العقل العربي هو عقل تراثي بإمتياز، ويتحرك هذا العقل بين الأفكار التراثية التى تم إنتاجها في سياقات ثقافية وحضارية قديمة. وهذه الحالة تدفع العقل العربي بتوهم إمتلاكه الحقيقة المطلقة التى حافظ عليها السلف الصالح وسلمها بالتواتر للأجيال اللاحقة حتى وصلت إلى العقل العربي المعاصر.
ويأتي في قمة هذا التراث النص المُقدَّس (القرآن الكريم)، وكتب الأحاديث النبوية، ثم كتب الفقه والتفسير وقد صارت هذه الفئات من كتب التراث لها سلطة المُقدَّس على الوعي والعقل العربي حتى أصبح العقل العربي مُتلقي سلبي خاضع لكل الحقائق التي تنطق بها هذه النصوص متجاهلاً السياق الثقافي والحضاري الذي نشأت داخله هذه النصوص التراثية.
وكانت هناك فئة تراثية إهتمت بالفلسفة والعقل والمعرفة ولكن تم تهميش هذه الكتب وإضطهاد الفلاسفة الذين أنتجوها، ويقف على قمة هذه الفئة العظيمة الفيلسوف الأندلسي إبن رشد (١١٢٦ - ١١٩٨م)
وإحتل إبن رشد مكانة مرموقة في السياق الحضاري الاوروبي حيث تم إستدعاء شروحاته لفلسفة أرسطو لتأسيس تيار فلسفلي لاتيني (الرشدية اللاتينية) يكون قادر على إرساء مبادئ الفصل بين العلوم الدينية وبين العلوم الوضعية وهى بذرة بناء العلوم الحديثة. وتم تجاهل ابن رشد في الثقافة العربية لصالح تمجيد الإمام أبو حامد الغزالي (١٠٥٨ - ١١١١م). حتى طرح الفيلسوف المصري الكبير مراد وهبة (١٩٢٩ - ٢٠٢٦م) إسم إبن رشد كحل للخروج من نفق تخلف العقل العربي.
ولكن لماذا يستدعي مراد وهبة فكر الفيلسوف الأندلسي في سياقنا الحالي ؟!!
اولاً: مراد وهبة والدجماطيقية
يُصرِّح مراد وهبة في كتاب (مُلاّك الحقيقة المُطلقة) أن مشروعة الفلسفي يستهدف مقاومة الدوجماطيقة «خلاصة القول أن الفكرة المحورية فى فلسفتى هي النضال ضد الروح الدوجماطيقية. وفقدان الثقة فى الدوجماطيقية هي التي تفسر انبهارى بمذهب برجسون لفترة طويلة من الزمان، أى فى الخمسينيات عندما بدأت الانشغال بمشكلة بناء المذاهب. فقد بذل برجسون جهداً بارزاً فى المحافظة على اللادوجماطيقية وذلك بتأسيس مذهب مفتوح.»
ولأن الدوجماطيقية تتوهم إمتلاكها للحقيقة المُطلَقة، فإن النسق المعرفي والثقافي لها يُكوِّن مذهب مُغلَق لا يتسامح مع أي نسق معرفي مُغاير ففي هذه الحالة يتحتم الصراع على المُطلقات، ويتهدد السلام الإجتماعي مما يتعذر معه الحديث عن أي وعي بقبول الآخر. فيتحول الواقع الإجتماعي والسياسي داخل هذه البنية المعرفية إلى واقع إقصائي واُحادي التوجة والسلوك مما يخلق المُبررات الموضوعية لظهور طبقة الطغاة والدكتاتوريات السياسية والاجتماعية والدينية.
وهذا بالضرورة يؤدي إلى دخول العقل في حالة سُبات دوجمائي تحت رعاية النظم السياسية والاصوليات الدينية والتجمعات العرقية المغلقة.
دفاعاً عن العقل ذهب مراد وهبة إلي ضرورة التحرر من سُلطة المُطلق ببناء وعي معرفي يرتكز على عنصري بناء للعقل النقدي.
١ – العَلمانية:
ولتحقيق هذا أعاد تعريف العلمانية بما يتناسب مع غايته الفلسفية (تعريف العلمانية ليس بأنها الفصل بين الدين والدولة لان هذا الفصل معلول للعلمانية، أما علة هذا الفصل فهو «التفكير فى النسبي بما هو نسبي وليس بما هو مطلق». وهذا هو تعريفنا للعلمانية.)
من خلال هذا التعريف ينقل مراد العلمانية من كونها مُنتَّج حداثي إلى كونها أداة عقلية يحتاج إليها العقل ليتحرر من غفلته الدوجماطيقية ويكون قادر على النظر إلى الافكار من واقع نسبيتها والإعتراف بعدم إمتلاك الحقيقة المُطلَقة.
وهذا التعريف يُهدِر كل محاولات الاصوليات الدينية التى تعمل على تشويه العلمانية، فهذه الاصوليات تبيع العلمانية في ثوب الفسق والفجور والحرب على الدين وهذه اوهام تختلقها الاصوليات لتدجين العقل داخل السياق الفكري الذي تنتجه هذه الاصوليات المتطرفة.
٢ – التأويل:
هذه هى الآلية الثانية التي يقدمها مراد وهبة كضرورة للعقل ليتحرر من سُلطة التراث القديم، ولكي تسقط أي وصاية دينية على العقل، ولكي يخلق حالة حقيقة من التسامح الإجتماعي القائم على حرية العقل وحرية الفكر لذلك يقول (وإيا كان التناقض بين كل من ادموند بيرك وتوماس بين، فإنهما متفقان على أن قضية حقوق الإنسان في أساسها اختيار بين الأموات والأحياء، أو بين الرؤية الماضوية والرؤية المستقبلية. الرؤية الماضوية، بعد حذفها للمستقبل، تحجر التراث، وذلك بأن تلتزم بحرفيته، فلا تقبل تأويله، فتضفى عليه القداسة، ومن ثم «المطلقية» أى الدوجماطيقية. أما الرؤية المستقبلية فمتجاوزة للرؤية الماضوية، دون إلغائها، وإنما تأويلها. ومن ثم فإن الرؤية المستقبلية، من حيث هى مستقبلية، لا تلازمها الدوجماطيقية).
هنا لا يقف مراد وهبة موقف الرافض للتراث إنما يسعى إلى بناء وعى قائم على تأويل هذا التراث، حتى لا يتحجر ويصبح عائق في سبيل تقدم العقل، وحتى لا يتحول هذا التراث إلى دوجما تعمل على تكفير وهرطقة الآخر.
هنا في وعي مراد وهبة يجب أن لا يحكمنا الاموات بل يجب إعمال العقل للتحرر من حالة التقديس للماضي ومنتجاته التراثية.
ثانياً: ابن رشد ودفاعه عن العقل
دخل العقل العربي في محنة كبرى على يد الإمام أبي حامد الغزالي، لأن الإمام دخل في حالة شك قاده هذا الشك إلى إنكار قدرة العقل على إكتشاف الحقيقة لهذا إنحاز أبو حامد الغزالي إلى الإيمان كبديل موضوعي لمعرفة الحقيقة الكاملة والمطلقة. وأين توجد هذه الحقيقة فإنها توجد في الوحي الإلهي، لهذا إرتفع النص فوق العقل عنده.
فقام الإمام أبو حامد الغزالي بالرد على الفلاسفة في كتابه (تهافت الفلاسفة) حيث أدانهم بالكفر.
ونحن هنا نلخص رؤية الإمام في جانبين فقط:
١ - إنعدام السببية أو علية حدوث الأشياء.
تعتبر هذه القضية هى الضربة القاضية للعقل العربي حيث قال (الاقتران بين ما يعتقد في العادة سبباً، وبين ما يعتقد مسبباً، ليس ضرورياً عندنا، بل كل شيئين، ليس هذا ذاك، ولا ذاك هذا، ولا إثبات أحدهما، متضمناً لإثبات الآخر، ولا نفيه متضمناً لنفي الآخر؛ فليس من ضرورة وجود أحدهما، وجود الآخر، ولا من ضرورة عدم أحدهما، عدم الآخر، مثل الري والشرب، والشبع والأكل، والاحتراق ولقاء النار، والنور وطلوع الشمس، والموت وجز الرقبة، والشفاء وشرب الدواء، وإسهال البطن واستعمال المسهل، وهلم جراً، إلى كل المشاهدات، من المقترنات في الطب والنجوم والصناعات والحرف.
فإن اقترانها لما سبق من تقدير الله سبحانه، بخلقها على التساوق لا لكونه ضرورياً في نفسه، غير قابل للفوت، بل في المقدور خلق الشبع دون الأكل، وخلق الموت دون جز الرقبة، وإدامة الحياة، مع جز الرقبة، وهلم جراً إلى جميع المقترنات. وأنكر الفلاسفة إمكانه، وادعوا استحالته.
والنظر في هذه الأمور الخارجة عن الحصر يطول، فلنعين مثالاً واحداً، وهو الاحتراق في القطن مثلاً، عند ملاقاة النار، وإنا نجوز وقوع العلاقة بينهما دون الاحتراق، ونجوّز حدوث انقلاب القطن، رماداً محترقاً، دون ملاقاة النار وهم ينكرون جوازه).
هنا واضح جلياً أن الإمام ينكر السببية الطبيعية ويرجع حدوث الإشياء إلى قدرة الله تعالى، لذلك ينسب فعل الإحراق إلى الملائكة أو بدون وساطة أما النار فليس بها فعل الإحراق.
هنا يتجلى دور ابن رشد في الرد على الإمام الغزالي قائلاً (فمن أنكر وجود الأسباب الفاعلة الظاهرة في المحسوسات، فقد جحد الحكماء ورفع الفلسفة. فإن من جحد وجود الأسباب الفاعلة فقد جحد العلم، لأن العلم ليس هو شيئاً أكثر من إدراك الأسباب)
(والعقل ليس هو شيئاً أكثر من إدراكه الموجودات بأسبابها، وبه يفترق عن سائر القوى المدركة؛ فمن رفع الأسباب فقد رفع العقل. وصناعة المنطق تضع وضعاً أن هاهنا أسباباً ومسببات، وأن المعرفة بتلك المسببات لا تكون كاملة إلا بالمعرفة بأسبابها. فرفع هذه الأشياء هو إبطال للعلم وهدم له)
(فإنه إن كان كينونة الشَّيء عن الشَّيء ليست إلَّا باقترانهما أجرى الله العادة بذلك، فليس لشيءٍ من الأشياء فعلٌ يخصُّه بصفته وطبيعته، ولا لشيءٍ اسماً يخصُّه بحده. ومَنْ رفع الطبائع الذاتية للأشياء فقد رفع الذوات، إذ كانت الذوات إنما تُميز وتُعرف بأفعالها وطبائعها).
من خلال هذه الردود التي قدمها فيلسوف الاندلس نجد إنه قدم دفعاً مُحكمَاً عن العقل والعلم الطبيعي والحقيقة الفيزيائية للأشياء ولا يمكن التفسير الصحيح للعلم بدون معرفة السببية في حدوث الوقائع.
٢ - الاجماع والتأويل.
فقد رد ابن رشد على الامام الغزالي الذي كفر الفلاسفة عندما قدموا تأويل حول (قدم العالم - علم الله بالكليات - ويوم الحشر) كالآتي:
(«فإن قلت: فإذا لم يجب التكفير بخرق الإجماع في التأويل إذ لا يتصور في ذلك إجماع، فما تقول في الفلاسفة من أهل الإسلام؛ كأبي نصر وابن سينا؟ فإن أبا حامد قد قطع بتكفيرهم في كتابه المعروف بـ «التهافت» في ثلاث مسائل: في القول بقدم العالم، وبأنه تعالى لا يعلم الجزئيات ـ تعالى عن ذلك ـ وفي تأويل ما جاء في حشر الأجساد وأحوال المعاد. ـ قلنا: الظاهر من قوله في ذلك انه ليس تكفيره اياهما في ذلك قطعاً، إذ قد صرح في «كتاب التفرقة» ان التكفير بخرق الإجماع فيه احتمال.
وقد تبين من قولنا انه ليس يمكن ان يتقرر إجماع في امثال هذه المسائل، لما رُوي عن كثير من السلف الأول، فضلاً عن غيرهم، ان ههنا تأويلات يجب ان لا يفصح بها إلا لمن هو من أهل التأويل، وهم الراسخون في العلم. لأن الاختيار عندنا هو الوقوف على قوله تعالى «والراسخون في العلم»، لأنه اذا لم يكن اهل العلم يعلمون التأويل لم تكن عندهم مزية تصديق توجب لهم من الايمان به ما لا يوجد عند غير اهل العلم. وقد وصفهم الله بأنهم المؤمنون به، وهذا انما يحمل على الايمان الذي يكون من قبيل البرهان، وهذا لا يكون إلا مع العلم بالتأويل).
يقطع فيلسوف الأندلس بضرورة التأويل للنص إذا ما صار هناك تعارضاً مع الحقيقة لهذا تحدث عن الظاهر والباطن في النص كما قال بعدم إمكانية حدوث الإجماع الذي لا يمكن خرقه.
هنا يُظهِر إبن رشد سلطان العقل كهبة من الله بحيث يستطيع التوفيق ما بين الشريعة والعقل. ويدافع عن حق التفلسف لأن البرهان هو أعلى درجات الوعي الإنساني عنده.
الخلاصة:
إذن إستدعاء إبن رشد للسياق المعاصر ليس ضرباً من الإنكفاء على الماضي ولكن هى محاولة لمقاومة الدوجماطيقية التي تعتمد على التراث المنغلق، من خلال تيار تراثي آخر يعمل على بناء عقلي حر من خلال نسق معرفي قادر على تأويل النص عندما يتعارض مع الحقيقة.الوسط الثقافي العربي الراهن يعكس حالة من الجمود الفكري يعتمد على يقينية الحقيقة المطلقة التي سجنت العقل العربي في سجون الماضي. لذلك يرى مراد وهبة أننا نحيا في القرن الثاني عشر الميلادي تحت سلطة العقل الدوجماطيقي وطريق الخروج من هذا النفق هو إستعادة وعي إبن رشد في إدراكه إنه (لا يوجد إجماع) وإنه (من حق العقل التفلسف وتأويل النص)
***
أشرف منير رمزي








