يذكرنا الفيلسوف الإيطالي جياني فاتيمو في كتابه افول الوعي بأن الطغيان لم يعد بحاجة إلى جيوش جرارة أو سجون مظلمة لفرض سيطرته. بل يكفيه اليوم شاشة صغيرة وبرمجيات ذكية تعيد صياغة وعي الإنسان دون أن يشعر بعبوديته. واليوم ونحن نراقب المشهد الثقافي نجد أنفسنا أمام المعضلة ذاتها التي حذر منها فلاسفة التنوير: كيف يمكن للمثقف الحقيقي أن ينجو بوعيه في عصر تحولت فيه المعرفة إلى مجرد تريند عابر، واستبدلت فيه الأفكار المستنيرة بضجيج المنصات الرقمية؟
في القدم كان المثقف – من فولتير وسارتر إلى طه حسين وعلي الوردي – يمثل القلق المعرفي والبوصلة التي توقظ المجتمعات من سباتها الفكري. كانت المواجهة بين المثقف والسلطة واضحة المعالم سلطة تملك أدوات القمع، ومثقف يملك سلاح الكلمة والموقف. لكن اليوم فقد تبدلت اللعبة تماماً إذ لم تعد السلطة الرقمية الحديثة بحاجة إلى مصادرة كتاب أو إغلاق صحيفة، بل أصبحت تمارس الرقابة بالإغراق، أي إغراق الفضاء العام بملايين التغريدات والمنشورات التافهة والمضللة، حتى يضيع صوت المثقف الرصين في زحام الصخب والتهريج الإلكتروني.
إن الجريمة الكبرى التي ترتكبها خوارزميات التوجيه اليوم هي تحويل الثقافة من فعل حفر ونقد وتفكيك، إلى بضاعة استهلاكية خفيفة تخضع لقوانين الإعجاب والمشاركة السريعة. في هذا المستنقع الرقمي، تراجعت قيمة الكتاب العميق لحساب الجملة السطحية الاستعراضية، وتحول بعض أشباه المثقفين إلى مؤثرين يلهثون وراء رضا الجمهور والمشاهدات، متنازلين عن دورهم التاريخي كقادة للتنوير ليصبحوا مجرد أسرى في قطيع مبرمج تصنعه خوارزميات صامتة وخفية.
لذا يصبح واجب المثقف الحقيقي اليوم ليس الانعزال على أطلال الماضي، بل خوض معركة شرسة لاسترداد العقل الإنساني من أسر الاستلاب الرقمي. إنها معركة الدفاع عن الشك المنهجي في وجه اليقينيات الزائفة التي تبثها الشاشات. لن يعود للمثقف دور إلا إذا استعاد شجاعته المعرفية، وترفع عن مستنقع الشعبوية الرقمية، ليعيد للكلمة عمقها وللفكر كرامته. فالوعي ليس ترفاً، بل هو السلاح الوحيد المتبقي لنا كي لا نتحول إلى مجرد أرقام في حسابات القوى التي تدير العالم من وراء الستار.
***
دكتور أحمد فاتح محمد








