لقد عبرت مرحله جديده من النضج في حياتي.. فقد اصبحت حياتي ممتلئة بي بأفكاري التي تتسع، ومعرفتي التي تتراكم يوما بعد يوم، وبأحلامي التي أسعى إلى تحقيقها، وعالمي الداخلي الذي اتعلم فيه كيف أرتب فوضاه، وأصنع من وحدته مساحة للتأمل لا سجنا للعزلة.
فليس كل فراغ يحتاج إلى شخص يملؤه، ولا كل وحدة تحتاج إلى علاقة تنقذها، ولا كل صمت ينبغي أن نبدده بأخبار الآخرين.
أحيانا يكون الفراغ فرصة لاكتشاف ما أهملناه في أنفسنا، وتكون الوحدة مختبرا لإعادة بناء وعينا، ويكون الصمت استراحة ضرورية من عالم يطالبنا طوال الوقت بأن نراقب ونعلق ونحكم ونتدخل.
وما أكثر الذين يستنزفون أعمارهم في حياة لم يعيشوها، ومشكلات لم تخصهم، ومعارك لم يخوضوها، وأسرار يتوهمون أن اكتشافها سيضيف شيئا إلى حياتهم. يراقبون الآخرين بشغف، ويفتشون في اختياراتهم، ويتعقبون علاقاتهم، ويحللون دوافعهم، بينما تظل حياتهم الخاصة مؤجلة، وأحلامهم معلقة، وأسئلتهم الداخلية بلا إجابات. يعرفون الكثير عن الناس، لكنهم لم يبذلوا جهدا كافيا ليعرفوا أنفسهم.
لماذا نراقب أخطاء غيرنا بعين يقظة، لكننا يعجز عن مواجهة أخطائنا
ربما تكون وسيلة للهروب من مواجهة الذات، ويصبح الحديث عن عيوب الناس تعويضا نفسيا عن العجز عن إصلاح عيوبنا..
النضج هو أن تعرف أين تنتهي مسؤوليتك، وأين تبدأ المساحة الخاصة بالآخرين، وأن تدرك أن لكل إنسان حقا في أن يعيش بطريقته، يخطئ ويتعلم، ويختار ويراجع اختياراته، دون أن يتحول إلى مشروع دائم للتحليل والمحاكمه في عقول المحيطين به.
و في وجهه نظري احترام خصوصية الآخرين ليس مجرد تهذيب اجتماعي، بل تعبير عن وعي عميق بحدود الذات وحقوق الغير.
إن الوقت الذي تنفقه في مراقبة الآخرين هو جزء من عمرك لن تسترده، والطاقة التي تبددها في تحليل نواياهم كان يمكن أن تتحول إلى معرفة أو مهارة أو فكرة أو تجربة تمنح حياتك معنى أعمق.
لذلك، انصرف إلى ما يبنيك. اقرأ، واكتب، وتعلم، وسافر إن استطعت، واصنع من هواياتك نوافذ تطل منها على عوالم جديدة، وامنح عقلك حقه في السؤال، وروحك حقها في السكينة، وأحلامك حقها في المحاولة.
راقب نموك لا تعثر الآخرين، واحتفي بتقدمك ولو كان بطيئا، وتعلم أن تقيس حياتك بما تضيفه إليها، لا بما تعرفه عن حياة سواك.
لا تجعل سعادتك رهينة بمقارنة نفسك بالآخرين، ولا تجعل قيمتك مرهونة بتفوقك عليهم، ولا تبحث عن الطمأنينة في اكتشاف عيوبهم
اصنع عالما داخليا غنيا بما يكفي لكي لا تحتاج إلى اقتحام عوالم الناس ولا تنشغلوا بإحصاء نجاحاتهم وإخفاقاتهم، فلكل إنسان رحلته الخاصة، ومعاركه التي لا ترونها، وأثقاله التي قد لا يعرف أحد عنها شيئا.
يا رفاق.. الحياة أقصر مما تتخيلون، وأثمن من أن نهدرها في معارك لا تشبهنا، وخصومات لا تضيف إلى أرواحنا شيئا، ومراقبة أشخاص لا يعني وجودهم أو غيابهم فارقا حقيقيا في حياتنا.
أقصر من أن نقضيها في تبرير أنفسنا لمن لا يريد أن يفهمنا، أو إثبات قيمتنا لمن لا يرى إلا ما يريد أن يراه، أو مطاردة رضا الآخرين بينما نفقد رضا أنفسنا.
لن نستعيد السنوات التي عبرت، ولن نعرف كم بقي لنا من الوقت، لكننا نستطيع أن نختار كيف نعيش ما تبقى منه. فلنمنح أعمارنا لما يستحقها، وعقولنا لما ينميها، وقلوبنا لما يجعلها أكثر رحمة واتساعا.
انشغلوا فقط بما يجعلكم أكثر وعيا، وأكثر نضجا، وأكثر قدرة على فهم العالم والتمتع بجماله
عيشوا حياتكم، قبل أن تتحولوا إلى مجرد متفرج على حياة الآخرين. فالعمر الذي تمنحوه لفضولكم لن يعود، والحياة التي تؤجلها اليوم قد لا تمنحك غدا فرصة أخرى لتعيشها
***
ابتهال عبد الوهاب








