عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

قاسم المحبشي: حين يتحول التاريخ إلى مرآة للإنسان.. وتصبح السلطة امتحانًا للضمير

ثمة روايات نقرأها فنعرف حكاية، وثمة روايات نقرؤها فنعيد اكتشاف الإنسان فينا، ونكتشف أن المسافة بين المجد والانكسار، وبين الحب والخطيئة، وبين السلطة والعدالة، ليست بالاتساع الذي نتخيله. ومن هذا النوع تأتي رواية «عثماني والهوى نوميدي» للروائية الجزائرية ليلى تباني، التي تعود بنا إلى قسنطينة في زمن صالح باي، لا لكي تستعيد صفحة من التاريخ الجزائري فحسب، بل لكي تفتح أسئلة الإنسان الكبرى أمام محكمة الذاكرة والضمير.

كنت قد كتبت سابقًا عن روايتها التاريخية «تهنينان»، التي أعادتني إلى عالم الصحراء الكبرى، وإلى ذلك الفضاء الذي ظل حاضرًا في ذاكرتي القرائية منذ أن قرأت «سباق المسافات الطويلة» و«مدن الملح» لعبد الرحمن منيف، و«رجال في الشمس» لغسان كنفاني، و«تعيسة» للروائي السوداني بشرى الفاضل، التي قرأتها خلال زيارتي الخرطوم عام 2018. وقد أعادت رواية «تهنينان» إليّ متعة اكتشاف الصحراء لا بوصفها جغرافيا قاحلة فحسب، بل بوصفها ذاكرة مفتوحة على التاريخ والأسطورة والهوية وأسئلة البقاء والفناء.

كانت الصحراء في رواية «تهنينان» أكثر من مجرد مسرح للأحداث؛ كانت كيانًا حيًا يعيد تشكيل الإنسان، وفضاءً تتصارع فيه الذاكرة مع النسيان، والأثر مع المحو. وحين يصف الراوي الرمال بقوله: «رمال في رمال في رمال. كأن الرمال ابتلعت كل شيء، حتى القبور التي حفروها سرعان ما غمرتها الرياح، وكأن شيئًا لم يكن»، فإننا لا نكون أمام مشهد طبيعي فحسب، بل أمام استعارة كبرى للزمن الذي يمحو آثارنا، ويعيد ترتيب حكاياتنا، ويضع الإنسان أمام هشاشته الوجودية. غير أن ليلى تباني استطاعت، بقدرتها السردية، أن تحول تلك الصحراء الموحشة إلى واحة أدبية ظليلة، وأن تمزج التاريخ بالذاكرة، والفلسفة بالأسطورة، في تجربة روائية تستحق القراءة والتأمل.

ومن هنا أجدني، وأنا أقرأ «عثماني والهوى نوميدي»، أعود إلى سؤال الكتابة نفسها: هل ثمة اختلاف بين سرد يكتبه رجل ورواية تكتبها امرأة؟ لست من أنصار الفصل العنصري أو الجنسي في الأدب الإنساني، ولا أعتقد أن الإبداع يمكن اختزاله في جنس كاتبه، لكنني أقر بأن ثمة فروقًا دقيقة في الحساسية السردية، يصعب أحيانًا الإمساك بها بالمفاهيم والتعريفات، بينما نشعر بها بوضوح ونحن نقرأ. ففي بعض الكتابات النسوية التي قرأتها، تتسلل إلى السرد حميمية إنسانية مرهفة، حتى حين تدور الأحداث في قلب الصحراء القاحلة أو في ممالك الجن والأساطير؛ حميمية لا تلغي القسوة، لكنها تمنحها وجهًا إنسانيًا، ولا تنكر الصراع، لكنها لا تجعله اللغة الوحيدة لفهم الحياة.

في هذا النوع من الكتابة، لا تتصدر الحرب والحرق والقتل والتدمير والبطولة والنصر والهزيمة المشهد بالضرورة، ولا تتحول الشخصيات إلى أدوات لخدمة صراع محتدم يستعجل نهاياته. ثمة، بدلًا من ذلك، عناية بتفاصيل الحياة الصغيرة، وبالعلاقات الإنسانية، وبالذاكرة التي تسكن الأشياء، وبالأسماء التي تحمل مصائر أصحابها. تتقدم الحكمة والحلم والرفق والحنان، ويصبح الحب والتعاون والعشرة والاهتمام بالآخرين عناصر أصيلة في بناء العالم الروائي. وكأن الكتابة، في إحدى تجلياتها الأنثوية، لا تكتفي بصناعة الشخصيات، بل ترعاها، ولا تكتفي بتحريك الأحداث، بل تمنحها الوقت اللازم لكي تنضج وتكشف عن أسرارها.

ولعل استعارة الأمومة تساعدنا على فهم هذه الحساسية، لا بوصفها صفة بيولوجية ملازمة لكل امرأة، بل باعتبارها طاقة رمزية للرعاية والاحتضان والإنصات. فالرواية، في هذا المنظور، مولود لغوي يحتاج إلى العناية، والشخصيات كائنات لا ينبغي أن تُدفع إلى مصائرها بعنف الكاتب أو استعجاله. ومع ذلك، تظل هذه ملاحظة جمالية قابلة للنقاش، لا قانونًا عامًا؛ فالمرأة قادرة على كتابة العنف، والرجل قادر على كتابة الحنان، والأدب العظيم يتجاوز الحدود الجاهزة ليكشف ما هو إنساني ومشترك بينهما.

في «عثماني والهوى نوميدي» تتجلى هذه الحساسية في الطريقة التي تستعيد بها ليلى تباني شخصية صالح باي، حاكم قسنطينة، لا باعتباره اسمًا في سجل السلطة، وإنما إنسانًا يحمل ذاكرة مثقلة بالندم والحنين، ويقف بين ماضيه الشخصي ومصيره السياسي. إنها تنقل الشخصية من صفحات التاريخ إلى فضاء السؤال الأخلاقي: كيف يجتمع سلطان الحاكم مع هشاشة الإنسان؟ وهل يستطيع المرء أن يهرب من ماضيه، أم أن الماضي يظل مقيمًا في أعماقه، ينتظر لحظة الصمت كي يستعيد صوته؟

في المشهد الافتتاحي، يصبح البحر أكثر من خلفية مكانية؛ إنه ذاكرة عابرة للحدود، وجسر يصل قسنطينة بسميرنا، والماضي بالحاضر، والمنفى بالوطن الأول. تستيقظ في رائحته وأمواجه طفولة صالح باي وندوبه القديمة، وكأن الأماكن التي نغادرها لا تغادرنا بالضرورة، بل تستقر في أعماقنا وتظل قادرة على استدعاء ما ظننا أننا دفناه إلى الأبد.

ومن حكاية الفتى الفقير صالح، وحبه لعائشة، وصداقته بيعقوب، يتشكل جرح تأسيسي يغير مسار حياته. فموت الصديق لا يبقى حادثة عابرة في السرد، بل يتحول إلى سؤال عن الذنب والمسؤولية والهرب والتوبة. وهنا تضعنا الرواية أمام معضلة أخلاقية تتجاوز زمنها التاريخي: هل تكفي نية الإنسان لتبرئة فعله، أم أن مسؤوليته تبدأ من الاعتراف بما ترتب على ذلك الفعل من ألم وخسارة؟

إن قول صالح باي إن البوح أول التوبة يلخص جانبًا مهمًا من الرؤية الأخلاقية للعمل. فالاعتراف ليس ضعفًا بالضرورة، بل قد يكون أول أشكال الشجاعة؛ لأن الإنسان لا يبدأ مصالحة نفسه إلا حين يتوقف عن الاحتماء بالصمت. لكن الاعتراف لا يمحو الماضي ولا يعيد الموتى، وإنما يفتح بابًا لمواجهة الحقيقة وتحمل تبعاتها. ومن هنا لا تبدو الرواية دفاعًا سهلًا عن بطلها، بقدر ما تبدو محاولة لفهمه من دون إعفائه من مسؤولية أفعاله.

وتبلغ الحكاية ذروتها حين يتحول صالح باي من صاحب الأمر والنفوذ إلى رجل يُجرّد من رموز سلطته ويُساق إلى نهايته. فالتاريخ لا يمنح أحدًا حصانة أبدية، والسلطة التي تبدو راسخة قد تنقلب في لحظة إلى ذكرى. وحين يقول صالح: «لا حال يدوم»، فإنه لا يعبر عن خيبة شخصية فحسب، بل يضع أمامنا حقيقة الوجود السياسي نفسه: كل سلطة عابرة، وكل مجد قابل للانطفاء، وما يبقى في النهاية هو أثر الإنسان في الناس والمكان والذاكرة.

وتتعمق هذه الدلالة في السؤال عن الإرث الإنساني: ما الذي نتركه وراءنا حين نرحل؟ وما قيمة القصور إذا غابت العدالة، وما جدوى المجد إذا ترك وراءه دموعًا وأسئلة معلقة؟ إن التاريخ لا يُصنع بالأفعال الكبرى وحدها، بل بما تتركه تلك الأفعال من آثار في حياة البشر، وبما تثيره من أسئلة في ضمير الأجيال اللاحقة.

أما توظيف المخطوط والحكاية والذاكرة، من خلال شخصية مخلوف الذي يدون ما يسمعه من صالح باي، فيمنح الكتابة وظيفة تتجاوز نقل الوقائع إلى مقاومة النسيان. فالحياة تنتهي، لكن الكتابة تستطيع أن تحفظ صوتها، وأن تمنح الأجيال فرصة لإعادة النظر في الأحكام الجاهزة. ومع ذلك، تظل المسافة بين الذاكرة والحقيقة ضرورية؛ فالرواية ليست وثيقة تاريخية بديلة، وإنما عمل فني يعيد تخيل الماضي ويستخرج منه أسئلة الحاضر.

إنني أرى في «عثماني والهوى نوميدي» امتدادًا لتجربة روائية تستحق التقدير، وفي ليلى تباني كاتبة تسعى إلى استنطاق التاريخ واستعادة الإنسان المختبئ خلف الألقاب والأحداث. وما يجمع هذه الرواية برواية «تهنينان» ليس الموضوع التاريخي وحده، بل تلك القدرة على جعل الجغرافيا ذاكرة، والماضي سؤالًا، والشخصية الإنسانية فضاءً للصراع بين ما نريده لأنفسنا وما تفرضه علينا أفعالنا.

وحين نغلق صفحات الرواية، لا يبقى صالح باي مجرد حاكم من زمن مضى، بل يصبح مرآة نسأل أمامها عن معنى العدالة، وحدود القوة، وثمن الخطأ، وإمكان المصالحة مع الذات. وتلك، في تقديري، إحدى علامات الرواية الجديرة بالقراءة: ألا تكتفي بإمتاعنا بحكاية الماضي، بل تجعلنا نعيد التفكير في حاضرنا، وأن تترك فينا شيئًا من القلق النبيل الذي لا تمنحه الإجابات الجاهزة.

فالتاريخ لا ينتهي عند سقوط أصحاب السلطة، والإنسان لا يُختصر في خطيئة ارتكبها أو مجد بلغه. وبين ما نفعله وما نتركه وراءنا تمتد الحكاية الحقيقية؛ حكاية الإنسان الذي يرحل، وتبقى أفعاله موضوعًا لسؤال لا ينتهي، وتبقى الرواية قادرة على أن تمنح صوته حياة أخرى، وأن ترد إلى التاريخ ما قد تسقطه منه السجلات: نبض الإنسان، ووجعه، وحلمه، وحقه في أن يُفهم دون أن يُعفى من المسؤولية.

***

د. قاسم المحبشي

 

في المثقف اليوم