوارج عن بنية عقلية قائمة على التطهير الصارم ورفض أي تأويل سياسي، وهو مسار يستهوي عادة شبيبة متحمسة تفتقر إلى النضج، وتقع فريسة لأفكار سطحية تتجاوز مقاصد الشريعة. وقد كسر هذا المسار إجماع الأمة الذي كان يمثل وحدة رمزية، محولاً إياها إلى تعددية قسرية وانشقاقات عميقة. حييث نبه ابن خلدون إلى أن الفتنة تضعف العصبية الجامعة وتؤسس لانهيار الدول. ولم يحسم التحكيم النزاع، بل عمقه وصولاً إلى قيام الدولة الأموية وتحول الخلافة تدريجياً إلى ملك عضوض، مما دفع المتفقهين والمثاقفين، كالإمام الماوردي لاحقاً، إلى إعادة صياغة التنظير السياسي ليلائم واقعاً ابتعد عن المثال الراشد، في محاولة مستميتة للحفاظ على استقرار الأمة، وهو نقاش لا يزال مستمراً في حاضرنا المعيش.

وخلاصة ذلك أن مقتل عثمان وما تلاه من اقتتال في صفين لم يكونا مجرد أحداث تاريخية يمكن طيها، بل كانا لحظات انقسام تأسيسي أعادت صياغة النسق الإسلامي برمته، ورسخت حقيقة أن السياسة في الإسلام بعد النبوة قد فقدت صفاءها الأول. وأن الأغيار سيظلون يعتاشون على هاتيك الانكسارات ما لم نستوعب دروسها بعمق، وندرك كيف تحولت الهزيمة الداخلية إلى محرك أساسي لإنتاج المعرفة السياسية والعقدية في تاريخنا الممتد.

وللحديث بقية

***

د. بدر الفيومي

 

في المثقف اليوم