نعيش جميعاً في عالم سريع وتيرة الإيقاع، تتزايد فيه الضغوط والتوترات وتتعدد فيه المسؤوليات والمهام، ونجد أنفسنا أحياناً أمام قرارات يتطلب بعضها الحسم السريع والمرونة والفطنة في اتخاذ قرارات متعجلة ولا تنتظر التأخير، بينما يحتاج بعضها الآخر إلى التروي والتمهل وجمع المعلومات وتحليل الخيارات والروية في اتخاذها. أحببت من خلال هذا المقال أن أظهر لكم عبر مشاركتي في لقاء إذاعي عبر راديو أجيال بفلسطين أن القرارات التي تكون تحت الضغوط والتوترات جد خطيرة ولا بد من التوازن ما بين سرعة الحسو وجودة القرار.
فالسؤال الذي يتبادر للأذهان: كيف نتخذ قراراً ناجحاً عندما نكون تحت الضغط؟ وهل السرعة دائماً تعني الكفاءة والفعالية؟ إن الحقيقة أن الضغط قد يؤثر في طريقة تفكيرنا ورؤيتنا للأحداث والمواقف التي تمر معنا ونتفاعل معها، وقد يدفعنا الأمر إلى تضخيم المشكلة، وتوقع أسوأ النتائج، أو اتخاذ قرارات متسرعة اعتماداً على معلومات غير مكتملة أو أكيدة.
عندما يضغطنا الوقت... يضيق التفكير وتصبح الأمور ضبابية لا يرى منها شيء واضح وجلي، وعندما يكون الإنسان تحت ضغط شديد، قد يصبح أكثر تهوراً واندفاعاً وأقل قدرة على رؤية الصورة الكاملة. بل قد يكون مدفوع بسباق مع الزمن وعجلة من أمره من أجل أن ينتهي من الموقف ويتخذه دون إحاطة أو وعي. وقد يركز على الخطر أو المشكلة التي أمامه، دون أن يمنح نفسه الوقت الكافي للبحث عن البدائل واختيار الأنسب منها.
ولهذا فإن أول خطوة في اتخاذ القرار تحت الضغط هي التوقف والتروي للحظات واستعادة الهدوء والتوازن الانفعالي والنفسي. فليس كل قرار يحتاج إلى إجابة فورية، وليس كل تأخير ضعفاً أو تردداً. وقد يكون في أحيان متعددة أن التأجيل لفترة قصيرة هو عين الحكمة في عدم اتخاذه.
ليس كل قرار يحتاج إلى الوقت نفسه، فمن الأخطاء الشائعة التعامل مع جميع القرارات بالطريقة نفسها. فهناك قرارات يمكن اتخاذها خلال ثوانٍ، وقرارات تحتاج إلى ساعات أو أيام، وهناك قرارات مصيرية تحتاج إلى قدر أكبر من التروي والدراسة وجمع البينات والمعلومات.
ولمعرفة الوقت المناسب لاتخاذ القرار، يمكن أن نسأل أنفسنا ثلاثة أسئلة مهمة وأساسية:
أولاً: ما درجة خطورة القرار؟ هل يتعلق القرار بسلامتي أو سلامة الآخرين؟ هل يمكن أن يترتب عليه خسارة مالية أو مهنية أو اجتماعية كبيرة؟ كلما ارتفعت المخاطر، ازدادت الحاجة إلى التروي والتمهل وجمع المعلومات.
ثانياً: هل القرار قابل للتراجع؟ هناك قرارات يمكن تعديلها أو التراجع عنها بسهولة، وهناك قرارات يصعب إصلاح نتائجها بعد اتخاذها. فالقرار القابل للتراجع يمكن أن يكون أكثر مرونة، بينما القرار الذي يصعب التراجع عنه يحتاج إلى دراسة أعمق وإحاطة شاملة بالموضوع ذات العلاقة باتخاذ القرار.
ثالثاً: ما خطورة تأخير القرار؟ كما أن التسرع قد يكون خطيراً وملف على مستوى الوقت والمال وغيره، فإن التأخير أيضاً قد يؤدي إلى خسارة فرصة أو إضاعة صفقة تجلب النجاح والفائدة أو تفويت موعد مهم. فالحكمة ليست في أن نقرر بسرعة دائماً ونتعجل في أمرنا وقراراتنا، ولا في أن نؤجل ونتأخر في مواعيدنا وشؤون حياتنا المهنية والاجتماعية، وإنما في أن نوازن بين خطورة اتخاذ القرار أو تأجيله. لا نحتاج إلى كل المعلومات... ولكن نحتاج إلى المعرفة المهمة التي تسعفنا في إدارة الموقف والقدرة على التعامل مع الأمور بوعي وادراك وحكمة.
من الأخطاء التي يقع فيها البعض انتظار اكتمال جميع المعلومات قبل اتخاذ القرار. وفي الواقع، قد لا نصل أبداً إلى معلومات كاملة. المطلوب ليس أن نعرف كل شيء، وإنما أن نمتلك قدراً كافياً من المعلومات ذات الصلة يساعدنا على فهم المشكلة، وتقدير البدائل، واتخاذ قرار أكثر عقلانية.
يمكن أن نسأل:
- ما الذي أعرفه؟
- ما الذي لا أعرفه؟
- ما المعلومات الضرورية فعلاً؟
- ما البدائل المتاحة والمناسبة؟
- ماذا سأكسب من كل خيار؟
- ماذا يمكن أن أخسر؟
- ما النتائج المحتملة لكل بديل؟
هذه الأسئلة البسيطة قد تمنعنا من اتخاذ قرارات كبيرة تحت تأثير لحظة انفعالية ومتسرعة.
من الانفعال إلى التفكير قد يكون هناك فرق بين أن نشعر بالخوف أو الغضب أو القلق، وبين أن نسمح لهذه المشاعر بأن تقود قراراتنا. فالشخص الذي يتعرض للضغط قد يرى المشكلة أكبر من حجمها الحقيقي، وقد يتوقع سيناريوهات كارثية، وقد يتعامل مع خيار واحد وكأنه الخيار الوحيد.
لذلك فإن تنظيم الانفعال لا يعني إلغاء المشاعر، وإنما يعني ألا نسمح للمشاعر اللحظية بأن تتولى قيادة القرار والسيطرة عليه. حتى الشخص سريع الانفعال يستطيع أن يتدرب على التوقف قبل الاستجابة، ومن أبسط التدريبات العملية أن يمنح نفسه ثوان قليلة قبل الرد أو اتخاذ القرار، خاصة في القرارات الصغيرة والمواقف اليومية.
قاعدة بسيطة: توقف قبل أن تقرر، ويمكن أن نضع لأنفسنا قاعدة عملية: في القرارات الصغيرة: توقف وفكر قبل أن تستجيب. وفي القرارات المتوسطة: اجمع المعلومات الأساسية وقارن البدائل. أما في القرارات المصيرية: لا تتخذ القرار تحت تأثير الانفعال؛ امنح نفسك الوقت الكافي للدراسة والمراجعة والاستشارة.
فقرار شراء شيء بسيط ليس كقرار بيع منزل، أو تغيير وظيفة، أو الدخول في مشروع، أو اتخاذ قرار أسري مهم كازواج ونحوه. إن القرار الجيد يمر بمراحل ويمكن تبسيط عملية اتخاذ القرار في سلسلة من الخطوات:
توقف → حدد المشكلة → اجمع المعلومات → حدد البدائل → قيّم النتائج → اختر البديل الأنسب → اتخذ القرار → راجع النتيجة. وهنا يجب أن نتذكر أن التفكير المنطقي لا يعني تجاهل الجانب الإنساني أو العاطفي، بل يعني تحقيق التوازن بين العقل المنطقي والعاطفي المشاعري.
ماذا نفعل عندما نكون تحت ضغط شديد؟ إن المهم عندما تجد نفسك أمام قرار وأنت غاضب أو خائف أو شديد التوتر، جرب الآتي:
- توقف قليلاً ولا تستجب بشكل فوري إذا لم يكن هناك خطر عاجل.
- اضبط انفعالك من خلال التنفس الهادئ أو الابتعاد عن الموقف للحظات حتى تكون الصورة واضحة وجلية.
- حدد المشكلة الحقيقية بعيداً عن المبالغة أو التهويل والتضخيم.
- اجمع المعلومات الأساسية وليس كل المعلومات التفصيلية الممكنة.
- حدد البدائل المتاحة بدلاً من التفكير في خيار واحد فقط حتى يتمكن المرء من إعطاء فرصة لنفسه من إيجاد بدائل للموقف والمعضلة التي يمر بها.
- قارن بين المكاسب والخسائر لكل خيار حتى ندرك أهمية القرار المتخذ بطريقة واعية وسليمة.
- اسأل عن قابلية التراجع عن القرار خاصة إذا كان من الممكن العودة للوضع الطبيعي دون خسائر كبيرة ومكلفة.
- فكر في تكلفة التأخير كما تفكر في تكلفة التسرع.
- استشر شخصاً موثوقاص صاحب علة ودراية وخبرة عندما يكون القرار كبيراً أو معقداً.
- اتخذ القرار ثم راجع نتائجه وتعلم منه حتى تكون من وراء ذلك دروس وعبر نتعلم منها للقادم من القرارات.
قبل أن تتخذ قراراً مصيرياً.. اسأل نفسك قبل اتخاذ قرار كبير في حياتك، اسأل:
هل أنا هادئ الآن؟
هل أملك المعلومات الأساسية؟
هل أعرف البدائل؟
هل القرار قابل للتراجع؟
ماذا يحدث إذا أجلت القرار؟
هل أنا أتخذ القرار بناءً على حقائق أم تحت تأثير الخوف والغضب؟
إذا كانت الإجابة عن هذه الأسئلة واضحة، فأنت أقرب إلى اتخاذ قرار متزن.
في النهاية إن اتخاذ القرار تحت الضغط ليس مهارة فطرية فقط، بل مهارة يمكن تعلمها والتدرب عليها.
فالإنسان لا يستطيع دائماً التحكم في الظروف والضغوط التي تحيط به، لكنه يستطيع أن يتعلم كيف يستجيب لها.
وقد يكون أفضل قرار في بعض اللحظات هو ألا تتخذ القرار فوراً. وتوقف قليلًا... تنفس... اجمع ما تحتاجه من معلومات... انظر إلى البدائل... ثم قرر.
فليس المهم أن تكون سريعاً في اتخاذ القرار، وإنما أن تكون واعياً بما يكفي لتعرف متى تسرع، ومتى تتأنى.
***
د. أكرم عثمان
مستشار وخبير تطوير ومدرب دولي في التنمية البشرية
16-10-2026








