عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

ابتهال عبد الوهاب: لا تؤجل الحياة حتى إشعار آخر

هناك مفارقة غريبة في الوجود الإنساني: أن يقضي الإنسان عمره في محاولة السيطرة على الزمن، بينما الزمن هو الشيء الوحيد الذي لا يستطيع امتلاكه.

 يخترع الساعات ليقيسه، والجداول لينظمه، والتقنيات ليختصره، والخطط ليحاصره، ثم يكتشف، في غمرة هذا كله، أنه لم يعد يملكه

كيف تحول الوقت من مساحة نعيش فيها إلى مورد نستهلكه، ومن نسيج تتشكل داخله خبراتنا وعلاقاتنا وذكرياتنا، إلى وحدات قابلة للقياس والحساب والمقارنة؟ لم نعد نسأل أنفسنا: ماذا عشنا اليوم؟ بل: ماذا أنجزنا؟ لم يعد يكفينا أن نشعر بالرضا عن لحظة جميلة، بل نريد أن نبررها باعتبارها وقتا لم يذهب سدى. وكأن للحياة قيمة لا يمنحها لها الشعور، وإنما تمنحها لها قائمة المهام حين نضع أمام بنودها علامات الإنجاز.

والمفارقة أن الإنسان الذي صنع الآلات لتوفير وقته، لم يحصل بالضرورة على وقت أكثر لحياته، بل اكتشف أن كل دقيقة يوفرها تفتح أمامه بابا لمهمة جديدة، وكل عمل ينجزه يستدعي أعمالا أخرى، وكل وسيلة تختصر المسافة ترفع سقف التوقعات وتطالبه بالمزيد. لقد صار الإنجاز، الذي كان وسيلة لتحسين الحياة، غاية تستنزفها، وصارت الراحة مكافأة مؤجلة لا تأتي إلا بعد الانتهاء، بينما لا تنتهي الأشياء أبدا.

إن أخطر ما يسرقه العصر الحديث من الإنسان ليس الوقت، بل إحساسه بأنه يملكه، وقدرته على أن يكون حاضرا فيه

نحن لا نعيش الزمن دائما، بل نطارده. نتناول طعامنا ونحن نفكر فيما ينبغي إنجازه بعده، ونجلس مع أحبائنا وأعيننا معلقة بالشاشات، ونستمع إلى من يحدثنا بينما تتوزع عقولنا بين إشعار جديد ورسالة لم نرد عليها ومهمة تنتظرنا في مكان آخر. حتى اللحظات التي يفترض أن تكون ملاذا من ضجيج العالم، صرنا نحولها إلى فرص إضافية للعمل أو التصفح أو متابعة ما يفعله الآخرون.

لقد دخل التشتت إلى حياتنا حتى أصبحنا نخلط بين كثرة الحركة وثراء التجربة، وبين امتلاء اليوم وامتلاء الحياة. قد يمضي المرء ساعات طويلة في التنقل بين آلاف الصور والأخبار والمقاطع، فيعرف تفاصيل حياة أشخاص لم يلتقهم قط، بينما يعجز عن الإصغاء إلى نفسه لدقائق. وقد يقطع العالم من أقصاه إلى أقصاه في فضاء رقمي مفتوح، لكنه لا يقترب خطوة واحدة من السؤال الذي يتجنبه: ماذا أريد حقا من حياتي؟

نقول: حين أتفرغ سأعيش. حين تتحسن الظروف سأهتم بنفسي. حين أحقق ما أسعى إليه سأستريح. حين تنتهي هذه المرحلة سأمنح أحبائي وأصدقائي ما يستحقونه من وقتي.

 لكن كل مرحلة تلد مرحلة، وكل نهاية تفتح بابا لبداية أخرى، وكل هدف نبلغه يكشف لنا عن أهداف جديدة. وهكذا يتحول المستقبل إلى مستودع نلقي فيه كل ما لا نجرؤ على عيشه في الحاضر، ثم نمضي إليه دون أن نصل.

نتعامل مع الحياة أحيانا كما لو كانت مشروعا ينبغي استكماله قبل أن نستمتع به، مع أن الحياة ليست مشروعا خارجنا، ولا مرحلة تمهيدية تسبق الوصول إلى شيء آخر. إنها هذا الذي يحدث الآن، في اللحظة التي لا ننتبه إليها، وفي الحديث الذي نختصره، وفي الشجرة التي نعبر بجوارها دون أن نراها، وفي وجه عزيز نؤجل النظر إليه لأن لدينا ما هو أكثر أهمية. ثم نكتشف متأخرين أن بعض الوجوه لا تعود، وأن بعض الأبواب لا تظل مفتوحة إلى الأبد

ومن منظوري الخاص اعتقد ان الحياه لا تستمد قيمتها من وعد مؤجل، ولا من تعويض غيبي عن أيام لم نحسن عيشها، وإنما من قدرتنا الفعلية على أن نصنع فيها معنى، وأن نختبر المحبة والمعرفة والجمال والحرية، وأن نخفف الألم عن أنفسنا وعن الآخرين. نحن لا نملك دليلا على أن هناك حياة أخرى ستعيد إلينا ما أهدرناه من هذه الحياة، ولذلك تصبح مسؤوليتنا تجاه حاضرنا أكثر إلحاحا

لقد تحرر الإنسان من كثير من القيود القديمة، لكنه ابتكر لنفسه قيودا جديدة أكثر خفاء؛ قيودا لا تأتي دائما في صورة أوامر خارجية، بل تسكن داخله في هيئة طموح لا يشبع، ومقارنة لا تنتهي، وخوف من التأخر عن الآخرين، وشعور دائم بأنه لم يفعل ما يكفي. صار يراقب حياته كما يراقب الموظف أداءه، ويحاسب نفسه كما لو كان مسؤولا عن تعويض كل دقيقة لم تنتج شيئا قابلا للقياس

من قال إن الحياة سباق؟ ومن وضع خط النهاية؟

 ومن أقنعنا بأننا إذا توقفنا قليلا فسوف نفقد مكاننا في العالم؟ إن كثيرا من المعارك التي تستنزف أعمارنا لا تستحق كل هذا الاستنزاف، وكثيرا من الأهداف التي نركض وراءها لم نخترها بوعي، بل ورثناها من مجتمع يقدس النجاح الظاهر، ويكافئ الانشغال، ويشك في كل إنسان يجرؤ على أن يعيش بإيقاع مختلف

التحرر الحقيقي يبدأ حين نستعيد حقنا في السؤال: هل هذه الحياة التي أعيشها تشبهني؟ هل ما أطارده يستحق ما أدفعه من عمري؟ هل أعمل لأنني أؤمن بما أفعله، أم لأنني أخشى أن أبدو أقل نجاحا من الآخرين؟ وهل أؤجل سعادتي من أجل غاية تستحق، أم أنني اعتدت التأجيل حتى صار جزءا من هويتي؟

هذه الأسئلة ليست دعوة إلى الكسل، بل إلى الوعي؛ لأن أخطر أشكال الضياع أن يمضي الإنسان في الاتجاه الصحيح لكن نحو غاية لا يريدها

استعادة الحياة تبدأ حين نتوقف عن الاعتقاد بأن الحياة لا تستحق أن تُعاش إلا بعد أن نفرغ من كل شيء.

فلا شيء يكتمل تماما، ولا عالم يخلو من المطالب، ولا مرحلة تأتي خالية من القلق والمسؤوليات. وإذا اشترطنا على أنفسنا أن تتحقق الظروف المثالية كي نعيش، فسوف نمضي العمر في انتظار عالم لا وجود له.

لقد أقنعنا منطق الاستهلاك بأن السعادة شيء ينتظرنا بعد اقتناء المزيد، وأقنعنا منطق المنافسة بأن الرضا علامة على التوقف، وأقنعنا خطاب النجاح بأننا لا نستحق الراحة قبل أن نثبت جدارتنا بها. وهكذا أصبح الإنسان يطارد صورة مثالية لحياته،. حتى يكتشف فجأة ان عمره تسرب

ربما لن يأتي اليوم الذي ننتهي فيه من كل شيء. ستظل هناك أعمال ناقصة، ورسائل مؤجلة، وأحلام تحتاج إلى شجاعة، ومسؤوليات لا يمكن التنصل منها. وسيظل المستقبل، بطبيعته، مفتوحا على ما لا نعرفه. لكن ما لا ينبغي أن يظل مفتوحا إلى الأبد هو قرارنا بأن نعيش.

ليس علينا أن ننتظر اكتمال الظروف كي نمنح الحياة شيئا من انتباهنا، ولا أن نبلغ نهاية الطريق كي نسمح لأنفسنا بالشعور بجدوى الرحلة

أنت لا تسير نحو الحياة؛ أنت تعيشها الآن، حتى في اللحظات التي تتوهم أنك تستعد لها.

وهذه، ربما، هي الحقيقة التي نحتاج إلى استعادتها قبل فوات الأوان: أن نكف عن تأجيل وجودنا، وأن نتصالح مع نقص العالم، وأن نمنح الحاضر حقه، لا لأنه أبدي، بل لأنه الشيء الوحيد الذي نستطيع أن نعيش فيه فعلا.

ولأننا لا نملك العمر مرتين، فلعل أكثر أشكال الحكمة إنسانية أن نعمل دون أن نستعبد أنفسنا للعمل، وأن نحلم دون أن نحتقر حاضرنا، وأن نسعى إلى المستقبل دون أن نضحي به كل يوم، وأن نفهم أخيرا أن النجاح الحقيقي ليس أن نصل إلى نهاية الطريق وقد أنجزنا كل شيء، بل أن نصل إليها وقد عشنا شيئا يستحق أن نتذكره.

عيشوا وافرحوا واحلموا، وأحبوا ما استطعتم إلى الحب سبيلا، ولا تؤجلوا ضحكاتكم حتى تنتهي الأحزان، ولا أفراحكم حتى تستقيم الحياة، فالحياة لا تستقيم تماما، ولا تخلو من وجع، ولا تمنحنا ضمانات بأن الغد سيأتي كما نشتهي.

امنحوا أنفسكم حق الدهشة، وامشوا نحو الأشياء التي توقظ أرواحكم، واقرأوا ما يوسع عقولكم، واقتربوا ممن يمنحون أيامكم معنى، وارحلوا عن كل ما يستنزف إنسانيتكم.

ولا تسمحوا لضجيج العالم أن يقنعكم بأن الحياة سباق لا بد أن تصلوا فيه إلى خط النهاية قبل الآخرين.

لا تجعلوا أعماركم رهينة للخوف، ولا تستنزفوا حاضركم في مطاردة مستقبل لم يصل بعد، ولا تهدروا أرواحكم في انتظار اللحظة المثالية؛ فليس هناك حياة مثالية، بل حياة نحاول أن نصنع فيها شيئا يستحق أن يُعاش.

عيشوا لأن الحياة ليست بروفة لعرض قادم، وليست محطة انتظار لما هو أفضل؛ إنها العرض الوحيد الذي نملكه، والرحلة التي لا نعرف كم بقي منها.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

في المثقف اليوم