في البداية، أتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى الأستاذة نورجان سرغاية، صاحبة هذه الدعوة الكريمة، وإلى الأستاذ علي الحاج حسين، وإلى القائمين على منتدى حوارات «قضية ورأي»، على جهودهم التنويرية الرامية إلى استعادة قيمة الحوار العقلاني في زمن طغت فيه الضوضاء على المعرفة، والاستقطاب على الاختلاف، والأحكام المسبقة على فضيلة السؤال. إن تخصيص مساحة لمناقشة أسباب التخلف في المجتمعات العربية والإسلامية، وإتاحة المجال أمام الآراء المتباينة لتتجادل بالحجة لا بالخصومة، يمثلان عملاً ثقافياً يستحق التقدير؛ فالمجتمعات التي تفقد القدرة على الحوار تفقد، تدريجياً، قدرتها على فهم نفسها وتغيير واقعها.
استمعت باهتمام إلى الاستاذ موفق زريق واليكم وجهة نظري في القضية التخلف حالة تاريخيّة وليس صفة جوهرية في العرب أو المسلمين، فالشعوب لا تولد متقدمة أو متخلفة، وإنما تتشكل شروط تقدمها أو تعثرها عبر مسارات تاريخية معقدة تتداخل فيها السياسة والاقتصاد والثقافة والتعليم وطبيعة المؤسسات والعلاقة بين الفرد والسلطة. ولذلك فإن السؤال الذي يشغلني ليس فقط: لماذا تأخرنا؟ بل كيف صنعنا شروط تأخرنا، ولماذا عجزنا عن تحويل معرفتنا بتاريخنا وتجاربنا إلى قوة قادرة على تغيير حاضرنا؟
معلوم إن الناس حين يعجزون عن تغيير واقعهم، يعمدون أحياناً إلى تغيير الكلمات التي تصفه. وهكذا يتحول العجز إلى حكمة، والهزيمة إلى صمود، والفساد إلى توافق، والانهيار إلى مرحلة انتقالية، وتصبح الشعارات بديلاً عن الإنجاز، والخطابة تعويضاً نفسياً عن الفعل. لا يعود الخلل في غياب الكلمات الكبيرة، بل في انفصالها عن الواقع الذي يفترض أن تعبّر عنه. فنحن نتحدث عن الوطن بينما تمزقه الولاءات الضيقة، وعن العدالة بينما نمارس التمييز، وعن الحرية بينما نخشى الاختلاف، وعن النهضة بينما نعيد إنتاج الشروط التي عطلتها. وهذا هو السحر الأيديولوجي الذي يجعل الأوهام قابلة للتوارث، والمعجزات المؤجلة قابلة للانتظار جيلاً بعد جيل.
إن من الأخطاء المنهجية أن نبحث عن سبب واحد شامل لتخلف مجتمعاتنا، فنحمّل الاستعمار وحده المسؤولية، أو نلقيها على التراث أو الدين أو الآخر. وليس في ذلك إنكار لأثر الاستعمار والتدخلات الخارجية، ولا تجاهل لثقل الموروثات الثقافية، وإنما المشكلة تبدأ حين يتحول التفسير إلى وسيلة لتبرئة الحاضر من المسؤولية. فالتاريخ ليس محكمة نبحث فيها عن متهم نلقي عليه اللوم، بل مجال لفهم العلاقات بين الأسباب والنتائج، وبين الخيارات التي اتخذناها والاحتمالات التي أهدرناها. إن السؤال النقدي الحقيقي هو: ما الذي فعلناه بما ورثناه، وكيف تعاملنا مع التحولات التي مررنا بها، وما الذي منعنا من التعلم من إخفاقاتنا؟
ومن هنا تأتي أهمية الدولة الحديثة. فالدولة ليست مجرد علم ونشيد وحدود جغرافية، وليست امتداداً لشخصية الزعيم أو فضيلة الجماعة التي تتولى الحكم؛ إنها نظام من القواعد والمؤسسات التي تنظم العلاقة بين المواطنين، وتضبط استخدام القوة، وتحمي الحقوق، وتحدد المسؤوليات. لقد تعلمت المجتمعات الحديثة، عبر قرون من الحروب والصراعات والانهيارات، أن البشر ليسوا ملائكة، وأن حسن النوايا لا يكفي لضمان العدالة. ولذلك لم تبنِ الدولة الحديثة استقرارها على انتظار صلاح الحاكم، بل على تقييد سلطته بالقانون وإخضاعه للمساءلة.
وهنا تكتسب فكرة العقد الاجتماعي أهميتها الفلسفية؛ فالعيش المشترك ليس دائماً ثمرة محبة متبادلة أو تطابق في المعتقدات، بل هو أيضاً ضرورة عقلانية تفرضها حاجة البشر إلى الأمن وتنظيم المصالح وحماية الحقوق. نحن لا نحتاج إلى أن نتشابه في كل شيء كي نعيش معاً، بل نحتاج إلى قواعد عادلة تمنع اختلافاتنا من التحول إلى حروب. فالسياسة الرشيدة لا تلغي الصراع، وإنما تنقله من الشارع والسلاح إلى المؤسسات والحوار والانتخابات والقضاء. ولا تفترض أن الجميع صالحون، بل تنشئ الضمانات التي تحول دون استبداد أي طرف بالآخر.
وتزداد هذه المسألة تعقيداً في المجتمعات التي تتجاور فيها هويات قبلية ومناطقية ومذهبية وعائلية متنافسة. ففي بعض هذه المجتمعات قد تتساوى الجماعات في شعورها بالاستحقاق والمكانة، لكنها تظل منقسمة في ولاءاتها ومصالحها. وحين تغيب القواعد المؤسسية المقبولة لتنظيم التنافس على السلطة والثروة والوظيفة العامة، تتحول المساواة في الشعور بالجدارة إلى منافسة مفتوحة على النفوذ. ولا تكمن المشكلة في التعدد ذاته، بل في العجز عن تحويله إلى تعددية سياسية منظمة، تتعايش فيها الجماعات تحت سقف المواطنة والقانون. فالتنوع يمكن أن يكون مصدر ثراء حضاري، لكنه يتحول إلى مصدر استنزاف حين تصبح كل جماعة دولة داخل الدولة، وترى في السلطة غنيمة لا مسؤولية عامة.
وبهذا المعنى كتبت مقالي عن العلمانية بوصفها تنظيماً للتعدد ومنعاً لاحتكار الدولة باسم عقيدة أو مذهب أو جماعة. ليست المسألة إقصاء الدين من المجتمع، بل ضمان ألا تتحول عقيدة فريق إلى أداة لحرمان الآخرين من حقوقهم. فالدولة المدنية لا تسأل المواطن عن قبيلته أو مذهبه قبل أن تحميه، ولا تجعل الانتماء شرطاً للحصول على المواطنة. إنها دولة تتسع للمؤمن وغير المؤمن، وللمتدين والعلماني، وللمختلفين في الرأي والهوية، ما دام الجميع خاضعين لقانون عادل يحمي حقوقهم المتساوية.
لقد كتبت مراراً أن أخطر ما يصيب السياسة هو غياب المسؤولية. فالسلطة ليست امتيازاً، وإنما عبء أخلاقي وقانوني. ولا تُقاس قيمتها بقدرتها على السيطرة أو حشد الأنصار، بل بقدرتها على حماية الناس، وتأمين حياتهم، وإدارة الموارد، وتحقيق العدالة، وتحمل تبعات القرارات. وحين تقع الكوارث ولا نعرف من المسؤول عنها، وحين تتوزع المسؤولية بين أشخاص ومؤسسات وجماعات حتى تتلاشى، يصبح الفشل بلا صاحب، وتتحول المحاسبة إلى خطاب فارغ.
إن السؤال الأهم في أي نظام سياسي رشيد هو: من المسؤول؟ من اتخذ القرار؟ من يملك صلاحية التصرف؟ ومن يُحاسب حين يفشل؟ هذه الأسئلة البسيطة هي التي تفصل بين الدولة الحديثة وشبكات النفوذ، وبين السياسة بوصفها إدارة للشأن العام والسياسة بوصفها صراعاً على الغنائم. فالسلطة التي لا تخضع للمحاسبة تصبح قوة سائبة، والقوة السائبة قادرة على تحويل المجتمع إلى رهينة لمصالح من يمتلكونها.
ولا يمكن فصل هذه الأزمة عن التعليم والاقتصاد والثقافة. فالنهضة لا تتحقق بمجرد تغيير الخطاب السياسي إذا بقيت المدرسة عاجزة عن تنمية التفكير النقدي، والجامعة خائفة من حرية البحث، والاقتصاد غير قادر على توفير فرص عادلة، والكفاءة مغلوبة أمام الولاءات. إن المجتمع الذي يدفع أبناءه إلى الهجرة بسبب الإقصاء وانعدام الفرص يخسر جزءاً من مستقبله، والمجتمع الذي يمنح الوظائف العامة على أساس القرب والولاء بدلاً من الجدارة يعاقب الكفاءة ويكافئ الرداءة. لذلك لا بد أن يكون الإصلاح الثقافي متصلاً بإصلاح المؤسسات، وأن تقترن الحرية بالعدالة الاجتماعية، وأن يصبح التعليم أداة لبناء الإنسان المستقل، لا وسيلة لإعادة إنتاج الطاعة.
إن أسباب تعثرنا ليست لغزاً يستعصي على الفهم، ولا سرّاً لا يمكن الاقتراب منه. لكن معرفة الأسباب لا تعني بالضرورة امتلاك الإرادة لمعالجتها. وربما تكمن المشكلة في أن بعض النخب تستفيد من استمرار الأزمة أكثر مما تستفيد من حلها، وأن تغيير الكلمات أقل كلفة من تغيير البنى التي تنتج الفشل. فمن السهل أن نعلن ثورة جديدة، وأن نرفع شعاراً جديداً، وأن نمنح السلطة اسماً جديداً، لكن الأصعب أن نقبل بقانون يقيدنا، ومؤسسة تحاسبنا، وحق متساوٍ لمعارضينا، وانتقال سلمي للسلطة قد يُخرجنا من مواقع النفوذ.
ولهذا فإن الخروج من مأزق التخلف يبدأ باستعادة الإنسان باعتباره غاية التنمية وفاعل التاريخ، وبناء دولة مدنية ديمقراطية لا تحتكرها جماعة أو سلالة أو منطقة أو أيديولوجيا، وإرساء مواطنة متساوية، وتعزيز حرية التفكير، وربط السلطة بالمسؤولية والمحاسبة. كما يبدأ بالتخلي عن انتظار المنقذ الفرد، والزعيم الاستثنائي، والمعجزة التي ستصل ذات يوم من خارج التاريخ. فالتقدم ليس هبة، والنهضة ليست أمنية، والدولة العادلة لا تُبنى بالنوايا وحدها، وإنما بالعمل المؤسسي والتعلم من الأخطاء والقدرة على مراجعة الذات.
وأنا لا أعتقد أن مجتمعاتنا محكوم عليها بالتخلف، كما لا أعتقد أن التقدم حكر على شعب أو حضارة. لقد أثبت التاريخ أن المجتمعات قادرة على تغيير مساراتها حين تتوافر لها شروط المعرفة والحرية والمؤسسات، وحين تتعلم أن الاختلاف لا يستلزم العداوة، وأن القوة لا تمنح صاحبها حقاً مطلقاً، وأن شرعية الحكم لا تنفصل عن قدرته على حماية الناس وخدمتهم.
ولعل السؤال الذي أود أن أضعه أمام هذا الحوار هو: هل تكمن أزمتنا في أننا لا نعرف أسباب تخلفنا، أم في أننا نعرف كثيراً منها، لكننا لم نمتلك بعد الإرادة السياسية والأخلاقية لتحويل المعرفة إلى تغيير؟
أميل إلى الاحتمال الثاني. فنحن لا نفتقر إلى الشعارات بقدر ما نفتقر إلى المؤسسات التي تمنحها معنى، ولا نفتقر إلى الحديث عن الحرية بقدر ما نفتقر إلى الممارسة التي تحميها، ولا نفتقر إلى الدعوة إلى الوحدة بقدر ما نفتقر إلى العدالة التي تجعلها ممكنة. إن السياسة ليست ما نرغب فيه فحسب، بل ما نستطيع بناءه ضمن حدود الواقع وإمكاناته، والسياسي المسؤول ليس من يعد الناس بالمعجزات، بل من يملك الشجاعة ليقول الحقيقة، ويعمل على توسيع الممكن، ويقبل أن يخضع قراره للمساءلة.
لسنا في بداية التاريخ ولسنا في نهايته، لكننا مسؤولون عن الطريقة التي نعيش بها لحظتنا التاريخية. وما لم نتعلم أن نغيّر شروط الواقع بدلاً من الاكتفاء بتغيير الكلمات، وأن نبني المؤسسات بدلاً من انتظار المعجزات، وأن نجعل القانون أعلى من الجماعة والزعيم، فستظل الأجيال تتوارث الأوهام نفسها، وتعيد إنتاج المآسي ذاتها، بينما يتغير قاموس الخراب ويبقى الخراب على حاله.
قوة الحق لا حق القوة؛ والمواطنة حق وليست مكرمة؛ وما ينفع الناس هو وحده ما يستحق أن يبقى.
***
د. قاسم المحبشي








