من تعديل الأحكام الفقهية إلى مراجعة النموذج المعرفي للعلاقة الزوجية
إنّ عقد الزواج بصيغته الفقهية الموروثة المتعارف عليها اليوم في الفقهين السني والشيعي، يحتاج إلى إعادة نظر تتجاوز تعديل الأحكام الجزئية أو المفاضلة بين الآراء الفقهية القائمة، لأن الإشكال لا يكمن في الأحكام وحدها، بل في النموذج المعرفي الذي تشكل في إطاره مفهوم الزواج، وفي الطريقة التي جرى بها تشخيص موضوعه وتحديد آثاره وحقوق أطرافه.
فما لم يُعَد النظر في هذا النموذج، ويُعَد تشخيص موضوع الزواج في ضوء التحولات الاجتماعية والاقتصادية والفكرية المعاصرة، ستظل محاولات الإصلاح محكومة، إلى حد بعيد، بالتصورات التي أنتجت الإشكال ابتداء. ولا يكفي استدعاء العناوين الثانوية لمعالجة الوقائع المستجدة بوصفها استثناءات طارئة؛ بل ينبغي بحث ما إذا كانت بعض التحولات قد أصبحت جزءا من البنية المستقرة للواقع الاجتماعي، بما يستدعي إعادة النظر في تصنيف المسائل، وفي مدى انطباق العناوين الأولية والثانوية عليها.
فالموضوع ليس معطى ثابتا خارج التاريخ، بل يتغير بتغير شروطه الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وتبعا لذلك قد تتغير دلالته القانونية والفقهية. ومن ثم، فإن الإبقاء على الأحكام نفسها مع تغير موضوعاتها وشروط تحققها لا يضمن استمرار ملاءمتها للواقع، كما أن استحداث قانون جديد لا يكفي وحده لتحقيق الإصلاح إذا ظل قائما على التصور المعرفي القديم ذاته.
إن المطلوب ليس مجرد تغيير الحكم، بل مراجعة الطريقة التي ننتج بها الحكم؛ والانتقال من التعامل مع الزواج بوصفه بنية تعاقدية موروثة إلى إعادة دراسته بوصفه علاقة قانونية واجتماعية بين ذاتين مستقلتين، تترتب عليها حقوق والتزامات متبادلة، وتقتضي معالجة قضايا الرضا والاستقلال والسلطة والعمل الرعائي والضرر، وحقوقهما معا على أساس معاصر.
ما لم ينتبه الفقهاء المعاصرون إلى التحولات العميقة التي طرأت على المفاهيم المؤسسة لرؤية الإنسان والعالم، سيظل الخطاب الفقهي بشأن الزواج عاجزا عن بناء علاقة مقنعة مع الوعي الإنساني المعاصر. فالمكلف اليوم لا ينظر بالضرورة إلى ذاته وعلاقاته وحقوقه من خلال المنظومة المفاهيمية التي سادت في البيئات التاريخية التي تشكّلت فيها المدونات الفقهية، بل ينطلق من تصورات متغيرة بشأن الاستقلال الشخصي، والكرامة الإنسانية، والمساواة، والرضا، والمسؤولية المتبادلة.
ولا تكمن الإشكالية، هنا، في مجرد تعارض بعض الأحكام الفقهية مع تطلعات الأفراد المعاصرين، بل في احتمال وجود فجوة معرفية بين التصورات التي تفترضها تلك الأحكام عن الإنسان والعلاقة الزوجية، وبين التصورات التي تشكّلت في ظل التحولات الاجتماعية والفكرية الحديثة. ومن ثم، فإن محاولة إقناع المكلف المعاصر بأحكام الزواج لا يمكن أن تعتمد على إعادة عرض الأحكام الموروثة أو الدفاع عن نتائجها فحسب، بل تقتضي مراجعة الأسس المفاهيمية التي يُفهم الزواج في ضوئها، وإعادة النظر في مدى قدرتها على استيعاب التحولات التي طرأت على مفهوم الإنسان وحقوقه وعلاقاته.
إن تجديد الفقه في هذا المجال لا يبدأ بالضرورة من استبدال حكم فقهي بآخر، بل من مساءلة النموذج المعرفي الذي يحدد موضوع الحكم، ويصوغ العلاقة بين أطراف الزواج، ويرسم حدود الحقوق والواجبات. فحين تتغير تصورات الإنسان عن ذاته وعن العالم، يصبح من الضروري فحص مدى استمرار صلاحية التصورات الفقهية التي تشكّلت في سياقات تاريخية مختلفة، من دون افتراض أن كل موروث فقد صلاحيته، أو أن كل مفهوم حديث يمثل بالضرورة تقدما معرفيا.
إن الصراع الدائر اليوم حول تقنين الأحوال الشخصية لا يمكن فهمه بوصفه مجرد خلاف بين مؤيدين لمدونة فقهية ومعارضين لها، أو بين من يتمسكون بالأحكام الموروثة ومن يطالبون بتعديلها؛ فهذه المقاربة، على أهميتها، قد تحجب الإشكالية الأعمق، وهي طبيعة النموذج المعرفي الذي يُراد إخضاع الحياة الإنسانية المعاصرة له.
إن الإشكال لا يكمن في الاستناد إلى التراث الفقهي بحد ذاته، بل في التعامل مع اجتهادات نشأت في سياقات تاريخية واجتماعية ومعرفية محددة بوصفها إجابات مكتملة الصلاحية لتنظيم علاقات إنسانية تغيرت شروطها ومفاهيمها ووظائفها. فالحياة الزوجية اليوم لا تُفهم بمعزل عن تطور العلوم الإنسانية والاجتماعية، والتحولات الاقتصادية، وتغير بنية الأسرة، وتطور المعرفة المتعلقة بالنفس البشرية، وعلاقات السلطة، والعمل الرعائي، والاستقلال الشخصي، والحقوق القانونية.
ومن ثم، فإن المطلوب ليس إخضاع الحياة المعاصرة قسرا لتصورات تاريخية جاهزة، ولا استبعاد التراث الفقهي لمجرد انتمائه إلى الماضي، بل إعادة فهم الواقع الإنساني في ضوء المعارف المتاحة اليوم، ثم مساءلة الموروث الفقهي على أساس هذا الفهم، وإعادة فحص موضوعات الأحكام وشروط انطباقها ومبرراتها وآثارها.
فالمعرفة المتجددة بالإنسان ليست عنصرا خارجيا يمكن تجاهله عند بحث العلاقات الأسرية؛ إذ قد تكشف عن أبعاد في موضوع الحكم لم تكن حاضرة في التصورات السابقة، أو تتيح فهما مختلفا للضرر والرضا والاستقلال والمسؤولية. وهذا يستدعي حوارًا نقديا بين المعرفة الفقهية والعلوم المعاصرة، لا يذيب إحداهما في الأخرى، ولا يمنح أيا منهما حصانة مطلقة من المراجعة.
وعليه، فإن جوهر الأزمة ليس في الاختلاف على أيّ الأحكام الفقهية ينبغي تقنينها فحسب، بل في السؤال الأسبق، القبلي: بأي معرفة نفهم الإنسان المعاصر، وبأي تصور للعلاقة الزوجية نبني القانون الذي ينظم حياته؟ ما لم يُطرح هذا السؤال، فقد يتحول تقنين الفقه إلى إعادة إنتاج للماضي في صورة قانونية ملزمة، بدلا من أن يكون استجابة نقدية واعية لتحولات الحاضر في بلد معين مثل العراق الذي خرج حديثا من حروب متتالية.
***
ا. د. بتول فاروق








