عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

روان ليلى: نيتشه مرساة الفن

"الذين شوهدوا وهم يرقصون، كانوا معتوهين في نظر الذين لم يستطيعوا سماع الموسيقى[1]. "

نص نيتشوي يتكرر كلما ذكرنا هذا الفيلسوف المؤرق بافكاره حامل المطارق، نحات الافكار ومشكل الانسان الاعلى..

قبل اكتشاف نصل الجز، ولع هذا الشقي منذ نعومته بالموسيقى فهو لأب يعزف انغام البيانو في الكنائس، القس كارل لودفيغ نيتشه؛ تدربت اذني نيتشه الصغير على الموسيقى لكن كارل اختطفه الموت قبل ان يكمل نيتشه عامه الخامس؛ بعد ذلك اصبحت امه اول معلم موسيقي لفريدريك، علمته العزف على آله البيانو.

وكان للتراث الاغريقي مكانه خاصه عند نيتشه، اذ انه رفض كل الرفض اي محاولات للتغيير بالموسيقى الكلاسيكيه، حيث رأى ان الموسيقى ليست رفاهيه انما هي انعكاس لجوهر الانسان وقوته النفسيه، وان امتزاج ثنائية ديونيسوس وأبولون ولدت التراجيديا الاغريقية الاصيلة،

ف الروح الديونسية: تمثل الجوهر العميق للحياة، والتعبير الفطري عن الإرادة الإنسانية من خلال الموسيقى، اما الروح الأبولونية: تمثل الوضوح، والحدود، والفنون البصرية والشعرية التي تضبط الفوضى[2].

لابسط قول نيتشه فأن الروح الديونيزية (نسبة إلى "ديونيسوس"، إله الخمر والخصب والنشوة عند الإغريق)، هي الفطره روح البهجه والصخب، الحياه الصحيه نفسيا وذهنيا دون تشويهها بالاخلاق الموروثه وسطوة العقل..

ومن هنا يتصل نقد نيتشه لسقراط وأفلاطون بموقفه من التراجيديا والموسيقى فالمسألة عنده لم تكن خلافا فلسفيا حول العقل والأخلاق فحسب بل كانت سؤالا عن الطريقة التي تغير بها الإنسان في علاقته بالحياة والفن

رأى نيتشه أن التراجيديا اليونانية في صورتها الأولى كانت تقوم على تآلف الروح الأبولونية والديونيزية وكانت الموسيقى تحمل فيها صوت الجانب الديونيسي بما فيه من نشوة وألم وقوة واحتفاء بالحياة لكن مع صعود السقراطية شعر نيتشه أن هذا التوازن بدأ يتراجع لصالح العقل والجدل والتفسير المنطقي للحياة فخسرت التراجيديا شيئا من طاقتها العميقة وتحولت تدريجيا من مواجهة المأساة إلى محاولة تفسيرها وتبريرها

ومن هنا أصبحت الموسيقى عند نيتشه أكثر من مجرد فن سمعي إنها وسيلة لاستعادة ما تعجز اللغة والعقل وحدهما عن التعبير عنه وإبقاء الصلة حية بين الإنسان والجانب التراجيدي والغامض من وجوده لذلك لم يكن دفاعه عن الموسيقى منفصلا عن نقده للفلسفة العقلانية بل كان جزءا من مشروعه لإعادة الفن إلى موقعه بوصفه تعبيرا أصيلا عن الحياة.

قرأ فريدريك الموسيقى قبل ان يكون فيلسوفا وكان عازفا جيدا، وان هذا الارتباط بينه وبين الموسيقى كما كان يقول "بدون موسيقى، ستكون الحياة خطأً" ولد لديه رغبه بتأليفها بطريقته الخاصه..

بدأ نيتشه الشاب بتأليف المقطوعات الموسيقيه القصيره منها الى الكورال، الدراميه والاوركستيه.. ولم نعتقد ان نيتشه الغاضب والصارم كان مرهفا، واختار ان يجمع بين فلسفته والنغمات ليعبر عن خلجاته ومعتقل افكاره، لذا كتب اكثر من سبعين مؤلفا يخفف الم الحياة فيها.

سوف استعرض لكم جزء من هذه المقطوعات الروحيه:

لتضحكي اذن او لتضحكي قليلا

So lach doch mal 1862.

على الرغم من ان نيتشه كان يهاجم الموسيقى الرومانسيه الالمانيه وبالاخص صديقه وغريمه الذي نظر اليه نظرت المعلم الاسمى في فتره شبابه" فاغنر" الا انه اصبح من اشد المنتقدين لموسيقاه الرومانسيه إثر خلافات اراء بينهم كما يذكر وبالاخص قبول فاغنر التعاون مع الكنيسه التي كان نيتشه يدقها دق المسمار بالخشب الا انه بكتاباته الموسيقيه ظل نيتشه وفيا للمدرسه الرومانسيه الالمانيه متاثرا بموسيقى فاغنر وشوبان الساحره والف هذه المقطوعه الموسيقيه ذات الطابع الدافئ والحنين،

تعزف هذه المقطوعه على البيانو والتي كالت اله رومانسية حساسة للتعبير الفردي ومشهورة في عهد نيتشه وهي قصيره.. مدتها لا تزيد عن دقيقه الا بثوان، كان نيتشه رومانسياً بامتياز في أسلوب تأليفه الموسيقي، وتأثر كثيراً برواد ذاك العصر.

بعد ان سمعت المقطوعة راودني شعور حزين، دافئ، ملهم، شعور امتزاج الدموع بالابتسامة، اراها حاضرة كلما شعرت بحاجه ملحة للاحتضان والتربيت برفق، اعاود الاستماع اليها فهي موسيقى ذات شعور مرهف حساس كانما يقول لك نيتشه اضحك ارجوك، لا تحزن..

وعلى الرغم من جمالية هذه المقطوعة الا ان النقاد اعتبروها خاليه من التكنيك وانها محاولات فاشله مبنيه على الارتجال العفوي وليس البناء المدروس.

تأملات مانفريد[3]

Manfred-Meditation،1872

ايام المراهقه قرأ نيتشه قصيدة مانفريد للشاعر الإنجليزي لورد بايرون،وكان منجذبًا جدًا لهذه الشخصية التي امتلكت قدرات عجيبة لكنه لم يكن سعيدا فيها. وفي كتاباته المبكرة وصف مانفريد بأنه شخصية الانسان الاعلى حتى قبل ان يتعمق بالفكرة ويرسخها في فلسفته في كتاب "هكذا تكلم زرادشت".

كان يرى نيتشه فيه الانسان الثابت الذي لا يخضع او يتزعزع عن ارادته حتى امام اكبر قوة في العالم. عكست مقطوعة مانفريد فلسفه نيتشه والهمته الكثير، هذا البطل البائس الذي حاول الانتحار لكن ولسوء حظه انقذه راع اهوج من الموت وكتب عليه الاستمرار بعذاب الضمير، واخيرا يغادر مانفريد الحياة مع اله الجحيم رافضا الخضوع له او للموت او اي شي لقد مات مانفريد وهو واقف على ارادته..

أٌلفت المقطوعة رباعيه الايد( تتطلب عازفان)، تتميز الموسيقى بالوقع الدرامي، العبثي والمضطرب.. فهناك شعور يصل منها بالتوتر والعنف، الغضب الذي يمكن تفسيره بغضب مانفريد تجاه نفسه لارتكابه خطيئه وحزنه على وفاة حبيبته\ اخته وعجزه عن النسيان او مسامحه ذاته،

ارسل نيتشه هذه المقطوعة ل"هانز فون بيلو" وهو أحد أبرز قادة الأوركسترا وعازفي البيانو الألمان في القرن التاسع عشر (العصر الرومانسي). فرد عليها الاخير برسالة قطع فيها على الفيلسوف كل اماله ووصفها بانها " أقصى درجات الإسراف والغرابة الخيالية، وأكثر ما رآه منذ مدة منفّرًا ومعاديًا للموسيقى". وقال أيضًا" إنه تساءل هل كانت مزحة أو محاكاة ساخرة ل موسيقى المستقبل، وهل تعمّد نيتشه مخالفة قواعد التأليف". ووصفها بأنها «نتاج حُمّى موسيقية»، وقال إن قيمتها من الناحية الموسيقية لا تتجاوز «جريمة في العالم الأخلاقي".

لا تنتهي القسوة عند هذا الحد بل يقول «ومرة أخرى، لا تأخذوا كلامي بسوء.أنتم أنفسكم وصفتم موسيقاكم بأنها "فظيعة"، وهي كذلك بالفعل، بل إنها أفزع مما تتصورون.ليست ضارة بالمجتمع، لكنها أسوأ من ذلك: إنها ضارة بكم أنتم، إذ لا يمكنكم أن تقتلوا فائض وقت فراغكم بطريقة أسوأ من أن تستعملوه بهذه الطريقة في اغتصاب إيوتربي، ربة الموسيقى"[4].

ترنيمة الى الحياة[5]

Hymnus an das Leben، 1887

في عام 1882تعرف فريدريك على الفيلسوفه، الكاتبة والمفكرة " لو سالومي"، وفي ذات السنه الفت سالومي قصيدة بعنوان " ترنيمة الى الحياة" ووقع نيتشه الشاب المرهف بالغرام ثم اخذ القصيدة ولحنها موسيقى للكورال والاوركسترا؛

و تعتبر هذه المقطوعة مهمه بحياة نيتشه ليس فقط لانها تمثل فترة تعارفه مع سالومي وايضا اراد اثبات نفسه ك مؤلف موسيقي.. ابصرت هذه الترنيمة النور عام 1887، حيث ارسلها فريدريك مرة ثانية بشغف مراهن على نجاحها ل"هانز فون بيلو" ولكن الرد جاء باردا،

طلب بيلو من زوجته" ماري" ان تكتب رسالة لتبلغ نيتشه معتذر ان هانز مشغول ولا يستطيع الرد عليه وهكذا تجاهل هانز تماما مقطوعة نيتشة.

لم يكن الاستسلام من شخصية نيتشة بشيء فقد ارسل نسخه الى يوهانس برامز، طالبا رأيه، وتميز اسلوب برامز بالدبلوماسية واللطف بدون تجريح اذ انه اكتفى بشكر نيتشه على ارسال المقطوعة واعتقد نيتشه المعتد بنفسه دوما ان هذا الرد كان اطراء استثنائي وتقدير كبير.

موسيقى هذه المقطوعة تعزف ل ستة دقائق، موسيقى اوركسترا، تثير في داخلك امتزاج الهدوء بالحزن العميق، تدخل بعالم الصمود وسط العاصفه وهياجها وهذا ما كانت سالومي تشير اليه بقصيدتها.. ان تتقبل سالومي الحياة كما هي، بحزنها وفرحها، الا تترك ذراعها حتى في اشد الانكسارات، ان تحبها كما يحب الصديق صديقه.

من الواضح ان الفيلسوف حاول جاهدا تاليف الموسيقى ولم يكتف بعزفها فقط لكن موسيقاه كانت دائما ما تلاقي النقد من الموسيقيين ونفور من الجمهور.. وصفت موسيقاه بالخياليه المتأثره باسلوب فاغنري رومانسي ولكن بشكل فوضوي، التركيب البنائي ضعيف جدا فهي اقرب لمحاولات فضولية ولكنها لا ترتقي لكونها موسيقى فعليه كما يعلق ناقديه ومن بينهم فاغنر الصديق اللدود الذي لم يستطع نيتشه حتى بعد انتهاء صداقتهما الانفصال عن موسيقاه، فهي تشده اليها شدا.. وبالرغم من رأي النقاد الا اننا نستمع لنيتشه نحن الفوضويين، معدمي القدرة البنائيه لتركيبه الموسيقى الاكاديمية ومع ذلك نعجب بها فهل نحن نحب موسيقاه بسبب كتاباته الموسيقية ام لاننا نشعر بحضرتها ان هناك من حاول توصيل افكاره عبر شفرات نغميه؟ هل هو الشعور ام الاحترافية؟

نترك الابواب مفتحه للتفكير بالامر وللتعرف على نيتشة فتى الموسيقى.

تمت

***

روان ليلى - العراق / بغداد

...........................

[1] http://www.goodreads.com/quotes/7517004

[2] الفصل الاول-مولد التراجيديا

[3]https://www.scribd.com/document/891413431/%D0%9C%D0%B0%D0%BD%D1%84%D1%80%D0%B5%D0%B4-%D0%9B%D0%B5%D1%82%D0%B5%D1%80%D0%B0

[4] 1- http://Selected Letters of Friedrich Nietzsche. Translated by Anthony M. Ludovici. London: Heinemann، 1921. (الرسالة رقم 29، صفحة 71-  73)،

2- (لماذا انا ذكي جدا) فصل- كتاب هو ذا الانسان

[5] https://circumferencemag.com/my-lips-and-all-youd-loved-them-for/

في المثقف اليوم